الخميس 14 مايو 2015 12:05 م

اليمن أفقر دولة في العالم العربي، محرومة من الموارد، تمزقها الانقسامات القبلية والطائفية الدينية، وتعاني من الحرب الأهلية. ورغم أن هذا البلد الصغير يقع في الجزء السفلي من شبه الجزيرة العربية إلا إنه بات سببا في تحطيم التحالفات القديمة والعمل على إنشاء أخرى جديدة مثيرة للدهشة. ففي الوقت الذي تواصل فيه المملكة العربية السعودية هجومها الجوي على المتمردين الحوثيين، فإن المؤيدين والمعارضين للنظام الملكي في الرياض يعيدون تشكيل المشهد السياسي بطريقة لن تختفي بمجرد انتهاء القتال على الأرجح.

وتتمثل النسخة السعودية من الحرب في أن إيران الشيعية تحاول السيطرة على اليمن السنة عبر وكلائها الحوثيين لتهديد الحدود الجنوبية للمملكة، وفرض سيطرتها على مضيق باب المندب الاستراتيجي في البحر الأحمر. ويدعي الإيرانيون عدم وجود أي سيطرة لهم على الحوثيين، وأنه لا خطط لديهم للسيطرة على المضايق، وأن هذه الحرب ليست سوى مسألة داخلية على اليمنيين أن يشرعوا بأنفسهم في حلها.

وقد أنشأ السعوديون للوهلة الأولى ائتلافا هائلا يتكون من جامعة الدول العربية وممالك مجلس التعاون الخليجي وتركيا والولايات المتحدة. ويبدو أن هذا «التحالف» غير صلب، في الوقت الذي يبدو اهتمامه بمن فيه أكثر من اهتمامه بما سيقوم به.

وتوجد مصر وتركيا ضمن التحالف، لكن ينظر إلى وجودهم وعدم وجودهم على أنه أمر سواء.

في البداية، أحدثت مصر ضجة حول إرسال قوات إلى الميدان، فالجيش السعودي لا يمكنه التعامل مع الحوثيين وحلفائهم. ولكن كما نشرت صحيفة المونيتور على لسان سفير القاهرة في اليمن «يوسف الشرقاوي» والذي بدا غامضا: «أنا لست الشخص الذي يقرر التدخل البري في اليمن. هذا يعود إلى تقدير السلطة العليا في البلاد والأمن القومي المصري».

ودعمت السعودية الانقلاب العسكري في مصر ضد حكومة جماعة الإخوان المسلمين، وعملت على إبقاء النظام العسكري واقفا على قدميه من خلال ضخ المساعدات المالية باستمرار، وربما تلجأ الرياض في نهاية المطاف إلى الضغط على القاهرة لإنزال قوات على الأرض في حرب اليمن. وتجدر الإشارة إلى أن آخر مرة خاض فيها المصريون حربا ضد الحوثيين سقط منهم آلاف الضحايا، كما أن مصر ترمي بثقلها الكامل ضد التمرد الإسلامي في سيناء.

وفي حين تعهد الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بدعم «تدخل المملكة العربية السعودية»، وطالب «إيران والجماعات الإرهابية» بالانسحاب، فقد حرص أردوغان على القول إنه ربما يفكر في تقديم «دعم لوجستي استنادا إلى تطور الوضع».

وفي الوقت الذي أخذ فيه «أردوغان» على عاتقه معاقبة إيران لدعمها لنظام «الأسد» في سوريا ووجودها العسكري في العراق، فإن طهران تحركت لتساعد حكومة بغداد ضد «الجبهة الإسلامية». كما يبحث أيضا الاستفادة من الأموال السعودية. الاقتصاد التركي الآن في ورطة، ودينها العام هو الأعلى، وتكاليف الاقتراض آخذة في الارتفاع في جميع أنحاء العالم. ومع اقتراب الانتخابات المهمة القادمة في يونيو/حزيران، يعيش «أردوغان» على أمل مساعدة السعوديين في تلك الخطوة.

ويعد الحصول على تلك المشاركة في الواقع مسألة أخرى. ويعتقد الأتراك أن السعوديين الآن هم في ورطة، فاليمن مكان صعب موحش لكسب الحرب، وأي هجوم جوي دون قوات برية فالنجاح نسبته صفر.

وعندما رد الإيرانيون بشدة على تصريحات «أردوغان»، تراجع الرئيس إلى الوراء. إيران هي الشريك التجاري الرئيسي بالنسبة للأتراك، ومع احتمالية انتهاء العقوبات الدولية ضد طهران قريبا، فإن هذا سيصب في صالح تركيا. وخلال زيارة «أردوغان» الأخيرة إلى طهران، أصدر الرئيس التركي ووزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» بيانا مشتركا يدعو إلى وضع حد للحرب في اليمن، و التوصل إلى «حل سياسي».

وتدعم الجامعة العربية الحرب، ولكن بدرجات متفاوتة. وتعارض العراق الهجمات السعودية، وتقف الجزائر على مسافة من خلال الدعوة إلى وضع حد لـ«كل تدخل أجنبي». وحتى دول مجلس التعاون الخليجي، التي تمثل ملوك النفط في الخليج، المتفقة كالعادة يوجد بينها منشق. سلطنة عمان متاخمة اليمن وحاكمها السلطان «قابوس» يشعر بالقلق من انتشار الفوضى عبر حدود بلاده. وعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة تشارك في القصف الجوي على أنحاء اليمن، تستعد الإمارات العربية المتحدة أيضا للاستفادة من حالة إزالة العقوبات المفروضة على طهران. «إيران على أعتابنا، علينا أن نكون هناك»، بحسب «مروان شحادة» الذي يعمل كمصمم لصحيفة فايننشال تايمز من دبي. وتابع: «من الممكن أن تكون هناك لعبة تغيير عظيمة».

ومع ذلك، فإن الغياب الأكثر بروزا في التحالف السعودي هو غياب باكستان، البلد الذي تلقى مليارات الدولارات في صورة مساعدات من المملكة العربية السعودية، والتي احتمى رئيس وزرائها الحالي «نواز شريف» بالرياض من غضب الجيش الباكستاني في عام 1999. وعندما أعلنت السعودية عن نيتها مهاجمة اليمن، كانت باكستان ضمن الائتلاف، كنوع من أعمال الغطرسة التي ارتدت بنيران عكسية سيئة. وطلب البرلمان الباكستاني النقاش حول هذه القضية، وبعد ذلك صوت بالإجماع بالبقاء على الحياد. وفي الوقت الذي أعلنت فيه إسلام آباد عزمها «الدفاع عن سيادة المملكة العربية السعودية»، لم يفكر أحد بأن الحوثيين يعدون العدة للزحف على مدينة جدة.

ولا تحظى حرب اليمن بأي شعبية في باكستان، وتم دعم إجراءات البرلمان على نطاق واسع، ودعا أحد كتاب الأعمدة إلى رفض «إملاءات دول مجلس التعاون الخليجي». ولا توجد غير منظمة «عسكر طيبة» التي خططت لمذبحة مومباي عام 2008 في الهند تدعم السعوديين.

وتعتمد باكستان في الواقع على السخاء السعودي، وبالتالي تدفع في مقابله توفير الأمن للرياض، ولكن هذه العلاقة المتبادلة بدأت تنفد.

أولا، هناك غضب واسع النطاق بسبب الدعم السعودي للجماعات الإسلامية المتطرفة، والتي يعتبر بعضها في حالة حرب مع الحكومة الباكستانية. في العام الماضي، ارتكبت أحد هذه المنظمات وتدعى «طالبان باكستان» مذبحة بحق 145 شخصا، من بينهم 132 طالبا في بيشاور. وفرضت عملية محاربة مثل هذه الجماعات في وزيرستان الشمالية ضريبة على الجيش الباكستاني الذي يتعين عليه أيضا إيلاء الاهتمام للجارة الجنوبية الهند.

وهناك انتقادات شديدة اللهجة للمملكة العربية السعودية لدعمها التفسير الوهابي الصارم للإسلام، والذي يتم تحميله الجزء الأكبر من مسؤولية زراعة التوترات بين السنة والشيعة في باكستان.

ثانيا، تعمل إسلام آباد على تعميق علاقاتها مع الصين. وفي منتصف إبريل/نيسان تعهد  الرئيس الصيني «شي جين بينج» باستثمار 46 مليار دولار لتمويل «طريق الحرير» الجديد في بكين من غرب الصين إلى الخليج. وسوف يشمل هذا التوسع الهائل الميناء في جوادر في إقليم بلوشستان الباكستاني المضطرب، وهو المنفذ الذي يقول عنه «بروس ريدل»، خبير أمني بالشأن الجنوب أسيوي وزميل بارز في معهد بروكينجز وأستاذ في جامعة هوبكنز، إنه سوف «ينافس دبي أو الدوحة كمركز اقتصادي إقليمي».

والصين، هي الأخرى، قلقلة بشأن الأمن في بلوشستان بسبب تمردها المستمر منذ فترة طويلة ضد الحكومة المركزية، فضلا عن المقاومة المستمرة من قبل مسلمي الإيجور، الناطقين باللغة التركية، في مقاطعة شينجيانغ غربي الصين. ويزيد عدد مسلمي الإيجور على عشرة ملايين شخص، ويعانون التهميش والتمييز ضدهم من قبل «الهان»، المجموعة العرقية المهيمنة في الصين.

وقد ساعد الأثرياء السعوديون في تمويل بعض هذه الجماعات، ما جعل بكين وإسلام آباد غير سعداء بسبب ذلك. وتعهدت باكستان بإنشاء قسم أمني خاص مكون من ألف رجل لحماية الاستثمارات الصينية. ووفقا لـ«ريدل» فقد أخبر الصينيون الباكستانيين أن بكين سوف «تقف إلى جانب باكستان في حالة أن علاقات الأخيرة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تهاوت».

وقد لعبت الولايات المتحدة دورا مهما في اليمن، وإن كان غير مريح. فقد عملت على إمداد المملكة العربية السعودية بالاستخبارات والمعلومات والوقود للطائرات الحربية السعودية في الجو. كما اعترضت أيضا على أسطول إيراني متجه إلى اليمن، حيث زعمت واشنطن أنها كانت تحمل أسلحة للحوثيين. وتنفي إيران تلك الاتهامات جملة وتفصيلا، لكن هناك أدلة دامغة في أن طهران تقدم أسلحة إلى المتمردين.

وفي الوقت الذي تدعم فيه واشنطن السعوديين، فقد طلبت من الرياض تخفيف حدة الهجمات والبحث عن حل سياسي. وتخشى الولايات المتحدة أن الفوضى الناجمة عن الحرب تسمح لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بالتقاط الأنفاس. وكانوا الحوثيون، محل الضربات الجوية حاليا من السعودية، هم المعارض الرئيسي للمجموعة الإرهابية.

وتزداد الأزمة الإنسانية في اليمن حرجا. فهناك أكثر من ألف شخص، وكثير منهم من المدنيين، لقوا مصرعهم، وتسبب القصف الجوي الذي تقوده السعودية في نزوح أكثر من 300 ألف لاجئ. وتم حصار اليمن بحرا وجوا، ما تسبب في عدم وصول الغذاء والماء والإمدادات الطبية إلى البلاد التي تعتمد إلى حد كبير على استيراد المواد الغذائية.

ومع ذلك، فإن إدارة «أوباما» من المرجح أن تتحول عن السعوديين؛ الذين هم بالفعل غاضبون تجاه تفاوض واشنطن على اتفاق نووي مع ايران. ولم تكتفي الولايات المتحدة بدعم الهجمات السعودية، بل فتحت حنفية الأسلحة إلى الرياض.

وقد أدى الاتفاق النووي الإيراني إلى ما ينبغي أن نخلع عليه لقب أغرب التحالفات في المنطقة، إسرائيل والمملكة العربية السعودية. فالرياض على نفس الموجة التي عليها حكومة «نتنياهو» عندما يتعلق الأمر بإيران، وهما يتعاونان في محاولة منهما لنسف الاتفاق. ووفقا لصحفي التحقيقات «روبرت بيري»، فإن التحالف بين تل أبيب والرياض زيّنه هدية سرية بقيمة 16 مليار دولار أمريكي من الرياض إلى حساب التنمية الإسرائيلي في أوروبا، والبعض منها تم استخدامه لبناء المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة.

السعوديون والإسرائيليون على نفس الجانب في أزمة الحرب الأهلية السورية أيضا، وبالنسبة لحديث الرياض عن دعم الفلسطينيين، فإن هناك أعضاء من دول مجلس التعاون الخليجي، قطر والكويت فقط، هي التي قدمت المال للمساعدة في إعادة اعمار غزة بعد الهجوم الإسرائيلي الصيف الماضي علىها.

وعلى الرغم من أن كل هذا يصبح في النهاية من الصعب التنبؤ به، إلا أنه من الواضح أنه رغم كل القوة المالية، فلا يمكن للسعوديين الحصول على لاعبين إقليميين رئيسيين، عدا إسرائيل، على ظهر السفينة. وأي تحالف مع إسرائيل، الدولة التي تعاني عزلة شديدة اليوم بسبب سياساتها الاحتلالية أكثر مما كانت عليه في تاريخها، من غير المرجح أن يكون مستقرا بشكل قوي.

ويقول مراسل الشرق الأوسط المستقل صاحب الخبرة الطويلة «روبرت فيسك» إن السعوديين يعيشون في خوف من الإيرانيين الشيعة، و«الدولة الإسلامية» وتنظيم القاعدة وخيانة الولايات المتحدة والمؤامرات الإسرائيلية، حتى من أنفسهم؛ خوفا من بدء الثورة ليس في مكان آخر من العالم السني لكن بين العائلة المالكة نفسها.

الحرب في اليمن يحركها "الخوف" في المقام الأول. والسؤال الآن: لماذا يجب أن تتوقف الولايات المتحدة عن صب الزيت على النار، وأن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي مطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، وتقديم المساعدات الإنسانية، والتوصل إلى حل سياسي بين اليمنيين الأطراف اليمينة المتناحرة.