الاثنين 15 فبراير 2016 12:02 ص

من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، تخوض كلا الدولتين منافسة على الهيمنة في صراع يتعمق باستمرار من أجل التفوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لفهم ما قد يحدث في السنوات القادمة، فإن الأمر يتطلب العودة في نفس المسار إلى الماضي من أجل استيعاب التفسير الطائفي للأعمال العدائية الحالية، وبناء مناقشة عميقة وموجهة ومتعددة الأوجه للصراع.

وصف «توبي ماثيون»، في مناقشة لمركز العلاقات الخارجية، الرياض بأنها تستخدم الطائفية بوصفها أداة لأجل حشد التأييد السني في الداخل، وعبر منطقة الشرق الأوسط. مستشار وزارة الخارجية الأمريكية السابق، «فالي نصر»، يوافق بدوره على هذا التفسير حيث يعزو عملية إعدام «نمر النمر» إلى رغبة السعودية في حشد تأييد السنة في الداخل، وكذا كسب دعم السنة من مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة الإقليمية.

بالنسبة إلى الرياض، فإن حشد الدعم السني الداخلي والخارجي ضروري لأسباب واقعية بحتة على رأسها تعزيز شرعية بيت آل سعود وبالتبعية ضمان بقائه في مواجهة إيران النشطة.

وقد عقدت السعودية على عجل ما يعرف بـ«التحالف الإسلامي العسكري» والذي تخلو صفوفه من إيران والعراق وهو ما يجعله أشبه بجبهة طائفية مريحة في منافسة ظاهرة محصلتها صفر في الشرق الأوسط. وما يدعم هذه النظرية أيضا هي محاولة السعودية الدائبة من أجل التقريب بين حلفائها السنة المتشاكسين، مصر وتركيا.

تستخدم المملكة العربية السنية قضية الطائفية المثيرة للجدل من أجل إخفاء نواياها الحقيقية، والتي تتلخص في منع صعود الهيمنة الإيرانية النشطة. الإجراءات السياسية التي اتخذتها المملكة العربية السعودية على طول عدد من العقود تدعم بدورها هذا الاستنتاج.

جاء تشكيل مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 كرد فعل على صعود إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، وقد قام بدعم «صدام» في صراعه المستمر منذ عشر سنوات تقريبا مع إيران. الاستياء الإيراني بسبب الدعم الذي وفرته السعودية لنظام «صدام حسين» لا يزال حاضرا في الذاكرة السياسية الإيرانية إلى الآن. يجب أن ينظر إلى التحالف العسكري الإسلامية في سياق كوننا نحيا ظروفا مماثلة لتلك التي شهدت تأسيس مجلس التعاون الخليجي. وتأتي محاولة تسكين الخلافات داخل المعسكر السني (على الأخص بين تركيا ومصر) كوصفة طبية سياسية أخرى في إطار مساعي الرياض إلى تشكيل جبهة موحدة ضد طهران.

من وجهة نظر إيران، فإنه منذ صعود «آية الله الخميني» في منصب المرشد الأعلى بعد قيام الثورة، فقد سعى النظام الجديد إلى دعم روابط الأخوة في الدين مع المسلمين الشيعة في جميع أنحاء المنطقة، وتشكيل هلال شيعي يضم العلويين السوريين، إضافة إلى حزب الله، المجموعة المسلحة في لبنان.

هذا الهلال يتم تغذيته بشكل كبير من قبل رغبة الإيرانيين في العودة إلى ما ترى طهران أنه مكانها الصحيح ضمن نظام شرق أوسطي كقوة إقليمية فارسية مهيمنة. الدعم السري للمتمردين الشيعة الحوثيين في اليمن هو علامة إضافية على التصميم الاستراتيجي الإيراني في الشرق الأوسط. لذا يجب أن يكون مفهوما أن تصدير الفكر الشيعي الإيراني في جميع أنحاء المنطقة يأتي في سياق توازنات القوى ومحاولات إيران للسيطرة أسوة بما فعلت من قبل.

انعدام الشعور بالأمن في السعودية

تشعر المملكة العربية السعودية بالخوف. وهي تستند في قبضتها على السلطة على الشرعية الدينية، والعقد الاجتماعي الذي يربط ما بين آل سعود ومواطنيهم. وهو يتلخص بالجملة في إغداق الفوائد المالية والاجتماعية في مقابل ضمان الدعم السياسي. وقد تعرضت هذه الأسس لهزات كبيرة خلال العام الماضي بفعل كارثة الحج والانهيار العالمي في أسعار النفط.

وقد اضطرت الرياض إلى استنزاف جزء كبير من احتياطياتها الضخمة من النقد الأجنبي. كما أعلنت أيضا ولأول مرة خفض الدعم وبعض استحقاقات الرعاية الاجتماعية. حتى إن الأمير «محمد بن سلمان» قد أعلن أن أرامكو، شركة النفط الوطنية السعودية، سوف يتم خصخصتها بشكل جزئي. وقد كانت صناعة القرار السياسي في السعودية دوما ما تخضع إلى معطيات واقعية. بقاء حكم عائلة آل سعود هو الهدف النهائي، وعلى ذلك فإن تصرفاتها الغريبة يمكن دوما فهمها في إطار تماسك النظام وبقاء الدولة.

حاليا فإن الرياض تواجه تهديدا حقيقيا من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذي يلوح في الأفق حولها وحتى في داخل المملكة. هذا إلى الجانب المعركة الرئيسية حول الهيمنة مع إيران. حيث يبدو إن آل سعود تتم إحاطتهم من قبل عدد من التهديدات الوجودية.

وفي هذا الإطار يمكننا أن نفهم حكم إعدام «نمر النمر» أنه حيلة سعودية من أجل توضيح قوتها وعزمها على مواجهة ما تعتبره تهديدات وجودية في مواجهة مجموعة من القوى المهيمنة. اللعب بورقة الشيعة هو جزء واحد صغير من هذه الاستراتيجية.

كما أن حالة انعدام الأمن في السعودية قد ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني الذي تخشى الرياض من أن يعيد رسم علاقة طهران لتكون أقرب إلى الولايات المتحدة. منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، هيمنت الرياض على العلاقات الأمريكية في الشرق الأوسط. وهكذا فإنه مع تقدم إيران ببطء نحو العودة إلى الحظيرة الدولية، فإن المخاوف السعودية تتزايد من أنه في حال نشوب أي اشتباكات مستقبلية بين الرياض وطهران، فإن واشنطن يمكن أن تنحاز بعيدا عن الرياض وهو تصور غير مستساغ بالكلية بالنسبة إلى حكام السعودية.

لا مواجهات مباشرة

لا تشير النبرة العدائية المتزايدة اليوم إلى التحول من الحرب الباردة إلى الساخنة. لا تتطابق القدرات العسكرية للسعوديين مع نظرائهم في إيران. تمتلك إيران نحو 500 ألف من القوات البرية في مقابل 200 ألف فقط في السعودية. من وجهة نظر اقتصادية، فإن النفط يحافظ على النظام السعودي، والذي يستخدم عائدات النفط لشراء الدعم داخل المملكة و الأصدقاء في خارجها.

تتركز معظم الاحتياطيات النفطية في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، وهو ما يمثل كارثة ديموغرافية حيث إن هذه المنطقة تقطنها أغلبية شيعية. لذلك فإنه من المهم بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية عدم الدخول في مشاكل أكثر حدة مع إيران تجنبا لحدوث اضطرابات في هذه المنطقة.

وعلاوة على ذلك، فإن إيران هي الأخرى لا تريد أن تخاطر بعودتها إلى الحظيرة الدولية وما أعقبها من رفع للعقوبات على الاقتصاد الإيراني. كحليف للولايات المتحدة منذ فترة طويلة، فإن المملكة العربية السعودية تتوقع الحصول على الدعم الأمريكي، مما يجعل العدوان الإيراني السافر ضد الرياض أمرا غير مرجح.

ما سيحدث حقا هو تكثيف للصراعات السعودية الإيرانية بالوكالة عبر منطقة الشرق الأوسط. السخاء العسكري السعودي في اليمن يكلف البلاد مليار دولار شهريا تقريبا وفقا للتقديرات. وتظهر الحرب علامات محدودة جدا على التراجع مع الحديث مؤخرا عن فشل وقف إطلاق النار في إيقاف التزايد المخيف في أعداد القتلى من المدنيين. وقد وضع إعدام «نمر النمر» رمحا آخر في قلب محادثات السلام اليمنية.

ومن المرجح أن يقلص إعدام «نمر النمر» من فرص التوصل إلى أي اتفاق بخصوص المسار السوري في فيينا، بينما سيواصل السعوديون والإيرانيون على حد سواء تعزيز مواقفهم من خلال دعم الوكلاء السوريين لكل منهم. سوف تصلب إيران من عزمها على بقاء «الأسد» في السلطة، في حين سيواصل السعوديون دعم المتمردين المناهضين للأسد في سوريا، في الوقت الذي يتزايد فيه الحديث حول رفع مستويات الدعم أو الاستعداد لتدخل مباشر.

الحجة التي تعتبر أن الطائفية هي الحافز وراء الصراع السعودي الإيراني تغفل ببساطة المنظور الأوسع للعلاقات الدولية. ضمن الموجة الأخيرة للإعدامات في السعودية، لم يكن هناك سوى 4 ( ضمن قائمة ضمت 47 محكوما) من الشيعة. وبالرغم من كل الضوضاء الصادرة حول الأمر، فإن «نمر النمر» كان له صلات واضحة مع حزب الله الحجاز وهي المجموعة الخمينية المسلحة التي نشطت في وقت سابق في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. ودعا «النمر» إلى الكفاح المسلح ضد النظام السعودي الذي وصفه بأنه «غير شرعي». وكان حزب الله الحجاز هو من يقف وراء تفجيرات أبراج الخبر عام 1996، والتي أسفرت عن مقتل العديد من الأميركيين.

كل ما فعلته وفاة «نمر النمر» هو تكثيف المنافسة الجيوسياسية المشتعلة في الشرق الأوسط منذ العقد الماضي، في الوقت الذي يسعى فيه كلا الجانبين في تعزيز مطالباتهم بالقيادة الإقليمية والدينية.