الأربعاء 4 نوفمبر 2015 09:11 ص

يشير اجتياح قوات روسية شبه جزيرة القرم وضمها الى روسيا والحرب في شرق اوكرانيا، الى أن الرئيس الروسي، فلادمير بوتين لا يحترم مبدأ حرمة الحدود وغلبة المعايير الدولية القانونية. وآن أوان أن يترك الأوروبيون سياسة التمني والإيمان بنظام قاري أوروبي يحتكم الى القانون. فالغلبة في العالم، وهو عالم تسوده قسوة وليس تمنيات، تعود الى القوة والسلطان.

وما التدخل الروسي في سورية وأزمة اللاجئين في اوروبا إلا خير دليل على ما اسوق. وحري بأوروبا ادراك ان ما يترتب على اهمال مصالحها الجغرافية - السياسية هو انتقال أزمات المناطق المجاورة الى عقر دارها.

فبخلاف الولايات المتحدة، ليست اوروبا جزيرة قارية معزولة. فهي امتداد غربي لأوراسيا الضخمة والمترامية الأطراف. وتقع مناطق شرق أوروبا والشرق الأوسط وشمال افريقيا في جوارها المباشر. والاضطراب في هذا الجوار يتهدد أوروبا امنياً في القرن الحادي والعشرين.

ولكن على أي وجه، على اوروبا التعامل مع روسيا إذ تنتهج من جديد سياسات القوة العظمى وتكرر اخطاء الاتحاد السوفياتي؟

فهذا الاتحاد استند الى الاستبداد في سعيه الى الجمع بين طموحات القوة العسكرية العظمى وبين اقتصاد متواضع التطور وصلته بالحداثة ضعيفة. وروسيا جارة اوروبا، والتعايش معها حيوي. ولكن الطموحات الجيوسياسية الروسية تهدد الأمن الأوروبي.

لذا، لا غنى لأوروبا عن علاقات عابرة للأطلسي قوية، ولا عن تجديدها قدارت الردع والدفاع. وفي الأمد القصير، يتوقع ان تغلب على العلاقات مع روسيا مساعي طي الحرب في شرق أوكرانيا والحفاظ على وحدة اراضي «الأطلسي» في الشرق، والحؤول دون تمدد الأزمة الى الجنوب الغربي والبلقان. وثمة تحديات استراتيجية كبيرة تبرز.

فأوروبا تلتزم اليوم سياسة إزاء الصين- وهي القوة العالمية البارزة في القرن الواحد والعشرين - ضعيفة الصلة بالواقع. والسياسة هذه هي خليط من إبداء القلق من حال حقوق الإنسان وإعلاء شأن مصالح الشركات. على أوروبا ادراك الأخطار الجغرافية السياسية المرتبتة على علاقتها بالصين وحماية مصالحها. فالصين تقع في أقصى شرق أوراسيا. وهي تسعى الى مد طريق حرير جديدة عبر آسيا الوسطى وروسيا الى أوروبا.

وهذا مشروع بالغ الضخامة، وقدر الاستثمار فيه حوالى 3 تريليون دولار. وتسوّغ بكين هذا المشروع تسويغاً عملانيا: الحاجة الى تنمية غرب الصين الذي حرم من ثمار النجاح الاقتصادي في المناطق الساحلية.

لكن المشروع هذا بالغ الأهمية في ميزان الجغرافية السياسية: فالصين، وهي قوة برية، ترغب في تحدي النفوذ الاقتصادي والسياسي الأميركي- والولايات المتحدة هي القوة البحرية الأبرز- في أوراسيا.

فمشروع طريق الحرير الصينية يرمي الى ارساء بديل استراتيجي عن البنى الغربية العابرة للأطلسي. وروسيا امام خيارين: لعب دور الشريك الصغير في هذا المشروع أو جبه أخطار المواجهة مع الصين في آسيا الوسطى. ولكن أوروبا ليست مثل روسيا امام الخيار بين الغرب والشرق. ولا مصلحة لها في الاختيار بين توجه الى الشرق أو الى الغرب.

فمثل هذا التوجه يزرع الشقاق في أوروبا سياسياً واقتصادياً، ويقسمها. وتشد أوروبا أواصر قوية الى أميركا، وهي أواصر قيمية واقتصادية. ولا غنى لها عن ضمانات امنية عابرة للأطلسي.

ويحتاج الاتحاد الأوروبي الى علاقات طيبة بالصين ولا يسعه عرقلة مشروع طريق الحرير. لذا، حري بأوروبا التمسك بمصالحها إذ تتعامل مع الصين. وعدم التفريط بالمصالح الأوروبية يقتضي شد اللحمة الأوروبية وتشكيل جبهة موحدة تذود عن مصالح القارة.

وتسلط أزمة اللاجئين الضوء على اهمية شبه جزيرة البلقان (وفيها اليونان) في ميزان المصالح الأوروبية. فالبلقان هي الجسر البري الى الشرق الأوسط والشرق الأدنى. وتركيا بالغة الأهمية في هذا الميزان. ولم تكن حسابات القادة الأوروبيين في محلها في مطلع المفاوضات على عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهم اخطأوا الحساب إذ اعتقدوا بأن علاقات وثيقة معها تساهم في انتقال نزاعات الشرق الأوسط الى اوروبا. ولكن اليوم ثبت ان ضعف العلاقات بتركيا هو وراء غياب النفوذ الأوروبي في هذه المنطقة (الشرق الأوسط) وفي منطقة البحر الأسود وآسيا الوسطى.

ولا ريب في ان التطورات السياسية الأخيرة في تركيا، وهي وثيقة الصلة بطموحات رجب طيب أردوغان وعسكرة القضية الكردية من جديد، تفاقم عسر العلاقة السياسية بتركيا. لكن جعبة اوروبا خاوية من خيار بديل (عن التقرب من تركيا). 

فالتدخل الروسي في سورية وتحالف الأمر الواقع بين الكرملين وطهران يحمل تركيا على التقرب من اوروبا والغرب من جديد. والنفوذ الأوروبي في الشرق الأوسط ضعيف. والمنطقة هذه ستبقى مضطربة الى امد بعيد. وعلى اوروبا تجنب الانحياز الى طرف في النزاع الشيعي والسنّي.

فالمصالح الأوروبية تحفظها سياسة غموض استراتيجي.

لكن هذه المقاربة لا تقوم لها قائمة في شرق المتوسط. فموقع الشرق الأوسط، ومنه ساحل شمال افريقيا، استراتيجي، وهو يؤدي دوراً بارزاً في الحسابات الأمنية الأوروبية التي تضطر الى الاختيار بين سياسة «ماري نوستروم» (بحرنا، بسط النفوذ على هذه المنطقة) وبين الصدوع بجوار منطقة مضطربة.

وحري بالاتحاد الأوروبي ان ينتهج سياسة في افريقيا تتخفف من الأفكار ما بعد الكولونيالية. فأولوياته هي ارساء استقرار شمال افريقيا، والمساعدة الإنسانية، ودعم طويل الأمد للتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتوطيد العلاقات بأفريقيا يقتضي احتمال تشريع الهجرة نحو اوروبا.

ويترتب على عودة الجغرافيا السياسية (اضطراب ميزان القوى وعدم استقراره وتأثير العوامل الجغرافية في التخطيط السياسي والعسكري) أن تختار أوروبا في القرن الحادي والعشرين بين تقرير مصيرها والإمساك بمقاليده أو الهيمنة الخارجية. ومصير الغرب كله هو رهن طريقة مواجهتها لتحديات هذه المرحلة.

 

* وزير خارجية ألمانيا السابق ونائب المستشار الألماني بين 1998 و2005، عن موقع «بروجيكت سانديكيت».