الجمعة 9 ديسمبر 2016 10:12 ص

تعرّض مواطنو مدينة القائم العراقية في محافظة الأنبار أول أمس الأربعاء لقصف غارات جويّة وصفت بـ«العشوائية» ما أوقع، حسب مصادر مختلفة، أكثر من 120 قتيلا وإصابة 170 آخرين، وهو ما وصفه أحد نوّاب المحافظة في البرلمان بـ«المجزرة الكبرى» التي حمّل الحكومة المركزية مسؤوليتها.

الغارات التي وصفت، بداية، بـ»العشوائية» لم تكن عشوائيّة البتة فهي قد استهدفت مكاناً مكتظّاً بالسكان هو سوق المدينة الكبير وهي، بالتالي، تقصّدت إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين الذين تقول الحكومة وقواتها المسلحة إنها تريد تحريرهم من تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يسيطر على المدينة.

الجيش العراقي حسم جدلاً أثاره تحالف القوى العراقية الذي فتح تحقيقاً لمعرفة هويّة الطائرات التي قتلت المدنيين باعترافه في بيان أصدره أكّد فيه استهداف مدينة القائم ولكن بعد «فلترة» الرواية وتقليصها (استهداف منزل بطابقين «يوجد فيه 25 انتحاريا من جنسيات أجنبية»، ومنزل آخر «يتواجد فيه 30 إلى 40 إرهابيا من جنسيات أجنبية» أيضاً») مؤكدا أن قواته الجوية وأجهزته الاستخبارية ستستمر في «توجيه الضربات الساحقة للإرهابيين لحماية أبناء شعبنا من عملياتهم الإرهابية»!

المأساوي في موضوع هذه «الضربات الساحقة للإرهابيين» أن صفة الإرهاب تنطبق عليها أيضاً لأنها تستهدف، وبشكل متقصّد، مدنيين أبرياء وفوق ذلك فهي تتبجح بأنها تقوم بذلك لحمايتهم من العمليات الإرهابية، وهي حجج صارت نمطية لدى الميليشيات الشيعية التي تعمل تحت اسم «الحشد الشعبي» والتي تسجّل المنظمات الحقوقية الدولية كـ«أمنستي» و«هيومن رايتس ووتش» والمصادر العراقية المحلّية أفعالها المشينة ضد المدنيين الذين تقوم «بتحريرهم»، ولكنّ غارات القائم تنقل هذه الانتهاكات واستهداف المدنيين إلى طور جديد غير مسبوق.

يأتي هذا بعد أيام من تمرير مجلس النواب العراقي قانوناً يشرعن «الحشد الشعبي» ويجعله جزءاً من القوات المسلحة العراقية يرتبط بقائدها العامّ (أي رئيس الحكومة شخصياً)، وهو أمر يثير إشكاليات كبيرة حول الدولة العراقية منها أنه يساوي بين هيئة تمّ تأليفها نتيجة فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني، وبالتالي فهي ذات طبيعة مذهبية محضة، وبين الجيش العراقي الذي يُفترض أنه يمثل مواطني العراق أجمعين. 

قانون شرعنة «الحشد الشعبي»، كما هو معلوم، عكس هذه الطبيعة المذهبية التي يحملها من خلال موافقة النواب الشيعة عليه بدون استثناء فيما رفضه النواب السنّة بشكل شبه كامل، وهذا النوع من القوانين، مع الممارسات التي تقوم بها ميليشيات «الحشد الشعبي» (التي صارت هي «القوات المسلحة») تؤكد أن الاتجاه السائر هو لعمليات من نمط غارات مدينة القائم التي أسرع الجيش إلى تبريرها ضد ضحاياه الذين استقبلوا الدعاية الحربية المقيتة التي لا تحمّلهم مسؤولية موتهم فحسب، بل تجعل آخر أحلام العراقيين بدولة تمثّلهم وجيش يدافع عنهم نسياً منسياً.

حسب تقرير ورد «القدس العربي» أمس فإن الحكومة العراقية صارت تمنع وسائل الإعلام من مرافقة قواتها التي تهاجم الموصل بعد نشرها تقارير تكشف خسائر الجيش في بعض معاركه، أو تفضح الانتهاكات التي تقوم بها بعض قطعاته والميليشيات الطائفية الملحقة به.

وهذا، معطوفا على مثال قصف القائم وقانون شرعنة الميليشيات الطائفية، يؤكّد أن مستقبل العراق كالح ومخيف وأنه مستباح للإرهاب، سواء كان شرعيّاً ومقننا أم كان خارجاً عن القانون.