صدمة الشارع الكويتي من الهزيمة المروعة لمنتخبه في دورة الخليج الحالية تتركز في عدم القدرة على استيعاب هذا التراجع المؤلم بعد أن كانوا أسياد البطولة ولا يشاركهم الآخرون فيها سوى ضيافة أو عبور، وغالباً يقتصر تنافسهم على المركز الثاني.

كانت الكويت زهرة الخليج ونموذجها الحضاري، بل كانت محط غيرتها، حتى بدا أنه من المستحيل منافستها أو حتى الاقتراب، فهي تتوثب في حقول المعرفة والفن والتطور، فلا تعرف ملاحقها أي اتجاه تسلك.

في عام 1963 كان لدى الكويت مجلس برلماني يستجوب الوزراء. كان تخطيطها فارقاً خليجياً وما زالت أبراجها الشهيرة علامة على الزمن الذي كان، وحين يزورها أحد سكان الجوار يشعر أنه في عالم مختلف وأنه قطع مسافة ضوئية. كانت الرائدة في الاستثمار والتخطيط للمستقبل، والسباقة في التنمية والرعاية الاجتماعية.

كانت الكويت هي المسرح ومعهد الموسيقى والتمثيل الجميل الذي يشكل، حتى الآن، جزءاً من الذاكرة الخليجية. كانت مجلاتها ومطبوعاتها وترجماتها الرائدة وقود الثقافة لكل شاب ومنصات معرفة لكل العرب. كانت صحفها اليومية أجرأ وأجمل وأرفع مهنية من أي صحافة أخرى بما في ذلك اللبنانية والمصرية سادة ذلك الوقت، ولا يكون الخليجي قارئاً مميزاً إن لم يتأبط إحداها. النجوم كلهم كانوا كويتيين بمشاركة شكلية من هنا أو هناك. كانت إحراجاً للخليج في كل فعل، ولاسيما الشكل الديموقراطي والتجربة البرلمانية الرائعة في «مجلس الأمة» وهيمنة القانون.

فعل «كان» لا يحتضنه سوى الكتب والصور القديمة والذكريات المتفرقة، لا ينتمي إلى الحياة ولا يتحرك إلا للخلف ليتآكل كلما زاد حضور «الآن» وتتابعت المراحل. 

حل «كان» على الكويت وأثقل حركتها فتقدمت دول الخليج الأخرى متجاوزة القدوة والنموذج. وبعد أن كانوا يتفحصون التفاصيل الكويتية ليسترشدوا الطريق السليم أصبحوا يقدمون النصائح والخبرات الحديثة والطرائق الجديدة في التطور والنمو وسباق الزمن.

مشكلة الكويت لم تنشأ مع الغزو الغاشم عام 1990 بل بدأت جذورها عام 1976 حين حل الأمير المجلس بسبب استغلال الديموقراطية والتنفع وإثارة الأحقاد، ومن وقتها دخل المجلس تحت سطوة القبلية والتيارات الحزبية، وأصبح ميداناً للصراع والاستعراض، متجاهلاً كل أرث جميل.

مشكلة الكويت الأخطر أنها مثل مصر اطمأنت إلى الصدارة متجاهلة السعي الحثيث للسلحفاة، على رغم المسافة الشاسعة، فلما أفاقت اكتشفت أن الزمن لا يغفو. 

أشياء كثيرة تنازلت عنها الكويت؛ ظناً منها أن الزمن حليفها، لكنه نصير السعاة والعاملين، فمضت الأيام الجميلة ولم يبقَ منها سوى التاريخ، ولعل الشباب الناشئ الذي صعق بالهزيمة الأخيرة يتساءل: هل كان نجومنا الأوائل مبدعين أم أنهم هيمنوا في عالم مبتدئ؟ 

عودة الروح للكويت هي علامة النمو وشيوع التفاؤل حتى لا تكون التجارب الخليجية مجرد طفرات لا تعمِّر طويلاً. من الصعب أن تعود إلى الريادة، لكن المهم أن تكون ضمن الركب، فهي كل الذكريات والمحاولات المنشعة؛ لزرع ما لم تكن تحتمله الصحراء. 

أحدث المفارقات أن السعودية كانت تمنع كثيراً من منشورات الكويت لجرأتها غير المحتملة. بالأمس منعت الكويت في معرضها منشورات سعودية بحتة. لقد تغير الزمن كثيراً.