الثلاثاء 31 مارس 2015 11:04 م

في الأسبوع الماضي، شن تحالف مكون من الدول العربية شكلته المملكة العربية السعودية، غارات جوية في اليمن، ولا زالت الحملة مستمرة إلى اليوم. وتستهدف تلك الضربات الجوية الحوثيين اليمنيين، طائفة شيعية مدعومة من إيران، وشركائهم السنة الذين يمثلون غالبية القوات العسكرية الموالية للرئيس السابق «علي عبد الله صالح». وما يجعل تلك الضربات محل اهتمام بوجه خاص هو ما ينقصها أو ما يغيب عنها هذه المرة، الطائرات الأمريكية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قدمت دعما استخباراتيا ولوجستيا وغيره، إلا إن تحالف تلك الدول العربية هو الذي قام بمهمة شن الحملة الجوية الطويلة ضد الحوثيين.

ثلاثة أشياء تجعل ذلك مهما.

أولا: إنه يدل على استراتيجية إقليمية جديدة للولايات المتحدة في العملية. وتذهب واشنطن بعيدا عن الاستراتيجية التي انتهجتها في وقت مبكر من العقد الماضي، المتمثلة في استخدام القوة العسكرية الرئيسية في الصراعات الإقليمية، وتقوم بتحويل عبء القتال الأساسي إلى القوى الإقليمية، بينما هي تلعب دورا ثانويا.

ثانيا: بات السعوديون وحلفاؤهم من دول الخليج بعد سنوات من شراء أسلحة متطورة قادرين على تنفيذ حملة متطورة إلى حد ما، على الأقل في اليمن. وبدأت الحملة من خلال تدمير دفاعات العدو الجوية، كان الحوثيون قد حصلوا على صواريخ أرض جو من الجيش اليمني، ثم انتقلت إلى مهاجمة أنظمة القيادة والسيطرة الحوثية. وهذا يعني أنه في الوقت الذي كانت فيه قوى إقليمية راضية عن تحويل عبء القتال إلى الولايات المتحدة، فإنهم قادرون أيضا على تحمل الأعباء إذا رفضت الولايات المتحدة المشاركة.

ثالثا، والأهم: هو الضوء الذي تسلطه الهجمات ضد الحوثيين على الوضع المتنامي في المنطقة: حرب بين السنة والشيعة. ففي العراق وسوريا تدور حاليا رحى حرب واسعة النطاق. وهناك معركة محتدمة في تكريت مع تنظيم «الدولة الإسلامية» السنية وحلفائها من جهة، ومزيج معقد من عناصر الجيش التي يهيمن عليها الشيعة العراقيين والمليشيات الشيعية والجماعات القبلية العربية السنية والقوات الكردية السنية من جهة أخرى. وفي سوريا، هناك معركة بين الحكومة العلمانية برئاسة الرئيس «بشار الأسد»، ومع ذلك يسيطر عليها العلويون الشيعة، وجماعات سنية. ورغم ذلك، فإن هناك سنّة ودروز ومسيحيين وقفوا مع النظام كذلك. وليس من المعقول أن أشير إلى المعارضة السورية كائتلاف، لأن هناك عداء داخلي كبير.

وفي الواقع، هناك توتر ليس فقط بين الشيعة والسنة، ولكن أيضا داخل الجماعات الشيعية والسنية. وفي اليمن، يوجد صراع على السلطة بين الفصائل المحلية المتحاربة، واتسعت دائرته إلى صراع طائفي لصالح لاعبين إقليميين. لقد بات الوضع في اليمن بالغ التعقيد وتجاوز مرحلة مجرد كونه حرب بين الشيعة والسنة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فهمه دون فهم المكون السني الشيعي.

الاستراتيجية الإيرانية والاستجابة السعودية

أهم سبب على الإطلاق هو أن ذلك يمثل خطوة من جانب إيران لكسب مجال رئيسي للتأثير في العالم العربي. وهذه ليست استراتيجية جديدة، فلقد سعت إيران لتأثير أكبر في شبه الجزيرة العربية منذ حكم الشاه. كما سعت جاهدة في الآونة الأخيرة لخلق منطقة نفوذ تمتد من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط. وخلق بقاء حكومة «الأسد» في سوريا، ونجاح حكومة موالية لإيران في العراق هذا المجال للنفوذ الإيراني، نظرا لقوة حزب الله في لبنان وقدرة «الأسد» في سوريا على استعراض القوة.

ولفترة من الوقت، بدا أن هذه الخطة قد عرقلها الانهيار الذي كان متوقعًا لحكومة الأسد في عام 2012، وإنشاء حكومة عراقية ظهرت لتكون ناجحة نسبيا، وكانت بعيدة نسبيا عن كونها دمية في يد إيران. ووضعت هذه التطورات، إلى جانب العقوبات الغربية، إيران في موقف دفاعي، ويبدو أن فكرة النفوذ الإيراني بات مجرد حلم.

ومع ذلك، فقد أعاد بزوغ نجم «الدولة الإسلامية» وبشكل متناقض تنشيط القوة الإيرانية بطريقتين. أولا: في حين أن الدعاية التي تقوم بها «الدولة الإسلامية» لنفسها مروعة وصُممت لجعل التنظيم لا يبدو مرعبا فحسب، ولكنه أيضا قوي جدا، فإن الواقع يقول إنه على الرغم من أنه ليس تنظيما ضعيفا، إلا إنه يمثل مجرد جزء صغير من الطائفة السنية في العراق، وأهل السنة هم أقلية في العراق. وفي الوقت نفسه، فإن الدعاية وحشد الطائفة الشيعية في مقاومة «الدولة الإسلامية» سمح للمستشارين الإيرانيين بتحقيق إدارة فعالة للمليشيات الشيعية في العراق و(إلى حد ما) في الجيش العراقي، وأجبرت الولايات المتحدة على استخدام القوة الجوية جنبا إلى جنب مع القوات البرية التي أنزلتها إيران.

ونظرا للاستراتيجية الأمريكية المتمثلة في عرقلة «الدولة الإسلامية»، حتى لو كان ذلك يتطلب التعاون مع إيران، مع عدم وجود قوات على الأرض، فإن هذا يعني أنه عندما يصبح الضعف الكامن للدولة الإسلامية أكثر من مجرد عامل، فإن الفائز الافتراضي في العراق سيكون إيران .

وتوجد حالة مماثلة إلى حد ما في سوريا، ولكن مع ديموغرافية مختلفة. ودعمت إيران وروسيا حكومة الأسد تاريخيا. لقد كان الإيرانيون مؤيدين أكثر أهمية، خاصة لوقوفهم القوي بجوار حليفهم في المعركة، حزب الله اللبناني. وما بدا في السابق أنه قضية خاسرة، تحول الآن إلى النقيض من ذلك. وكانت الولايات المتحدة معادية للأسد بشدة، ولكن نظرا للبدائل الحالية في سوريا فقد أصبحت واشنطن، على الأقل، محايدة عندما يتعلق الأمر بالحكومة السورية. ويتمنى «الأسد» أن تترجم الولايات المتحدة حيادها إلى حوار مباشر. وبغض النظر عن النتيجة، فإن إيران لديها وسائل للحفاظ على نفوذها في سوريا.

لماذا تدخلت السعودية؟

وعند إلقاء نظرة على أي خريطة ثم التفكير في الوضع القائم في اليمن، فإن شعورا يتولد داخلك حول السبب وراء اضطرار السعوديين ودول مجلس التعاون الخليجي فعل شيء. وبالنظر إلى ما يحدث على طول الحدود الشمالية من شبه الجزيرة العربية، فإن على السعوديين أن يحسبوا حساب إمكانية تحقيق الحوثيين لانتصار، ما يمهد إقامة دولة شيعية موالية لإيران إلى جنوبها كذلك. وسوف يواجه السعوديون ودول الخليج إمكانية حدوث تطويق شيعي أو إيراني لهم. ولن يقف الأمر عند هذا الحد، لكنه سيرتبط أيضا بطرق معقدة.

وما يصب في صالح السعوديين هو حقيقة أن الحوثيين ليسوا وكلاء مثل حزب الله الشيعي، والمال السعودي جنبا إلى جنب مع العمليات العسكرية يهدف إلى قطع خطوط الإمداد الإيرانية عن الحوثيين ما قد يخفف من الخطر عموما. وفي كلتا الحالتين، كان ينبغي على السعوديين ألا يقفوا مكتوفي الأيدي.

وخلال الربيع العربي، كانت البحرين أحد المحاولات الناجحة للإبقاء على حكومة، وإن كانت غير مرغوبة. وفشلت الانتفاضة في المقام الأول، لأن المملكة العربية السعودية تدخلت وفرضت إرادتها على البلاد. وأظهر السعوديون حساسية شديدة تجاه صعود أنظمة شيعية على علاقات وثيقة مع الإيرانيين في شبه الجزيرة العربية. وكانت النتيجة تدخل من جانب واحد وعمليات قمع. ومهما كانت القضايا الأخلاقية، فمن الواضح أن السعوديين خائفون من علو أسهم القوة الإيرانية والشيعية، ومستعدون لاستخدام قوتهم. وهذا ما فعلوه في اليمن.

المسالة بسيطة بالنسبة للسعوديين إلى حد ما. إنهم يمثلون مركز الثقل في العالم الإسلامي السني. وعلى هذا النحو، فقد شرعوا وحلفاءهم في استراتيجية دفاعية من الناحية الاستراتيجية وهجومية من الناحية التكتيكية. هدفهم هو منع النفوذ الإيراني والشيعي، بينما الوسائل لتحقيق ذلك هي حرب تحالف يتم فيها استخدام القوة الجوية لدعم القوات المحلية على الأرض. وما لم يكن هناك غزو كامل لليمن، فإن السعوديين سينفذون الاستراتيجية الأمريكية التي نفذت خلال العقد الماضي، ولكن على نطاق أصغر.

موقف الولايات المتحدة

وبالنسبة للاستراتيجية الأمريكية فإنها أكثر تعقيدا. وقد كتبتُ من قبل أن الولايات المتحدة تبنت استراتيجية تركز على الحفاظ على توازن القوى. ويتسم هذا النوع من النهج دائما بالفوضى، لأن الهدف هو عدم دعم أي قوة بعينها، ولكن الحفاظ على التوازن بين قوى متعددة. ولذلك، فإن الولايات المتحدة تقدم المعلومات الاستخباراتية والتخطيط للمهمة التي ينفذها التحالف بقيادة الرياض ضد الحوثيين وحلفائهم الإيرانيين. وفي العراق، تقدم الولايات المتحدة الدعم للشيعة وحلفائهم عن طريق قصف أهداف تابعة للدولة الإسلامية. وفي سوريا، تبدو استراتيجية الولايات المتحدة معقدة لدرجة تستعصي على التفسير الواضح. وهذه هي طبيعة رفض التدخل على نطاق واسع، ولكن الالتزام بتوازن القوى.

ويمكن للولايات المتحدة أن تعارض إيران في مسرح، بينما تقدم لها الدعم لها على مسرح آخر. نماذج الحرب الباردة ليست ذات صلة هنا.

ويحدث كل هذا في نفس الوقت الذي تبدو فيه المفاوضات النووية على وشك الانتهاء والإغلاق. الولايات المتحدة ليست قلقة حقا بشأن الأسلحة النووية الإيرانية. وكما ذكرت في مرات عديدة، نسمع منذ منتصف العقد الماضي أن إيران على بعد عام أو عامين من تصنيع الأسلحة النووية. وفي كل عام يتم تأجيل التاريخ المشؤوم. عملية إنجاز بناء أسلحة نووية ليست بالأمر السهل، والإيرانيون لم ينفذوا بعد تجربة نووية، وهي الخطوة الأساسية قبل إنشاء سلاح قابل للتسليم. وما كان قضية رئيسية قبل بضع سنوات أصبح الآن جزءا من جملة من القضايا التي تؤدي إلى تفاعل أو دعم أو تناقض في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. سواء إذا كان هناك صفقة أو لا، فستواصل الولايات المتحدة قصف الدولة الإسلامية، ما يساعد إيران، كما ستدعم السعوديين في اليمن.

يبدو أن إيران تبني نفوذ على البحر الأبيض المتوسط، ولكن هذه المرة من المحتمل أن يمتد النفوذ إلى اليمن. وهذا بدوره يخلق تهديدا لشبه الجزيرة العربية من اتجاهين. يحاول الإيرانيون القيام بعملية تطويق. ويتعين على السعوديين الرد، ولكن السؤال عن ما إذا كانت تلك الضربات الجوية قادرة بالفعل على وقف الحوثيين وإعادتهم إلى حيث كانوا.

إن عملية شن الحرب هي أرخص الوسائل وأقصر الطرق، لكنها تفشل في كثير من الأحيان. والسؤال الأول ما الذي سيفعله السعوديون عندئذ. والسؤال الثاني ما الذي سيفعله الأمريكيون. وتتطلب العقيدة الحالية توازنا بين إيران والمملكة العربية السعودية. ولن تستطيع الولايات المتحدة بمقتضى هذه العقيدة، وهذا في الواقع العسكري، المشاركة على نطاق واسع على أرض الواقع في العراق.

الدور التركي

تبدو تركيا صامتة نسبيا، ولكنها حيوية للغاية لهذه القصة. تمتلك أكبر اقتصاد في المنطقة ولديها أكبر جيش، ورغم ذلك يسهل مناقشة هذا الجيش والحوار معه. وتراقب تركيا الفوضى على طول حدودها الجنوبية عن كثب مع تصاعد التوتر في القوقاز والصراع عبر البحر الأسود. بجانب كل هذا، فإن ما يحدث في سوريا والعراق والاتساع المحتمل للنفوذ الإيراني هو أكثر ما يقلق أنقرة. وتحدثت تركيا عن مخاوفها تجاه إيران قليلا قبل ذلك، ولكن في الأسبوع الماضي انتقدت أنقرة فجأة طهران، واتهمتها بالسعي إلى الهيمنة على المنطقة. وكثيرا ما تقول تركيا أشياء دون أن تفعل أي شيء، لكن التطور لا يزال جديرا بالملاحظة.

ويجب أن نتذكر أن الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» يسعى لأن يرى بلاده زعيما إقليميا وزعيمة للعالم السني كذلك. وفي الوقت الذي يقوم فيه السعوديون بدور فاعل ولا يفعل الأتراك شيئا يذكر في سوريا أو العراق، فإن اللحظة تفلت من بين يد تركيا. مثل هذه اللحظات تأتي وتذهب ولا يتغير التاريخ. ولكن تركيا لا تزال القوة السنية الرئيسية والضلع الثالث للتوازن الإقليمي الذي يشمل المملكة العربية السعودية وإيران.

ومن الممكن أن يكون تطور موقف تركيا خطوة حاسمة في إحداث توازن قوى في المنطقة، والذي على أساسه تحدد القوى المحلية، وليست المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، النتيجة. الدور الأمريكي، مثل الدور البريطاني في السابق، لن يكون بشن حرب مباشرة في المنطقة، ولكن عن طريق تقديم المساعدات التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار لميزان القوى. ويمكن مشاهدة ذلك في اليمن أو العراق. إنه لأمر معقد للغاية، ولا يناسبه تحليل مبسط أو أيديولوجي. كما أنه أمر غامض هنا، وسوف يمثل الجيل القادم من ديناميكيات الشرق الأوسط. وإذا وضع الإيرانيون أسلحتهم النووية النظرية جانبا، وركزوا على ذلك، فإن ذلك سوف يهديء الأتراك ويعيد التعادل لميزان القوى.

اقرأ أيضاً

«فورين بوليسي»: لا ينبغي أن نخطئ .. الولايات المتحدة تخوض حربا في اليمن

تحليل إسرائيلي: شرق أوسط جديد يتشكل بعد «عاصفة الحزم»

«ستراتفور»: منافسة تركية سعودية على الزعامة السنية .. وقناة خلفية للتفاوض مع إيران عبر مسقط

«هآرتس»: التحالف العربي في اليمن يخوض صراعه الحقيقي ضد إيران

«الدولة المركز»: ملامح السياسة الخارجية التركية في شرق أوسط مضطرب

الدور السعودي النافذ في الخليج والشرق الأوسط

القدس العربي: «عاصفة الحزم» تعيد التوازن لمكانة السعودية التي أضرتها «عاصفة الصحراء»

الدور السعودي في تقليص التمدد الإيراني

«هآرتس»: الشرق الأوسط بعيون إسرائيلية

كيف يمكن للعرب وإيران فهم عقيدة الرئيس الأمريكي في التعامل مع الشرق الأوسط؟

مصادر إيرانية: اتفاق «سعودي ـ تركي ـ قطري» على خطة لمواجهة إيران

إيران تتمتع بموقع قوة يمكنها من إملاء شروط الحل السياسي في سوريا

«المونيتور»: بعد تاريخ عاصف .. ما القادم في العلاقات التركية الإيرانية؟

حرب اليمن والاستراتيجيات المطلوبة في البحر الأحمر

بين السعودية .. وإيران

مواجهة النفوذ الإيراني عربيا

السعودية في اليمن: القتال من أجل الهيمنة الإقليمية

«ستراتفور»: العراق مركز الصراع على النفوذ الإقليمي بين إيران والخليج

هل تنجح جهود المعتدلين في إيران للتقارب مع السعودية؟

من اليمن .. بدايات نظام عربي جديد

عودة الجيوستراتيجيا ... ومصير أوروبا والغرب هذا القرن

تنامي العلاقات التركية السعودية «مصالح مرحلية» أم مؤشرات «تحالف استراتيجي»؟

أمريكا ودول الخليج .. جسر الخلافات لمواجهة التحديات

نظام دولي متغير يفتقد القواعد المستقرة

نعي المثلث الذهبي

السعودية في مواجهة تحديات كبرى

هآرتس: الملك السعودي يستعرض العضلات في المنطقة

ماذا يعرف العالم عن إيران؟

هل بالإمكان بناء توافق سعودي إيراني؟

«الطائفية» .. كيف توظف في صراع الهيمنة السعودي الإيراني؟!

هل يمكن صياغة مقاربة للأمن الخليجي تقوم على المشاركة بين السعودية وإيران؟

هل ستنجح السعودية في زعامة العالم العربي؟

«ذا ديلي بيست»: رسالة متخيلة من المستشارين السعوديين إلى الملك ونجله

تركيا والصراع على النموذج الإقليمي