الأحد 12 يونيو 2016 09:06 ص

كانت شبه الجزيرة العربية مهد السلطة الإسلامية بعد ظهور الإسلام، وبقيت على هذا الحال حتى نهاية الخلفاء الراشدين، حيث شكلت أسس الإمبراطورية الإسلامية التي ستتبلور لاحقا مع الأمويين والعباسيين وستحكم جزءا مهما من العالم المعروف وقتها من الأندلس إلى حدود الصين. 

لكن الحكم انتقل من شبه الجزيرة العربية إلى دمشق مع الأمويين وبغداد مع العباسيين، ومنذ ذلك التاريخ بقيت شبه الجزيرة العربية بدون مركز للسلطة، بل ولاية من الولايات التابعة لمركز الخلافة وآخره الخلافة العثمانية. ومنذ منتصف القرن العشرين، حاولت العربية السعودية في صمت وأحيانا في علن تزعم العالم الإسلامي، خاصة زعامة العالم العربي منه.

لكنها اصطدمت دائما بحركات سياسية أقوى، وعلى رأسها الناصرية مع جمال عبد الناصر، حيث شكلت مصر نقطة جاذبية لقيادة العالم العربي. وكان هذا طبيعيا للغاية بحكم سيادة الأفكار التقدمية وخطاب مواجهة الإمبريالية، فالشعوب العربية كانت حديثة الحصول على الاستقلال وكانت تريد اكتساب شخصية في مواجهة الآخر، وكانت القاهرة منبع الأفكار السياسية في تحدي الآخر.

لكن ظهور الناصرية لم يمنع العربية السعودية من لعب دور مهم إبان الحرب الباردة، ولكونها لا تمتلك إيديولوجية سياسية واضحة، فقد حملت مشعل الإيمان في مواجهة الإلحاد المقبل من الكرملين، وكانت سندا قويا للغرب إبان الحرب الباردة. ولم تفوت السعودية الغزو السوفييتي لأفغانستان في أواخر السبعينيات لمحاولة تزعم العالم الإسلامي ضد ما اعتبرته غزو دولة ملحدة لدولة إسلامية.

تلك الحرب كانت بداية الانتشار الحقيقي للطروحات السلفية التي يعتبرها الكثير من علماء الاجتماع والسياسة من مصادر التطرف السياسي في الوقت الراهن في العالم الإسلامي.

وبعد فقدان السلطة منذ نهاية حقبة الخلفاء الراشدين، تحاول العربية السعودية في الوقت الراهن لعب دور في الساحة العربية والدولية، في محاولة منها زعامة العالم العربي والإسلامي، خاصة الشق السني. 

ويبقى التساؤل: هل الظروف السياسية ستسمح بتحول الرياض إلى عاصمة القرار السياسي العربي والإسلامي، بعد تراجع دور القاهرة وبغداد ودمشق خلال العقدين الأخيرين؟ وكل دولة تهدف إلى الزعامة وضمان استمرارها يجب أن تتوفر على الأطروحة الفكرية والسياسية وعلى الموارد المالية الكافية.

وإذا كانت الناصرية جذابة إيديولوجيا، فقد فشلت في الاستمرار بحكم الموارد الاقتصادية المحدودة لمصر، بل أصبحت مع مرور الوقت مرتبطة بالمساعدات المالية الخارجية. وفشلت محاولات قام بها زعماء عرب آخرون، وعلى رأسهم العراقي صدام حسين والليبي معمر القذافي.

وتمتلك العربية السعودية بعض، وليس كل الشروط اللازمة للزعامة، فمن جهة، هي تتوفر على موارد هائلة بفضل النفط، ومن جهة أخرى تمتلك سلطة روحية لأنها مهبط الوحي ولاحتضانها مكة والمدنية، الأمر الذي يجعل المسلمين يوجهون أنظارهم ومشاعرهم، ليس الروحية فقط، بل حتى السياسية أحيانا، لكن السعودية فشلت خلال العقود الماضية في زعامة العالم العربي.

عمليا، من النادر جدا العثور في التاريخ على دولة تمتعت بهذه الموارد المالية والروحية وعجزت عن تحقيق قفزة نوعية في الزعامة إلا العربية السعودية.

وهكذا، وبعد قرون من التهميش السياسي التاريخي بسبب انتقال مركزية الحكم باسم الإسلام والخلافة الى مناطق أخرى، سوريا والعراق وتركيا، أي الأمويين والعباسيين والعثمانيين، وبعد عقود من الدور الثانوي خلال التاريخ المعاصر، تحاول السعودية في الوقت الراهن استغلال الفراغ السياسي الناتج عن التطورات التي يشهدها الشرق الأوسط، سقوط نظام صدام حسين وتراجع مصر وسوريا بسبب الربيع العربي، للعمل من أجل زعامة العالم العربي.

هذا الطموح كان في الماضي صامتا ولكنه بدأ يتبلور بشكل بارز وعلني مع مجيء الملك سلمان بن عبد العزيز ويتعاظم مع ولي ولي العهد محمد بن سلمان، حيث تريد السعودية الزعامة العسكرية والسياسية لجزء مهم من العالم الإسلامي السني ونواته الصلبة الملكيات العربية، الخليجة والمغرب والأردن، وتعتبر السعودية أن الظروف الحالية مناسبة. 

تراهن السعودية على عاملين: في المقام الأول، بدء تخلي الدول الكبرى عن العالم العربي، خاصة الولايات المتحدة التي توجه أنظارها إلى منطقة المحيط الهادئ. وفي المقام الثاني، خطر المد الشيعي الذي يتخوف منه عدد من الأنظمة ومنها الملكية والحركات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين والسلفيين.

وتقدم السعودية نفسها الحاضنة للعالم الإسلامي، خاصة العربي السني بعد بدء تخلي واشنطن عن الخليج ودول عربية أخرى مثل المغرب في حالة الصحراء. ولهذا تكثر من احتضان القمم السيادية وترفع من المساعدات المالية لحلفائها من الأردن ومصر والمغرب والسودان.

وعلاقة بالعالم الثاني، لم تتردد السعودية في شن الحرب في اليمن تحت مبرر دعم الشرعية، لكن في الواقع هو مواجهة المد الإيراني في المنطقة، حيث تعتقد أن اليمن تحول الى منعطف في الصراع السني – الشيعي، فانتصار «عاصفة الحزم» سيضع مؤقتا حدا لطموحات طهران، وانتصار الأخيرة سيعني انتقالها الى دول أخرى ومنها البحرين بعدما سيطرت على سوريا والعراق وتتحكم نسبيا في لبنان عبر حزب الله.

لكن طموح السعودية بالتحول الى مركز للعالم العربي والإسلامي بعد تهميش تاريخي منذ نهاية عصر الخلفاء الراشدين، يواجه عراقيل كبيرة للغاية، والتغلب عليها يعني تقديم الرياض تنازلات، وأهمها:

- ضرورة وقف دعم الحركات السلفية في العالم، فجزء من القادة والرأي العام العالمي يحمّل السعودية مسؤولية نشر التطرف. ولم يتردد الرئيس الأمريكي باراك أوباما في توجيه هذا الاتهام للرياض في مقابلة مع مجلة «ذي أتلانتيك» في عدد مارس الماضي.

- رفض جزء من الرأي العام العربي لسياسية السعودية بسبب ما تعانيه العمالة العربية في هذا البلد من خروقات، وبسبب فشل السعودية في الاستثمار في بعض الدول العربية، وينتقد مفكرون وسياسيون عرب عدم تولي السعودية دور ألمانيا في الاتحاد الأوروبي، أي تطوير الدول الفقيرة.

- الاتهامات التي توجهها لها الشعوب بأنها تحارب المد الديمقراطي في العالم العربي بعد اندلاع الربيع العربي وعجزها عن تقديم بديل سياسي باستثناء الطرح الديني.

- صعوبة تقبل بعض دول منطقة الشرق الأوسط ومنها تركيا ومصر زعامة سعودية مطلقة، وهي التي تعتبر نفسها دولا ذات تاريخ مجيد في الزعامة. فمن جهة، عبد الفتاح السيسي يريد تقديم نفسه بمثابة زعيم يجمع بين جمال عبد الناصر ومحمد علي باشا، ولا يخفي طيب رجب أردوغان طموحه بزعامة العالم الإسلامي.

- تراجع أسعار النفط الذي يحد من الطموحات السياسية الإقليمية والعربية للسعودية بحكم اعتمادها الشبه الكلي على عائدات الطاقة.

في غضون ذلك، شبه الجزيرة العربية ونواتها السعودية فقدت السلطة والزعامة بعد عصر الخلفاء الراشدين، وبعد مرور عقود من التهميش هل ستنجح في استعادة هذه الزعامة في الوقت الراهن رغم كل التحديات؟

٭ د. حسين مجدوبي كاتب وصحافي مغربي