الأحد 27 نوفمبر 2016 10:11 م

مع قراءة هذا المقال تكون نتائج اقتراع انتخابات مجلس الأمة الكويتي الرابع عشر، التي جرت يوم السبت 26 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، قد ظهرت بكل ما تعنيه من رسائل ترسم واقع ومستقبل المشهد السياسي في الكويت، على أمل تخفيف الاحتقان بين السلطتين الذي بات علامة فارقة ومؤرقة عطلت التنمية وأدخلت الكويت في عنق الزجاجة.

وقد مضت 55 عاما على المشاركة السياسية والانتخابات لأربعة عشر مجلس أمة، وهي مسيرة تبني على تجربة الكويت المميزة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم منذ قيام الكويت قبل قرنين ونصف، وكذلك تمرس الكويتيين على المشاركة السياسية مع ارتفاع واضح في مؤشر الحريات والتعبير، وتبوؤ الكويت المراتب الأولى في حرية الصحافة في العالم العربي، إلا أن المشاركة السياسية في الكويت، لا تزال أيضا محدودة ومتدرجة وتنحو نحو الجهود الفردية.

ولا تخلو أحيانا من التعويل على البعد المذهبي والقبلي، وذلك بسبب غياب كلي لتنظيم الأحزاب السياسية التي تصهر جميع المكونات في المجتمع الكويتي، وتفرز برامج تتنافس على أصوات الناخبين، لتتم محاسبة القوى السياسية بناء على البرامج، وليس على العلاقات الشخصية والأسرية وغيرها من الأبعاد الاجتماعية.

وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 2016، وبعد تصعيد ومواجهة بين السلطتين، لجأ أمير دولة الكويت لحل مجلس الأمة السابق، بناء على المادة 107 من الدستور «بسبب الظروف الإقليمية الدقيقة والتحديات الأمنية وانعكاسات أخطارها ومحاذيرها على الكويت. الأمر الذي يفرض العودة إلى الشعب مصدر السلطات لاختيار ممثليه للتعبير عن توجهاته وتطلعاته والمساهمة في مواجهة تلك التحديات».

وأنا أكتب هذا المقال، أتابع توجه الناخبين الكويتيين إلى مراكز الاقتراع، وقد بلغ عددهم 483 ألف ناخب، لانتخاب 50 عضوا لمجلس الأمة الرابع عشر، وذلك للمرة الثالثة، في 5 دوائر انتخابية، يتنافس فيها 293 مرشحا، من كتل سياسية ومستقلين ونواب سابقين ومرشحين يرشحون للمرة الأولى -بينهم 15 امرأة- في ظروف داخلية محتقنة، وفي ظروف إقليمية بالغة التعقيد والصعوبة.

واللافت أنها المرة الأولى التي يتم فيها حل مجلس الأمة الكويتي لأسباب خارجية وأمنية، وليس لظروف داخلية، أو لعدم التعاون بين السلطتين. ويحدث ذلك في ظل آمال أن تحقق هذه الانتخابات انفراجة في العلاقة بين السلطتين تنهي حالة الاحتقان التي أدت لمواجهات، وحل، وإبطال، عشر مرات خلال الأربعين عاما الماضية.

ولعل الدليل على مستوى الاحتقان السياسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يتمثل في تعطيل مجالس الأمة السبعة الماضية، وخاصة منذ 2006، حيث تم حل وإبطال جميع المجالس المتعاقبة. وكان آخر مجلس أمة أكمل مدته الدستورية هو مجلس 1999- 2003.

كما تم أيضا تقليص عدد الدوائر الانتخابية في الكويت من 25 دائرة انتخابية إلى 5 دوائر انتخابية فقط في عام 2006. وذلك بعد حملة واسعة عرفت بـ«نبيها خمسة» في عام 2006. يحق لكل ناخب التصويت لمرشح واحد في دائرته. بدلا من أربعة مرشحين، وتشطب كل ورقة اقتراع فيها خيار أكثر من مرشح.

وعلى رغم تبرير حل المجلس السابق في المرسوم الأميري بسبب «الظروف الإقليمية الدقيقة والتحديات الأمنية وانعكاسات أخطارها ومحاذيرها على الكويت»، فقد كان من اللافت غياب شبه كلي للشؤون الخارجية والأمنية، وهيمنة واضحة للشؤون الداخلية، وانتقادات حادة للمجلس السابق وأداء السلطتين التشريعية والتنفيذية معا. وظهر ذلك بوضوح في حملات المرشحين والكتل السياسية، وتصريحاتهم وندواتهم ولقاءاتهم مع وسائل الإعلام المختلفة وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

وقد لعبت وسائط التواصل الاجتماعي دورا بالغ الأهمية في الحملات الانتخابية للمرشحين، وكذلك برزت مقاطع الفيديو الاحترافية التي تلخص رؤية ووجهة نظر المرشح ضمن شعارات كل مرشح، ما رفع تكلفة الحملات الانتخابية إلى أرقام قياسية، غير مسبوقة.

وكان من أبرز ما ميز انتخابات مجلس الأمة الرابع عشر أيضا عودة معظم الكتل السياسية والمستقلين الذين قاطعوا انتخابات مجلسي الأمة في ديسمبر/كانون الأول 2012 ويوليو/تموز 2013 بعدما أبطلت المحكمة الدستورية المجلس قبل السابق، بسبب تمرير قانون الصوت الواحد بمرسوم وليس بقانون في مجلس الأمة. وتشكل عودة النواب السابقين الذين قاطعوا الانتخابات تحولا كبيرا واعترافا منهم بخطأ تقدير موقفهم بالمقاطعة والمعارضة من الخارج. 

وتشكل عودة النواب السابقين المقاطعين أول امتحان حقيقي لنظام انتخاب الصوت الواحد، وتكريسا لشرعية نظام الاقتراع في نطاق الصوت الواحد. كما تشكل نتيجة الانتخابات أيضا امتحانا حقيقيا لشعبية ورضا الناخبين عن النواب الذين قاطعوا في السابق، ثم عدلوا عن المقاطعة وغيروا مواقفهم وعادوا ليشاركوا الآن.

ومن الواضح أنه بسبب عودة النواب السابقين المقاطعين فإن نسبة المشاركة في الاقتراع سترتفع عما كانت عليه في الانتخابات السابقة، والتي تراوحت بين 40% إلى 52%. ومن المتوقع أن تتجاوز النسبة الآن ذلك بكثير. وكذلك يتوقع أن تتجاوز نسبة التغيير في تركيبة مجلس الأمة القادم نسبة 50% التي وصلتها في انتخابات 27 يوليو/تموز 2013.

وقد جرت انتخابات مجلس الأمة في ظل أزمة مالية، وتراجع أسعار النفط، ورفع الدعم عن بعض الخدمات، وعجز في الميزانية. وفي ظروف إقليمية صعبة وتطلعات من الجميع في الكويت بأن تساهم هذه الانتخابات في تخفيف حدة الاحتقان بين السلطتين، وفتح صفحة جديدة تعيد قطار الديمقراطية والمشاركة السياسية إلى مساره الصحيح. وخاصة إذا ما أدخلت حزمة إصلاحات تنظيمية وسياسية على نظام الانتخابات بهدف القضاء على مثالب العملية الانتخابية، سنفصلها في المقالة القادمة، إن شاء الله، مع قراءة في نتائج الاقتراع التي ستكون معروفة وأنت تقرأ عزيزي القارئ هذا المقال.

* د. عبد الله خليفة الشايجي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت