الخميس 6 نوفمبر 2014 03:11 ص

(جنيف) ـ قالت منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان إن على حلفاء مصر استغلال استعراض البلاد أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 لإدانة أعظم تدهور تشهده حقوق الإنسان في تاريخ مصر الحديث في ظل الرئيس عبد الفتاح السيسي. وعلى الولايات المتحدة وغيرها من حلفاء مصر بوجه خاص إدانة التهديدات الداهمة بإغلاق أبرز المنظمات غير الحكومية في البلاد.

كما يتعين على الدول الأعضاء أيضاً استغلال الاستعراض الدوري الشامل للوضع الحقوقي في مصر للضغط عليها لإلغاء قانون من شأنه فعلياً حظر التظاهر السلمي، وللإفراج عن آلاف الأشخاص المحتجزين لمجرد التعبير عن آراء سياسية.

وقال فيليب دام، القائم بأعمال مدير مكتب جنيف في هيومن رايتس ووتش: "أخفقت واشنطن ولندن وباريس وعواصم أخرى في مواجهة انقلاب مصر الدرامي على حقوق الإنسان، وعليها أن توضح أن إسكات الجمعيات المستقلة سيضر بعلاقات مصر مع حلفائها".

وكانت الحكومة قد حددت العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني كموعد نهائي لتسجيل جميع المنظمات غير الحكومية بموجب قانون شديد التقييد يرجع إلى عام 2002، أو مواجهة اتهامات جنائية. وفي غياب برلمان منتخب، قام السيسي بتعديل قانون العقوبات بمرسوم صادر في 21 سبتمبر/أيلول 2014، يغلظ العقوبة على تلقي تمويل أجنبي بقصد "ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية" إلى السجن المؤبد وغرامة قدرها 500 ألف جنيهاً مصرياً (70 ألف دولار أمريكي)، واحتمال الإعدام إذا كان متلقي التمويل موظفاً عاماً. ويخشى النشطاء الحقوقيون المصريون ـ الذين كانت تسمح لهم حتى الحكومات السلطوية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك بالعمل ـ أن تستغل السلطات هذا النص غامض الصياغة لملاحقتهم وإغلاق منظماتهم، التي يتلقى معظمها تمويلاً من الخارج.

وقد دفع تهديد الملاحقة الجنائية بعدد من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر إلى مغادرة البلاد، وقال بعض منهم لـ هيومن رايتس ووتش إن مصادر مقربة من أجهزة المخابرات المصرية والنيابة العامة أبلغتهم بأن السلطات أعدت تصاريح للقبض عليهم. وقال عديدون إنهم تلقوا مكالمات هاتفية تنذرهم للتسجيل بموجب قانون سنة 2002، كما تلقى آخرون تهديدات بالعنف البدني.

في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2014، بعد ساعات من العودة من اجتماع للمناصرة في بلد أوروبي، عثر شخص يعمل لدى منظمة حقوقية دولية في القاهرة على رسالة مكتوبة فوق زجاج سيارته الأمامي تقرر "أنك ستموت اليوم". قال هذا الشخص لـ هيومن رايتس ووتش إنه اشتكى للشرطة التي لم تحرك ساكناً. وبعد أن غادر البلاد في رحلة أخرى، اتصل به ضابط من جهاز الأمن الوطني المصري وقال إنه يريد التحدث معه عند عودته، بحسب قوله.

وقال لـ هيومن رايتس ووتش: "ما نراه الآن هو حملة قمعية غير مسبوقة لاحتواء الحركة الحقوقية في مصر، وتصفية حركة حقوق الإنسان، ووضع الجميع تحت السيطرة المباشرة للدولة. إن أي مدافع عن حقوق الإنسان يبقى في البلاد ويتحدى النظام ويكشف عن الانتهاكات سيصبح تحت التهديد".

وقد فوّت مجلس حقوق الإنسان عدة فرص لإرسال رسالة جماعية قوية تحتج على الانتهاكات الجسيمة للحقوق في مصر، وأرسل تردد البعثات الغربية وغيرها رسالة تفيد بأن حقوق الإنسان ليست ضمن الأولويات، مسايرة لرغبة إدارة السيسي في عودة الأمور إلى سابق عهدها، بحسب هيومن رايتس ووتش.

بموجب عملية الاستعراض الدوري الشامل، تخضع الدولة العضو في الأمم المتحدة لتقييم سجلها الحقوقي كل 4 سنوات، وقد قام مجلس حقوق الإنسان باستعراضه الأخير لمصر في 2010، وينتظر أن يتبنى تقريره الجديد عن مصر في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2014.

ويعد هذا الاستعراض هو الأول منذ انتفاضة مصر في 2011، كما يأتي في توقيت حرج بالنسبة لحماية الحريات الأساسية، التي تآكلت على مدار السنوات الثلاث السابقة بحسب هيومن رايتس ووتش. فمنذ عزل محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطياً في مصر، في يوليو/تموز 2013 ـ بقيادة السيسي، وزير الدفاع السابق ـ فرضت السلطات المصرية قيوداً مشددة على أي مجال متاح للمعارضة تقريباً. واعتقلت السلطات آلاف الأشخاص لمجرد الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تضم مرسي، علاوة على نشطاء علمانيين ويساريين. وقد أخفقت الحكومة حتى الآن في محاسبة أي شخص على قيام قوات الأمن بقتل الآلاف من المتظاهرين المؤيدين لمرسي في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2013.

لقد سجنت السلطات المصرية، بحساباتها هي نفسها، ما لا يقل عن 22 ألف شخص منذ انقلاب يوليو/تموز 2013، أما المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي وثق الاعتقالات بالاسم والتاريخ، فقد أحصى 41 ألف معتقل.

واعتقلت الشرطة الكثيرين لمجرد الانتماء المزعوم أو التعاطف مع الإخوان المسلمين، وهم أكبر جماعات المعارضة في البلاد وأفضلها تنظيماً. قال الإخوان لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات اعتقلت في تقديرهم نحو 29 ألف شخص للاشتباه في ارتباطهم بالإخوان.

واعتقلت الشرطة المئات من الآخرين لمخالفة قانون صادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 يجرم التجمعات المكونة من 10 أشخاص أو أكثر دون موافقة مسبقة من السلطات، ويسمح لوزارة الداخلية بحظر المظاهرات بإرادتها المنفردة وتفريق المظاهرات غير الحاصلة على تصريح بالقوة.

وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014 حكمت إحدى محاكم القاهرة على 23 شخصاً بالسجن لمدة 3 سنوات لمظاهرة سلمية في 21 يونيو/حزيران كانت تتحدى ذلك القانون. وكانت بين المحكوم عليهم يارا سلام، الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إحدى المنظمات الحقوقية البارزة.

وفي مناخ البلاد شديد الاستقطاب، مع تصنيف الحكومة لأي معارضة على أنها تهديد للأمن القومي، أخفق القضاء والنيابة المصريان في أحيان كثيرة في تعزيز معايير سلامة الإجراءات، فقد دأب القضاة على قبول أوامر الحبس الاحتياطي التي تقدمها النيابة دون أدلة تذكر. وفي عدة مناسبات قام أفراد النيابة بإحالة قضايا تتضمن مدنيين إلى المحاكم العسكرية.

ولم تقم الحكومة بمحاسبة قوات الأمن على قتل ما يزيد على ألف متظاهر من معارضي عزل مرسي في يوليو/تموز أو أغسطس/آب 2013، في أسوأ عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث. وينتظر أن تعلن اللجنة الرسمية لتقصي حقائق 30 يونيو ـ المنسوبة إلى يوم تحرك المظاهرات الشعبية ضد مرسي في 2013 ـ عن نتائجها على دفعتين، في 5 ثم في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بحسب تقرير لوكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية.

لم يكن من صلاحيات اللجنة أن تستدعي أفراد الحكومة للشهادة أو تقديم أدلة.

قال فيليب دام: "كم من المدافعين عن حقوق الإنسان يتعين عليهم مغادرة البلاد أو الاستسلام للصمت حتى يقوم مجلس حقوق الإنسان بتنبيه مصر إلى ضرورة وقف هذه الحملة القمعية؟ إن على الدول التي تقول إنها ملتزمة بحقوق الإنسان أن تحاسب مصر، وأن تمارس رقابة أشد بعد انتهاء الاستعراض الدوري".

المصدر | الخليج الجديد