الاثنين 14 سبتمبر 2015 04:09 ص

يعكس التدخل العربي في اليمن لدعم الشرعية وإعادة بناء الدولة تحولاً مهماً في الرؤية الاستراتيجية العربية التي انبنت في العقود الماضية على مبدئين أساسيين هما: منح الأولوية للمجال المتوسطي الذي هو إطار العلاقة الجيوسياسية بأوروبا في تداخل هذه العلاقة بالموضوع الفلسطيني وبالعلاقات مع تركيا، وربط الأمن الحيوي للمنطقة بالبوابة الخليجية التي هي محور المسالك النفطية في ارتباط هذا المحور بالعلاقة الإشكالية المعقدة مع إيران وامتداداتها في الدائرة الآسيوية الواسعة.

وفق المبدئين طرح أهم مشروعين استراتيجيين في العقود الثلاثة الأخيرة: مشروع الاتحاد الخليجي الذي انبثق عن مجلس التعاون الخليجي بمكونه العربي، ومشروع الاتحاد المتوسطي المتعثر الذي قدمت له عدة صياغات من آخرها مبادرة الاندماج التي اقترحها الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي.

ما أهملته هذه الرؤية الاستراتيجية هو الأهمية الفائقة المتزايدة لمنطقة البحر الأحمر التي لم تشكل موضوع اهتمام جدي في المنظور الجيوسياسي العربي، رغم انتماء ستة بلدان عربية إلى هذا المجال، من بينها دولتان محوريتان في النظام العربي هما مصر والسعودية (بالإضافة إلى الأردن واليمن والسودان وجيبوتي).

ولا حاجة للتذكير بالأهمية الاستراتيجية الفائقة لمضيق باب المندب وخليج عدن في ربط المنطقة بالمحيط الهندي وبدور خليج السويس في ربطها بالمجالين المتوسطي والأفريقي وربط القارتين الأوربية والأفريقية، ما يفسر المكانة الاستراتيجية العالمية المحورية لقناة السويس. كما لا حاجة للتذكير بأهمية خليج العقبة في ارتباطه بموضوع الصراع مع إسرائيل.

ورغم هذه البديهيات فإن الرؤية الاستراتيجية العربية لم تُول يوماً لمنطقة البحر الأحمر الأهميةَ المستحقة، سواء تعلق الأمر بمصر التي تعتمد في شريان اقتصادها على قناة السويس ويرتكز أمنها الحيوي في الفضاءين المطلين على البحر الأحمر (سيناء شرقاً وحلايب جنوباً)، أو بالدول الخليجية التي لا ينفصل أمنها الحيوي ومصالحها الإقليمية عن اليمن.

والمعروف أن مشروع محمد علي باشا باني نهضة مصر الحديثة قام على السيطرة على سواحل البحر الأحمر والتمدد جنوباً بضم السودان والوصول إلى منابع النيل، وتلك هي خلفية السياسة الأفريقية لجمال عبد الناصر رغم توجهاته القومية العربية ( أحد الأصدقاء نبهني إلى أن قيام سد النهضة الإثيوبي بتحدياته الخطيرة على الأمن المائي المصري يعني النهاية الفعلية لمشروع محمد علي، وهو ما عبّرت عنه الحكومة المصرية الحالية بقلق شديد).

ما نريد بيانه هو أن القصور الاستراتيجي العربي في الاهتمام بحوض البحر الأحمر يفسر بطبيعة النظرة السائدة للمجال الأفريقي، رغم أن جل مساحة المنطقة العربية توجد في أفريقيا وأغلب سكان العالم العربي أفارقة، كما أن بلدان الجزيرة العربية تطل على الشواطئ الأفريقية وترتبط بها بشرياً وتاريخياً واستراتيجياً من خلال منافذ ثلاثة كبرى: شرق أفريقيا (عمان واليمن) والقرن الأفريقي (مصر والسودان وجيبوتي والصومال) والساحل الأفريقي (المغرب العربي).

وما نراه بوضوح حالياً هو التقاء بؤر التأزم الثلاث ما بين ضفتي البحر الأحمر وصحراء الساحل، حيث تتفاقم موجة التطرف الديني المسلح وتنهار الدول القائمة وتعلن التنظيمات الداعشية (من حضرموت إلى تمبكتو مروراً ببوكو حرام في الحدود المشتركة بين تشاد والكاميرون ونيجيريا).

من هذا المنظور، ندرك وجاهة وأهمية التدخل العسكري العربي في اليمن الذي تقوده المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة باعتباره تصحيحاً للموقف الاستراتيجي السابق من حوض البحر الأحمر وأبعاده الأفريقية، وعياً بالأهمية القصوى لليمن في الأمن الحيوي الخليجي والعربي إجمالاً، بعد أن تركت الساحة طويلا لإيران التي وطدت حضورها عبر البوابة الإريترية قبل أن تعزز حضورها السياسي والعسكري في اليمن.

ومع التأكيد على ضرورة استكمال البناء الخليجي وإصلاح أوجه خلله، يتعين التفكير في بلورة إطار اندماجي واستراتيجي لدول البحر الأحمر والجزيرة العربية يجمع بين البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر بامتداداتها الطبيعية في منطقة الخليج، على أن تتمحور أهدافه حول ثلاثة تحديات كبرى ملحة هي: محاربة حركات وبؤر التطرف والإرهاب، الإسهام في إعادة بناء الدول المتفككة والمتأزمة داخلياً، وإدارة العلاقات العربية الأفريقية التي أهملت كثيراً في السنوات الأخيرة التي ساد فيها وهم تقلص الحاجة الاستراتيجية للقارة السمراء التي يتوقف عليها مستقبل العالم كله، كما يقول المفكر السياسي الفرنسي جاك اتالي.