الخميس 29 أكتوبر 2015 04:10 ص

لا يزال المحتجون على فساد ساسة النظام العراقي، المطالبون بالاصلاح، يواصلون تظاهراتهم كل يوم جمعة، باستثناء الجمعة الماضية، ببغداد، لتزامنها مع العاشر من محرم وتوجه مواكب العزاء إلى كربلاء التي سارع الساسة ومثقفوقراط العملية السياسية الى اعلان بيعتهم لها. المظاهرات مستمرة على الرغم من مواجهة المتظاهرين العديد من الصعوبات كنقاط التفتيش وسد الطرق وتفريقهم بالقوة، إضافة إلى تعرض عدد منهم للضرب والخطف والقتل. 

بمرور الأسابيع، تطورت شعارات التظاهرات، ومطالب المتظاهرين في العديد من المدن، بضمنها الموصوفة بأنها مقدسة ويدعي النظام تمثيلها وإنقاذ أهلها من «المظلومية». توافق تطور مطالب المتظاهرين مع توجه المرجعية الشيعية بالدعوة إلى وضع حد للفساد واصلاح النظام لتصبح التظاهرات، بشكل تدريجي، مظاهرات دعم وإسناد لشخص رئيس الوزراء «حيدر العبادي»، باعتباره من يعول عليه لإجراء الاصلاحات إزاء «قوى الفساد»، في خضم التظاهرات، واختلاط الحابل بالنابل، صار «العبادي» هو المنقذ، خاصة، بعد أن أعلن عن نيته إجراء حزمة إصلاحات، بقيت مجرد تهويمات إعلامية، متناسين بأن ولاء «العبادي» لحزبه، أي حزب الدعوة، الذي قاد البلاد والعباد إلى الخراب خلال سنوات حكمه. 

هكذا مرت الأسابيع والجماهير بانتظار الإصلاحات مما أتاح فرصة لساسة النظام بأن يستردوا أنفاسهم وأدخلوا الشعب، بأساليب قمعية – إعلامية، في متاهة تشتيت الجهد الجماعي إضافة إلى محاولات اختراق صفوف المتظاهرين، اذ دخلت على خط التظاهرات ميليشيات معروفة بإجرامها الموثق، ووجهها السياسي الشعبوي كأسلوب لاستيعاب المطالب. كما حاول اختراق التظاهرات ساسة غارقون بالفساد، متظاهرين بالنقاء السياسي والأخلاقي.

حاولت مجموعات من المتظاهرين التصدي لهذه المحاولات، ونجحت بإفشال مشاركة الساسة إلا أنها، وبحكم ضعف الجهود التنسيقية الموحدة، وبروز وجوه إعلامية معينة على حساب الناشطين والمجموعات الأقل ظهورا إعلاميا، لم يكن بقدرتها مواجهة كل الحراب الموجهة ضدها، خاصة بعد أن لجأت أجنحة من النظام إلى أسلوبها المعتاد أي الاختطاف والتعذيب والتصفية الجسدية، ضد كل من يرفع صوته مطالبا بالكرامة والعدالة.

كما حدث في التظاهرات الجماهيرية السابقة ومنها مظاهرات واعتصامات ساحات الكرامة في الأنبار والموصل نهاية عام 2012، واستمرت لعدة شهور، قبل أن يقوم رئيس الوزراء وأمين عام حزب الدعوة «نوري المالكي»، باستهداف المتظاهرين اعتقالا وقتلا وقصفا بالبراميل المتفجرة، متهما إياهم، كالعادة، بالإرهاب والطائفية. 

وثقت منظمة «هيومان رايتس ووتش» الدولية ما واجههه المتظاهرون حينئذ في تقاريرها، خاصة الحصار الذي فرض على مدينة الفلوجة ومذبحة الحويجة حيث «قامت عناصر من جنود الجيش والشرطة الاتحادية والقوات الخاصة بإطلاق النار على حشد من نحو ألف متظاهر، في 23 نيسان 2013، فقتلت أكثر من 50 شخصا». 

وها هي المنظمة تعود اليوم لتصدر تقريرا عن المتظاهرين وما يتعرضون له، بعنوان «ضرب واختطاف متظاهرين في العراق، النيابة العامة تخفق في التحقيق» وثقت المنظمة في تقريرها حالات اختطاف وتعذيب لإجبار الناشطين على الاعتراف بأنهم «ينتمون إلى منظمة داعش الإرهابية وأن يكشفوا عن هوية ممول المظاهرة»، ومن ثم أخفاق النيابة في الاستجابة للشكاوى القضائية التي قدمها ضحايا تلك الاعتداءات في بغداد والناصرية، جنوب العراق، ومدينة الحلة. ولايزال الناشط المختطف «جلال الشحماني» مجهول المصير حتى الآن.

ووصف المتظاهر «أحمد الخيقاني» والمحامي «حسين كريم» كيف داهمت شرطة مكافحة الشغب متظاهرين يطالبون بتحسين الخدمات وإنهاء الفساد وقطعت طريقين للإحاطة بالمتظاهرين الفارين ثم ضربت قوات الأمن المتظاهرين بالهراوات وصعقتهم بالصواعق الكهربية. وحين تقدم 60 متظاهرا مصابا بشكوى لدى النائب العام، أمر وكيل النيابة بفتح تحقيق جنائي مع المتظاهرين لمقاومة التوقيف وإتلاف ممتلكات عامة تقدر قيمتها بما يزيد على مليون دولار! 

على الرغم من ذلك، تشير مجريات التظاهرات، ببغداد، إلى امكانية استمرارها ولكن ضمن توافقات جديدة قد لا ترضي كل الذين خاطروا بحياتهم وجهدهم للمشاركة فيها حتى الآن. اذ تناقلت وكالات الأنباء (المدى برس) خبرا عن لقاء «مقتدى الصدر»، زعيم التيار الصدري وكتلة الاحرار، «مع عدد من الناشطين المدنيين ومن بينهم الناشط جاسم الحلفي». طالب «مقتدى الصدر» في مؤتمر صحفي مشترك: «الحكومة بحماية المتظاهرين وقادتهم والاستجابة لمطالبهم» بينما «لفت الناشط المدني جاسم الحلفي إلى ضرورة مشاركة المدنيين والإسلاميين المعتدلين في التظاهرات». وهو كلام رائع لولا أن «مقتدى الصدر» معروف بمواقفه السياسية الحرباوية. فهو الذي تدخل لإنقاذ «المالكي» من غضب المتظاهرين عام 2011، وممثلي تياره وزراء في الحكومة التي يطالبها بحماية المتظاهرين، وهم مغلفون بالفساد بالاضافة إلى جرائم وإرهاب الميليشيا التابعة له. أما بالنسبة إلى الحلفي، الذي اعتلى المنصة بجوار الصدر كناشط مدني، فهو عضو متقدم في الحزب الشيوعي. الحزب الباحث عن محط رجل منذ أن منحه حاكم الاحتلال الأمريكي «بول بريمر» مقعدا بمجلس الحكم باعتباره شيعيا لا شيوعيا. ليحط من كرامته مرتين، الأولى لتعاونه مع المحتل والثانية لإهانته تاريخ الحزب الذي ارتبط بنضال الشعب وشهدائه ضد المستعمر والامبريالية. 

لقد بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة في شهر تموز عفوية، على الرغم من محاولة البعض التشكيك في أن جزءا منها محم من قبل أجهزة أمن تابعة لـ«العبادي»، وأن أمريكا وحلفاءها ممن يسمون بالتيار المدني يسعون لإستثمارها في ضغوطهم لما يسمى بإصلاح المسار. كما أشار آخرون إلى فكرة أن هناك متعهدين للمظاهرات يعملون للإحتلال ويورطون حسني النية. إلا أن مشاركة جهات شعبية وعمالية وعشائرية وفئات مهمشة عديدة كانت قد انخرطت بدافع وطني ومطالب طبقية وشعبية متعددة، أدى إلى تبديد الشكوك وارتفاع هامش الأمل بتحالف وطني واسع. ويمكن تمييز الحشود المختلفة المشاركة، خصوصا في المحافظات خارج بغداد، بهتافاتها ونوعية لافتاتها البسيطة بأخطائها الاملائية. ليأتي تقارب الصدريين مع ما يسمى بالتيار المدني في هذه الظروف. إن لقاءات كهذه تعيد الشكوك وقد تؤدي الى تحالفات يحصد طرفاها المغانم على حساب المتظاهرين المخلصين، وهو ثمن غال، إلى حد أنني آمل أن تثبت الأيام المقبلة خطأ توقعاتي.

٭ د. هيفاء زنـﮔنه كاتبة من العراق.