الثلاثاء 27 أكتوبر 2015 01:10 ص

كان «منتدى الاتحاد العاشر» فرصة للغوص في أسباب قضية اليمن وخلفياتها، وفي عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، فضلاً عن محاولة استشراف المستقبل في المديَين القريب والبعيد. فالحرب ماضية في تأكيد عروبة اليمن كما في توثيق علاقته بمنظومة دول الخليج العربي، ويفترض أنها تشكّل خطوة أولى حاسمة نحو تحصين أمن الخليج.

فبعدها لن يكون أي بحث في معادلات النفوذ أو الترتيبات الأمنية الإقليمية محكوماً بمصطلحات كانت سائدة حتى الآن، مثل «شرطي الخليج»، والأكيد أنها لن تعود صالحة. لابد أن تكون العلاقات بين دول هذه المنطقة علاقات «طبيعية» وفقاً لمفاهيم التعاون والاستثمار في التنمية، فهذه وحدها يمكنها تبديد التشنجات والانقسامات والأوهام التي زرعتها الإيديولوجيات الدينية والمذهبية.

والمعاناة التي يشهدها اليمن الآن هي فرصة تاريخية له، ولن يحدّد أهدافها ويحققها سوى اليمنيين في نهاية المطاف. سيظل لـ«التحالف العربي»، وبالأخص للسعودية والإمارات، فضل مساعدتهم للنهوض ببلدهم بمقاربة جديدة لا علاقة لها بما عاشوه طوال العقود الماضية. ولاشك أن تجربة عميقة هي قيد التخلّق حالياً في اليمن.

فقد حانت منذ زمن ضرورة بناء الدولة بالخروج من عهد أسود تسلّط فيه علي عبدالله صالح على مقدّرات البلد، وحان أيضاً إنتاج مفهوم أكثر نضوجاً لـ«يمن واحد بستة أقاليم» لأن صيغة الشطرين أصبحت من الماضي، ولأن صيغة «الوحدة» أديرت بعقلية مريضة جعلت أكثر من منطقة شمالاً وجنوباً تتوق للانفصال، وأخيراً لأن حال التمرّد الحوثي شكّلت اختراقاً لمشروع إيراني تخريبي ليس لليمن فحسب بل لمجمل دول الخليج كما هو اختراق سوريا والعراق ولبنان تخريبي أيضاً.

تبقى أولى أولويات «إعادة الأمل» النجاح في إنقاذ اليمن وأهله من المصير الذي كان يقودهم إليه أعداء الداخل من حوثيين وأتباع «المخلوع». فهذا هو الإنجاز الذي يصنع انتصاراً حقيقياً في مواجهة التدخل الإيراني، ونموذجاً طيباً لما يعنيه «النفوذ» بمعزل عن أي اعتبارات فئوية أو مذهبية.

ثمة تفاصيل في مجريات الحرب الدائرة يمكن اختصارها في اتجاهين متكاملين: اليمنيون يريدون النهوض ببلدهم، والخليجيون يريدون استحقاق أمنهم..

هذا هو الاختبار الراهن، وهو قيد التفاعل بإمكانات غير مسبوقة خليجياً وحتى يمنياً، فالتضحيات تصهر الجميع وتساهم في صنع مستقبل أفضل، لأنه سيكون أكثر وضوحاً على المستويات كافة.

انطلاقاً من الوضوح في مسألة اليمن نفسه يمكن استشراف الأهمية الاستراتيجية لـ«عاصفة الحزم» التي استنهضت العرب في بدايتها ولا تزال مصدراً لآمالهم. لا يمكن تجاهل التغيير الذي فرضته على المعادلات، وهو تغيير لم يتخذ شكله النهائي لأن الصراع مستمر.

ورغم عدم التدخل المباشر في سوريا إلا أن الحدث اليمني انعكس على أزمتها بأشكال عدة، بدليل أن المعارضة أوصلت النظام إلى حافة الانهيار، ما أدّى بالتالي إلى التدخل الروسي كمؤشر إلى أن فاعلية الدور الإيراني بلغت حدّها الأقصى.

والرهان مستمر على «عاصفة الحزم» كي تكون رافعةً للوضع العربي برمّته، فهي شكّلت المفاجأة غير المتوقعة في زمن الانهيار العربي. ويصعب بعد الآن تخيّل المشهد من دونها، وإذا كانت الولايات المتحدة في صدد الانسحاب وتريد من دول الإقليم أن ترفع التحدّي وتتولّى شؤون أمنها، فإن «التحالف العربي» يشكل استجابة لهذا التحدّي.

لعل الرهان الأكثر إلحاحاً يتركّز الآن على إمكان تعزيز هذا التحالف ليصبح «القوة العربية المشتركة» المأمولة، أو النسخة المستحدثة منها. ولا يمكن هذه القوة أن توجد إلا بوجود رؤية عربية مشتركة، وكذلك لا يمكن هذه الرؤية أن تتوفّر في ظل انقسامات غير مفهومة في كثير من الأحيان.

ذاك أن بعضاً من العرب اشتقّ لنفسه منهجاً بأن لا يرى ولا يسمع ولا يدرك خطر تدخلات إيران حتى بعدما استفحلت وظهرت مفاعيلها التخريبية على بنى الدولة وقواها المسلحة في أربعة بلدان عربية، وبعضاً آخر من العرب لا يزال يفكّر ويتصرّف بعقلية «نظام عربي رسمي» لم يعد قائماً.

أكثر من سواها، تبدو تجربة اليمن نموذجاً تأسيساً لبدايات نظام عربي جديد، وهي لا تزال في منتصف الطريق، فالصعوبات ماثلة وسط تحديات ثلاثة على الأقل، كلٌ منها واجب لابد منه: الحسم العسكري والحل السياسي وإعادة الإعمار بكل مجالاتها.

ذاك أن الحوثيين وحلفاءهم أضاعوا منذ «جنيف1» إمكانات الحل السياسي ليجعلوا من الحسم العسكري خياراً وحيداً، ولا يزالون يناورون لجعل «جنيف2» فرصة للاحتفاظ بما أمكن من مكاسب حققوها أساساً بالتآمر على الدولة والانقلاب عليها.