الجمعة 20 مارس 2015 06:03 ص

للعوامل الداخلية في كل من السعودية وتركيا أثرٌ كبير في التقارب بين البلدين، كما أن هنالك تحديات إقليمية مشتركة. تلك العوامل تزيد من فرص الالتقاء السعودي-التركي حول ملفات عديدة، أهمها: السوري واليمني والإيراني. لكن هنالك عقبات أبرزها اختلاف وجهات النظر حول الملف المصري. وتقودنا هذه العناصر مجتمعة إلى القول بأن هنالك فرص تقارب كبيرة بين البلدين، لكنها تبقى محصورة في التعاون حول كل ملف على حدة، مما يعني ضعف فرص التحالف الاستراتيجي طويل الأمد. 

تشكِّل الأوضاع السياسية الداخلية لكل من الرياض وأنقرة، إضافة لوجود عناصر تهديد مشتركة لكل من أمنيهما في إقليم الشرق الأوسط، عاملَيْن مساعدين على بناء تحالف سعودي-تركي مبنيّ على مقاربة لملفات المنطقة، كلّ على حدة؛ بهدف تجاوز نقاط عدم الالتقاء، خصوصًا في الملف المصري. وفي هذا السياق يمكن قراءة زيارة «أردوغان» للرياض، التي تم التحضير لها عبر مشاورات استمرت لأسابيع. 

تمت عملية انتقال السلطة في الرياض ووصول جيل الأحفاد لدفّة الحكم بكل سلاسة واستقرار، كما قام الشعب التركي بتجديد ثقته في حزب العدالة كما هو واضح من الانتخابات المحلية والرئاسية التركية العام الفائت. هذا يعني أن هنالك فريقين في السلطة في كل من الرياض وأنقرة، وسيبقيان طويلًا نسبيًّا. وبناءً على هذا، فإنه لابد لأحدهما من التعامل مع الآخر.

رافق هذا التحول، تحولٌ آخر في العاصمة السعودية؛ فبعد أن كانت أولوية السعودية منقسمة بين معالجة ملف «الإخوان» والتصدي للتوسع الإيراني، يبدو أن الرياض قد حسمت أولويتها وقررت وضع مجابهة التوسع الإيراني على رأس القائمة. وفتح هذا مجالًا واسعًا لتعاون الرياض مع جماعات «الإخوان»، كما دلت على ذلك تصريحات وزير الخارجية الأمير «سعود الفيصل» التي قال فيها: «ليس لنا أي مشكلة مع الإخوان المسلمين، مشكلتنا فقط مع فئة قليلة تنتمي لهذه الجماعة، هذه الفئة هم من في رقبتهم بيعة للمرشد». ويدل على ذلك أيضًا وصول وفد من جماعة «الإصلاح» اليمنية إلى الرياض للتشاور مؤخرًا.

إضافة إلى ذلك، فإن المؤشرات السياسية الداخلية في تركيا تقود إلى الاعتقاد بارتفاع فرص بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة لفترة طويلة نسبيًّا. كما أن هنالك مؤشرات على إدراك تركيا بأن المحور الإقليمي الذي انتظمت فيه مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين يقوم باستهلاك طاقاتها، كما طاقات السعودية لصالح إيران.

وشجّع هذا على بروز محاولات جادة لإيجاد حلول وسط، والتقاء الطرفين في منتصف الطريق، خصوصًا فيما يتعلق بملفَّي الربيع العربي، وتوسع نفوذ إيران. وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن هنالك ملامح لانضمام السعودية إلى المحور القطري-التركي، حيث سيقوم هذا المحور على التعاون في ملفات المنطقة.

إجمالا، مع وجود فريقين في السلطة في كل من الرياض وأنقرة، يبدو أن الطرفين قد أدركا أن كليهما سيبقى في السلطة لفترة طويلة نسبيَّا، وأنه لابد من تعامل أحدهما مع الآخر. يبدو جليًّا أن إمكانيات فرص التعاون تتزايد بين الطرفين، لكنه تعاون لا يرتقي لدرجة التحالف الاستراتيجي، وإنما يبقى تعاونًا حول الملفات ذات الاهتمام المشترك.

يتبنى هذا التقارب بين الطرفين السعودي والتركي، هدف تعزيز الحكومات المركزية والتخفيف من حدة صراع الهويات الفرعية؛ من أجل إضعاف الفواعل من «غير الدول»، التي تعتبر أدوات المشروع التوسعي الإيراني، كفيلق بدر وحزب الله، ومصادر التهديد الرئيسية كتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة. كل ذلك يمر من خلال تحويل اللعبة السياسية إلى توازن بين الأنظمة والمعارضة في الدول الهشة؛ حيث يبقى كلاهما في داخل إطار الدولة، وليسا خارجين عنه.