كان واحدا من الأهداف الرئيسية لتأسيس مجلس التعاون الخليجي هو تعزيز التعاون بين الاقتصادات المعتمدة على الطاقة في الخليج. ولكن في الواقع الأمر، فإن المصالح الأمنية المشتركة هي التي صارت تربط أعضاء التكتل مع بعضهم البعض. عوامل مثل عدم الاستقرار في المنطقة، والحاجة للحماية من جيرانهم الشيعة، بدلا من النفط والغاز الطبيعي، سوف تستمر في توحيد دول الخليج في السنوات المقبلة.

ومع ذلك، فإن مسار المجلس لن يكون سهلا. قضايا الخلافة، واستراتيجيات التنويع المتنافسة واختلاف الرؤى حول السياسة الخارجية، سوف تزيد من التنافس الذي يقسم أعضاء مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، فإن دول الخليج تدرك أنها أقوى - وأكثر أمانا -  وهي متحدة معا مما هي عليه على حدة. وهو وعي من شأنه أن يضمن أن المجلس سوف يسير بثبات إلى الأمام على الرغم من انقسامه من الداخل.

تحليل

في منتصف القرن العشرين، حفز اكتشاف احتياطيات النفط الضخمة التطور السريع في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وفي نفس الوقت، خلف انسحاب الجيش البريطاني من المنطقة مجموعة من الدول الهشة للغاية. في عام 1976، اجتمع وزراء خارجية كل من السعودية والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة وإيران والعراق في مسقط لمناقشة تدابير أمنية مشتركة وسياسة الدفاع في منطقة الخليج. في نموذجه المتصور، كان من شأن التنظيم الجديد أن يمثل اتحادا اقتصاديا وأمنيا يمتد على طول الخليج ليوحد تلك الدول التي تشترك في اعتماد اقتصاداتها على النفط والغاز الطبيعي.

ولكن في عام 1979، تعطلت هذه المخططات. اجتاحت الثورة الإسلامية إيران لتضع التشيع الأصولي كمذهب رسمي لإدارة الدولة. عنى قادة إيران الجدد أيضا بتصدير عقيدتهم إلى المجتمعات الشيعية في المنطقة، وهو الهدف الذي يهدد دول الخليج العربية السنية. ومع موقف إيران الحاد في معاداة الغرب أيضا، فإن دول الخليج لم يكن لديها أي خيار سوى استبعاد إيران. بعد ذلك بعامين في مايو/أيار 1981، تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي دون إيران والعراق، وظلت علاقة المجلس متوترة مع هاتين الدولتين منذ ذلك الحين.

الأمن أولا

يضم مجلس التعاون الخليجي اليوم كل من السعودية والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة. ومع مشاركة أعضاء المجلس في سوق موحد، فقد جعل الاتحاد التعاون الاقتصادي أولوية واضحة، وتشير ضريبة القيمة المضافة التي يتم مناقشتها حاليا إلى أن الأعضاء في الطريق نحو مواءمة سياساتهم الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الضرورات الأمنية التي حفزت تشكيل المجلس لا تزال تحظى بالأسبقية. الحرب بين إيران والعراق (1980-1988)، وحرب الناقلات (منتصف الثمانينيات)، والغزو العراقي للكويت (1990) كلها أحداث أكدت في عيون دول مجلس التعاون الخليجي مدى حاجتها لدفاع موحد في مواجهة عدوان الدول الشيعية في المنطقة. (هذه الصراعات أيضا دفعت الدول الأقل حجما إلى اللجوء للاحتماء بالمظلة العسكرية للأعضاء الأكبر مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة). وفي عام 1984، أنشأ مجلس التعاون الخليجي قوة درع الجزيرة، وهي جيش صغير قوامه قرابة 10 آلاف مقاتل من مختلف دول الكتلة. لم يتم نشر القوة بشكل فعلي حتى عام 2011 عندما ثار الشيعة في البحرين ضد الملك «حمد بن عيسى آل خليفة»، ما هز ثقة دول الخليج في أن مدفوعاتها السخية سوف تكون قادرة على عزلها عن الاضطرابات.

ومنذ ذلك الحين، نما دور مجلس التعاون الخليجي في الأمن والسياسة في منطقة الشرق الأوسط. وأسهمت التهديدات الناشئة بما في ذلك إقرار الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، وصعود الدولة الإسلامية، في زيادة التقارب بين أعضاء المجلس مع الرغبة المشتركة في الحفاظ على استقرار الملكيات الحاكمة في الدول الست. على الرغم من أجندات السياسة الخارجية للدول الخليجية تختلف في كثير من الأحيان، فإن المجلس لا يزال قادرا على العمل بشكل متناسق بمساعدة الكيانات فوق الوطنية مثل أمانة مجلس التعاون الخليجي، والمجلس الأعلى لمجلس التعاون والمجلس الوزاري لمجلس التعاون. في عام 2015، أنشأ الاتحاد أيضا قوة شرطة دول مجلس التعاون الخليجي ومقرها في أبو ظبي، ومن المنتظر تشكيل جهاز استخباراتي مشترك ومركز للمراقبة في الرياض. تبادل المعلومات هو أحد الاهتمامات المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي على الرغم من وجود بعض المشاريع الأمنية المشتركة الأكبر حجما والأكثر تكلفة مثل مشروع الدفاع الصاروخي الذي تأجل مرارا وتكررا بسبب القلق والجدل حول السيطرة ومواقع القيادة.

بداية بطيئة

هذا لا يعني أن دور مجلس التعاون الخليجي كاتحاد اقتصادي تمت الهيمنة عليه تماما بسبب الأهداف الأمنية. ولكن المجلس كان أكثر بطئا في الوصول إلى أهدافه الاقتصادية. على سبيل المثال، فإن تخفيف قيود التجارة وانتقال الأفراد كان طموحا مبكرا لمجلس التعاون تم الإعراب عنه بعد ستة أشهر من تأسيسه في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 1981. أعلن الاتفاق نية المجلس في الوصول إلى تنسيق للنظم القانونية والاجتماعية والاقتصادية. لكن الخلافات حول كيفية التوجه إلى تحقيق هذا الطموح تسبب في تأخير اتفاق الجمارك والسوق المشتركة لعدة سنوات. عندما تم التوقيع على الاتفاق في عام 2003، استغرق الأمر عاما آخر من النقاش حول كيفية تخصيص الإيرادات قبل تنفيذ الاتحاد الجمركي في الواقع

.

وحتى مع وجود اتحاد جمركي، تبقى التجارة بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون عند مستويات منخفضة حيث تعتمد الكثير من الدول بشكل كبير على الاستثمار في الاتفاقيات التجارية مع الدول غير الخليجية. كتكتل واحد، يعد مجلس التعاون خامس سوق للتصدير بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي وأصبحت الاقتصادات الآسيوية الوجهة الرئيسية لنفط الخليج وغازه الطبيعي. العديد من الشركاء التجاريين للمجلس، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقعوا اتفاقات ثنائية مع أعضائه على حدة. البحرين وسلطنة عمان، على سبيل المثال، وقعتا اتفاقات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في العقد الماضي. ومع كون هذه الدول أقل ثراء من نظيراتها من دول المجلس، فإنها تعتمد على هذه الاتفاقات، وكذا الاتفاقات داخل المجلس، والتي تمثل 25% من إجمالي تجارتها. (وعلى سبيل المقارنة، تمثل التجارة بين دول مجلس التعاون الخليجي نسبة تقل عن 10% من إجمالي التجارة بالنسبة لكل من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت، والتي تعتمد على تصدير أصول الطاقة إلى بلدان خارج مجلس التعاون).

بالإضافة إلى التجارة، فقد تخلفت عملية تكامل العملة والبنية التحتية بين دول المجلس. منذ تأسيسها، التزمت دول مجلس التعاون الخليجي ربط شبكات النقل بين أعضائها. لكن مشروعات السكك الحديدية المقترحة مكلفة وغير فعالة، وقد تم تأجيل موعد الانتهاء منها الذي كان مقرر عام 2018 إلى أجل غير مسمى. وتعثرت محادثات إنشاء عملة موحدة بشكل مماثل في الوقت الذي اختارت فيه دول الكويت وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة حماية وتوسيع الاقتصادات الخاصة بها. لا يزال المجلس النقدي الخليجي، ومقره السعودية، يسعى لتطوير العملة الخليجية الموحدة، ولكن جهوده تحتل موقعا متأخرا في وقت تكافح فيه دول مجلس التعاون في مواجهة إصلاحات العمل الصعبة وانخفاض أسعار النفط.

وسوف يكون تطبيق العملة الموحدة أقل احتمالا مع تقدم دول الخليج تجاه هدفها النهائي المتمثل في التنويع الاقتصادي. يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس مجتمعة حوالي 1.4 تريليون دولار، يأتي معظمها من النفط والغاز الطبيعي. على الرغم من هذا الأمر كان نقطة الضعف الهيكلية الأبرز للتكتل، فإن انخفاض عائدات النفط واهتزاز العقد الاجتماعي الخليجي (عائدات النفط مقابل الولاء)، تركت دول المجلس تكافح لتنويع اقتصادياتها في مواجهة التحديات الجديدة.

التنويع يشعل المنافسة

حركت جهود التنويع المنافسة بين دول مجلس التعاون بسبب اعتمادها على قطاعات متداخلة. جميع أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي، على سبيل المثال، حددوا الشحن وشركات الطيران وصناعات الهيدروكاربون والخدمات المالية، كصناعات ذات أولوية. بعض هذه الدول، ولاسيما الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، قطعت شوطا كبيرا في بناء هذه القطاعات ضمن اقتصاداتها. ويرجع جزء من نجاحهم في ذلك إلى الاختلاف الديموغرافي عن المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان. في الواقع، على الرغم من الروابط اللغوية والتاريخية بين دول مجلس التعاون الخليجي، فقد أصبح كل عضو من أعضائه أكثر استعدادا لتسليط الضوء على خلافاتهم من أجل إشباع روح القومية داخل البلاد. يخاطر ذلك بزيادة التوترات التي خلقتها المنافسة القائمة بالفعل بين دول الخليج. وإذا استمرت هذه التشققات في الاتساع، فإن الدول الأكثر استقرارا في مجلس التعاون سوف تختار الاحتماء ورعاية شعوبها ورفض تحمل عبء البلدان الأخرى التي تواجه تحديات اقتصادية أكثر جسامة.

وفي الوقت نفسه، فإن تباين رؤى دول المجلس حول قضايا السياسة الخارجية يهدد بتقويض وحدته أكثر من ذلك. قطر على سبيل المثال، غالبا ما تجد نفسها معزولة أيديولوجيا من قبل بقية دول المجلس نظرا لأنها تميل في كثير من الأحيان إلى دعم وكلاء إسلاميين من أجل زيادة نفوذها في المنطقة. ظهرت هذه الدينامية بشكل واضح في تونس ومصر بعد الربيع العربي وفي سوريا في الآونة الأخيرة، عندما أيد أعضاء مجلس التعاون الخليجي فصائل مختلفة في كل بلد. وقد حاولت الرياض دفع المجموعة للعمل كوحدة واحدة وتجاوز الخلافات، ولكن الدول الصغيرة قاومت هيمنة السعودية خوفا من تحمل عواقب القرارات العسكرية السعودية. ويتجلى هذا بشكل أكثر وضوحا في التدخل الخليجي في اليمن، حيث تتناقض مشاركة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل حاد مع الحياد النسبي للكويت وسلطنة عمان.

في السنوات المقبلة، سوف يخلق هذا الاحتكاك الكثير من الصراع بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. وسوق تستمر سائر الحكومات في البحث عن المصالح الاقتصادية الخاصة بها خارج المجموعة وفق رؤيتها الخاصة للتنويع الاقتصادي. ومع ذلك، فإن الأمن الذي تستفيده من بقائها متوحدة يفوق سائر الفوائد التي تحصل عليها من السير بمفردها. وهو ما سيضمن أن التكتل سوف يظل قائما على الرغم من القوى التي تهدد بتقسيمه.

المصدر | ستراتفور