السبت 19 سبتمبر 2015 09:09 ص

سوف يستمر رئيس الوزراء العراقي بمواصلة الإصلاحات لتخفيف القبضة الإيرانية على بلاده.

هناك عدد متزايد من منافسي إيران في المنطقة يسعون إلى تحدي موقف إيران باعتبارها قوة أجنبية مهيمنة في العراق.

وكلاء إيران أقوياء و لديهم نفوذ كبير في البرلمان العراقي وسوف يواصلون تدعيم وجودهم  في العراق في المستقبل المنظور.

تحليل

العراق، هو ممر عبور تاريخي بين الإمبراطوريات الكبرى في الشرق والغرب، وها هو يشتعل مرة أخرى في قلب معركة بين القوى الإقليمية التي تبحث عن حماية مصالحها الخاصة.

فمنذ سقوط نظام «صدام حسين»، رسخت إيران هيمنتها في العراق، وهو الوضع الذي تم تكريسه بعد انسحاب القوات الأمريكية في عام 2011. 

ومع ذلك، فإن مكانة إيران الآن قد لا تكون مضمونة.  حيث دفع  رئيس الوزراء العراقي «حيدر العبادي» إلى ذلك من خلال العديد من الإصلاحات التي تحد من الدور الإيراني في البلاد، وقام بخلق فرصة للدول الأخرى في المنطقة لتقديم أدوار تسمح  بمزيد من النفوذ في العراق. لكن أمام هذه التوجهات فإن إيران لن تتراجع دون قتال. و سوف تستخدم كل وسيلة لها، بما في ذلك القوات بالوكالة، لحراسة وحماية مصالحها في العراق.

منافسو إيران يقتربون

خلقت التغييرات الجديدة في العراق التي يقوم بها رئيس الوزراء «حيدر العبادي» والمدعومة من المرجع الشيعي «آية الله علي السيستاني» استياءا إيرانيا واسع النطاق من الحكم، حيث أن تنفيذ العديد من الإصلاحات الرئيسية في العراق من شأنه أن ينأى بالعراق سياسيا عن جارتها المتعجرفة. وتعرب إيران عن قلقها إزاء تطور الأحداث في البلاد التي تصب في اتجاه تحقيق هدف إسقاط محور طهران القوى في الشرق الأوسط، وقد بدأت طهران خطة  ضد الإصلاحات التي يتابعها القادة العراقيون.

دول مجلس التعاون الخليجي هي الأخرى وجدت الفرصة سانحة لتعزيز نفوذها في العراق، وقد اتخذت بقيادة المملكة العربية السعودية خطوات لكسب ود حكومة «العبادي». فبعد 25 عاما من الغياب الدبلوماسي، تفتتح المملكة العربية السعودية سفارة في بغداد وقنصلية في أربيل في 24 سبتمبر/أيلول بعد انتهاء عطلة عيد الأضحى المبارك. دول الخليج الأخرى ليست بعيدة أيضا عن هذا النهج. ففي 11 سبتمبر/أيلول، اختارت قطر سفيرها المستقل إلى العراق. 

العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، يحاولون رفع مكانتهم في العراق من خلال التقدم كوسيط في محادثات بين بغداد والقبائل السنية في العراق.

 قطر، على سبيل المثال، استضافت مجموعة كبيرة من النواب العراقيين في وقت سابق من هذا الشهر في ما وصفته بـ«مبادرة المصالحة العراقية». حيث هناك هدف مشترك بين الحكومة العراقية ومجلس التعاون الخليجي يتمثل  في الحد من النفوذ الإيراني في العراق، وإضعاف  قوة «الدولة الإسلامية» في المنطقة.

تفاقمت الأزمة المالية في العراق بسبب تراجع أسعار النفط، وأدت لتأخير رواتب قوات الأمن، ومع هذه الأزمة يمكن لدول الخليج الغنية أن تتواصل ببراعة مع بغداد من خلال القروض أو المنح، بما في ذلك 500 مليون دولار كمساعدات من مجلس التعاون الخليجي قد خصصت بالفعل للاجئين العراقيين.

وقد بدأت قوى إقليمية أخرى مثل تركيا والأردن أيضا بإظهار مصلحتها في تحسين علاقاتها مع العراق. فعلاقة تركيا مع رئيس حكومة إقليم كردستان السيد «مسعود بارزاني» تتدهور. فقد استأنفت أنقرة أيضا حملة عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني وتوترت الترتيبات الاقتصادية مع أربيل، بسبب تعزيز مصلحة تركيا في توسيع التعاون مع العراق كذلك.

أنقرة تقوم بمغازلة عدد من المسؤولين العراقيين بالفعل، بما في ذلك نائب الرئيس العراقي السابق «أسامة النجيفي» و«إياد علاوي» وظهر ذلك خلال زياراتهما الأخيرة إلى تركيا.

وفي الوقت نفسه، فإن الأردن تواجه تهديدا مستمرا من «الدولة الإسلامية» على حدودها، وتسعى لتنسيق أمني ​​أكبر مع العراق لمكافحة انتشار الجماعة المسلحة. وتشير مصادر «ستراتفور» أن الأردن قد زادت من تعاونها لمواجهة زحف «الدولة الإسلامية» على المواقع التي تشغلها  القوات العراقية على الحدود المشتركة بين البلدين.

التهديدات الداخلية والخارجية

العديد من هؤلاء المنافسين لهم مصالحهم الاستراتيجية التي تتعارض بشكل مباشر مع مصالح إيران، وهو الأمر الذي زاد من مخاوف طهران حول إصلاحات «العبادي» في الآونة الأخيرة. وقد أثبتت إيران بالفعل استعدادها للدفع مرة أخرى ضد رئيس الوزراء العراقي ومنافسيها في المنطقة لمنع تقويض دورها في العراق. طهران لديها العديد من الأدوات التي يمكن استخدامها لحماية نفوذها، بما في ذلك المساعدات العسكرية الضخمة التي تواصل تقديمها لبغداد في حربها ضد «الدولة الإسلامية». حيث إن السلاح الرئيسي يبقى مع مجموعة واسعة من وكلائها من الميليشيات الشيعية.

حاليا، أكبر تهديد للميليشيات الشيعية في العراق، وخصوصا تلك التي تعمل كوسطاء في إيران، هو قانون الحرس الوطني الذي اقترحه «العبادي»، وقد اقترح رئيس الوزراء القانون في أواخر عام 2014 لتشجيع المزيد من الشمولية من خلال تقديم مبادرة إلى الطائفة السنية لزيادة مشاركتها في المسائل الأمنية خاصة في مواجهة العراق مع «الدولة الإسلامية». ومنذ ذلك الحين، تطور قانون الحرس الوطني إلى آلية أوسع تشجع على إدراج كل من العشائر السنية والميليشيات الشيعية، بما في ذلك وحدات الحشد الشعبية، في إطار الحرس الوطني الذي يرتبط مباشرة بنظام القيادة والتحكم المركزي في بغداد.

ويهدد قانون الحرس الوطني الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. فقد تفقد إيران نفوذها لدى الميليشيات إذا تم تمرير القانون، وهي تعارضه بطبيعة الحال لذلك. وفي الوقت نفسه، لا تزال الفصائل الكردية في العراق على موقفها بمقاومة أي تحرك من بغداد لمواصلة تركيز السلطة، وخاصة في المجالات الأمنية والعسكرية. تواجه بغداد معارضة كبيرة، فقد لاقى «العبادي» صعوبة في المضي قدما في اقتراحه.

أكبر مصدر قلق لحكومة «العبادي» هو فعالية إيران في تعبئة ميليشياتها، وأبرزها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، لمعارضة مبادرات رئيس الوزراء وتعزيز النفوذ الإيراني. الميليشيات، بقيادة كتائب حزب الله، شنت حملة إعلامية تصور قانون الحرس الوطني كجزء من مؤامرة أوسع بين «الدولة الإسلامية»، وحزب البعث والولايات المتحدة. علما بأن الميليشيات تتمتع بحرية كبيرة في بغداد ولم يترددوا في استخدام القوة لإنجاز مطالبهم. فعلى سبيل المثال، اختطفت الميليشيات الشيعية نائب وزير العدل ومدير التحقيقات في شرق بغداد يوم 8 سبتمبر/أيلول.

مثل هذه الأعمال أقنعت مجلس النواب العراقي لإزالة الاقتراح من النظر في 7 سبتمبر/أيول، وقبل يوم واحد من التصويت على تمرير القانون. مقاومة الميليشيات بقوة لقانون الحرس الوطني مكنت بعض المشرعين من معارضته أيضا.

وقد ضربت ميليشيات إيران أيضا في تركيا، فمن المحتمل أن ما حدث في يوم 2 سبتمبر/أيلول كان بناء على طلب من طهران، حيث خطف مسلحون 18 من عمال البناء الأتراك في بغداد.  حيث قام خمسة مسلحون ملثمون يشتبه أنهم ينتمون الى كتائب حزب الله، تحت لافتة تحمل شعار  مألوف عند الشيعة «فرقة الموت». وقرأ الأتراك المخطوفين قائمة من المطالب التي تضمنت انسحاب القوات التركية من العراق، ووقف شراء النفط من حكومة إقليم كردستان وإنهاء الحصار عن قرى شيعية سورية. وقد داهمت القوات العراقية مقر كتائب حزب الله، لكنها لم تجد الرهائن الأتراك.

ولأنه من غير المرجح أن الميليشيات الشيعية ذات الصلات الوثيقة مع إيران ستنفذ مثل هذه العملية دون موافقة طهران، فإن عملية الاختطاف تشير إلى استعداد أكبر من جانب إيران لاستخدام وكلاء عراقيين لمنع منافسيها الإقليميين من كسب النفوذ في العراق.

وعلى الرغم من المقاومة الشرسة التي تواجه «العبادي»، فمن غير المرجح أن يتراجع عن جهوده الإصلاحية في أي وقت قريب. وفي الوقت نفسه، سوف يستمر الثقل الإقليمي للتأثير على السلطة هناك لملء الفراغ الناجم عن تراجع النفوذ الإيراني.

سوف تواجه إيران عددا متزايدا من التحديات التي تواجه مكانتها باعتبارها قوة أجنبية مهيمنة في العراق. ومع ذلك، فإن وكلاءها أقوياء ولديهم نفوذ كبير في البرلمان العراقي، وستحافظ إيران على وجود قوي في المستقبل القريب.