الاثنين 6 فبراير 2017 08:02 ص

للدورة الثالثة، على التوالي، من دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومنذ 26 دورة من دوراته، وعلى مدار 3 رؤوساء من قبله، يتعمد الرئيس المصري الحالي «عبد الفتاح السيسي» الغياب عن افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأوفد مؤخراً بدلاً منه رئيس الوزراء «شريف إسماعيل» للدورة الـ48، الخميس قبل الماضي 26 من يناير/كانون الثاني الماضي.

ورغم منع الأمن لعدد من المدعوين من التواجد في حفل الافتتاح لهذا العام، مما جعل البعض يتشكك في احتمالية حضور «السيسي»، إلا أن الأخير استمر في التواجد في أسوان، ليفتتح «إسماعيل» المعرض في مرة نادرة يراه المصريون يفتتح شيئاً، إذ إن «السيسي» يفتتح الكباري، والمشروعات السكنية، وحتى مشروعات الثروة السكنية في المحافظات..فلماذا لا يعتبر «السيسي» معرض الكتاب بمنزلة مشروع للثروة السمكية، وهو المعرض الثاني في منطقة الشرق الأوسط بعد «معرض بيروت»؟ وهل يستدرك الرئيس الحالي تجاهله الثقافة والمثقفين، عبر أبرز حدث ثقافي مصري؟

منذ أن سن الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك» عادة افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، عام 1986م، وقد صارت سُنّة حسنة، حرص عليها لمدة 24 عاماً، فيما عدا دورات (2004، 2009، 2011)، والدورتان الأوليتان أرسل رئيسيّ الوزراء بدلاً منه، والأخيرة تم إلغاؤوها من الأساس.

وقبل «السيسي» حرص الرئيس المُنتخب «محمد مرسي» على افتتاح دورة المعرض الـ 44 في 23 من يناير/كانون الثاني 2013م، ومثله فعل المستشار «عدلي منصور»، إبان توليه الرئاسة بعد الانقلاب على الرئيس «مرسي في الدورة الـ45 للمعرض في 22 من يناير/كانون الثاني 2014م ..ليقطع «السيسي العادة تماماً للمرة الثالثة هذا العام، وليكون الرئيس الأول بعد 3 رؤوساء حرصوا على افتتاح المعرض (مبارك، مرسي، منصور)..نرصد الأسباب خلال هذا التقرير:

الرئيس المُنتخب والمعرض

تحت شعار «حوار لا صدام» افتتح أول رئيس مُنتخب في مصر «محمد مرسي»، إبان فترة حكمه المعرض، ولم تقم خلال فترة حكم «مرسي» إلا الدورة الـ44 من دورات المعرض، إذ لم يستمر الرجل في المنصب سوى لعام واحد، وفي خلال الدورة حرص «مرسي» على لقاء أصحاب دور النشر، وذلك في حضور رئيس الوزراء، ووزير الثقافة المصري والليبي، إذ كانت الأخيرة ضيف شرف المعرض، ورئيس الهيئة العامة للكتاب آنذاك.

وبدا «مرسي» متألقاً، وهو يلتقي الناشرين بعيداً عن عادة «مبارك» لقاء ما يُسمى المفكرين والمثقفين وبالتالي كبار الأدباء في المعرض، وهي اللفتة التي لم ينسها له «فاروق جويدة»، ولا «يوسف القعيد»، على سبيل المثال لا الحصر، فيبدو أن الذين اعتادوا لقاء «مبارك» ونفاقه خلال المعرض، فهموا أن «مرسي» يلفظهم، وبعد الانقلاب على الأخير، تمادوا في قدحه وجماعته.

قال «مرسي» في اللقاء أنه التقى عدداً من الفنانين والمثقفين والمفكرين في 7 لقاءات سابقة لكنها المرة الأولى التي يلتقي خلالها الناشرين ليصارحهم بـ«أن الدولة المصرية بعد ثورة 25 يناير تدعم صناعة النشر والكتاب لتوصيل المعرفة لجميع أنحاء الجمهورية وخارجها،  مشيرا إلى الدور الكبير الذى لعبه الكتاب المصري في نشر الثقافة داخل مصر وخارجها».

كما تناول عنوان المعرض «حوار لا صدام» بالشرح والتفسير، وهو العنوان القائم على نقض كتاب «صدام الحضارات» لـ«صامويل هنتنغتون»، المفكر الأمريكي، وظهر عمق ثقافة «مرسي» في نقض مثل هذه النظرية، وبيان تاريخ مصر مع النشر والتنوير الحقيقي في العالم والمنطقة.

«منصور» وثقافة وهوية العسكر

وكجزء من الدولة المضطربة عقب الإطاحة بالرئيس المنتخب الأول في تاريخ مصر «محمد مرسي» قام الرئيس المؤقت آنذاك «عدلي منصور» بافتتاح الدورة الـ45 للمعرض في 22 من يناير 2014م، تحت عنوان عفا الزمان عليه «الثقافة والهوية»، لكنه ناسب رغبة العسكر إعادة تشكيل بنية الفكر والعقل المصري، ووفقاً لما هو مُخطط له لم يلتق «منصور» مثقفين ولا أدباء أو حتى ناشرين، لكنه تفقد جناح وزارة الدفاع في البداية، في تأكيد على عسكرة الدولة، ثم عددأً من الأجنحة الأخرى المصرية والعربية الرسمية، بخاصة الخليجية، في تفقد سياسي واضح (بخاصة السعودية والإمارات وعُمان).

«مبارك» وورقة التوت الثقافية

أكتوبر/تشرين الأول 1981م تولى «مبارك» حكم مصر عقب اغتيال سابقه الراحل «محمد أنور السادات»، وكان الأخير بحسب محللين سياسيين دوليين تعدى حدوده خارجياً مع الولايات المتحدة، وداخلياً مع جميع أطياف السياسيين المصريين، وهو ما نظر إليه «مبارك» بشدة، وكانت الأعوام من 1981 حتى 1985م كفيلة بأن يراجع نفسه خارجياً مثبتاً ولاءه لأمريكا بوجه خاص، وداخلياً كان الترويج إلى أنه استمد شرعيته من كونه صاحب أول ضربة جوية في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973م، محاولاً بث مفهوم مغاير مما هو معروف من أن «السادات» اختاره لجهله الشديد السياسي والدبلوماسي حتى الثقافي، وهو ما عبر عنه الراحل نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق «يحيي الجمل» لما قال إن «السادات» أخذ «مبارك» من يده إلى الدكتور «أسامة الباز» في بداية توليته منصب نائب الرئيس قائلاً:

ـ عندك «مبارك» أهوه ما بيفهمش (حاجة واصل) عاوزك تنوره وتفهمه..!

وكان من لزوم إعادة طرح «مبارك» كشخصية جديرة بالرئاسة، على النقيض من «السادات» الذي اغتالته العسكرية المصرية أن يبدو مبارك مثقفاً على خلاف العادة أو الحقيقة من هنا جاء حرصه على حضور افتتاح المعرض ولقاء المثقفين، والحديث معهم في أي حوار والسلام، وهم سوف ينافقونه على النحو الكافي، بخاصة مثقفي الدولة، ويُذيع التلفزيون الحوار عقب النشرات الرئيسية، عقب إعادة مونتاجه وحذف ما يفيد جهل الرئيس التام بأبسط قواعد الثقافة المصرية، إلى حد أمره أحد المثقفين ذات مرة بأن يجلس ولا «يتفلحص» اي يسأله فيما لا يفهم ولا يريد طرحه، وتم منع الرجل من الحضور فيما بعد، وكان يكفي أن يلعق كبار الكُتّاب الأحذية ليتم نشر أعمالهم الكاملة على نفقة الهيئة العامة للكتاب، أو معالجة بعضهم في الخارج خلال اللقاءات المتتالية، وكذلك ترديد أن «مبارك» صديق الكتاب، وزوجته راعية مكتبة الأسرة لتبدو أسرة «مبارك» مثقفة واعية عكس «عبد الناصر» و«السادات» سابقيها اللذين لم يفكرا من الأساس في القرب من معرض الكتاب.

«السيسي» عدو الثقافة والكتاب

في المقابل يرى كثير من المتابعين والمحللين السياسيين أن السيسي لا يريد ورقة التوت لإخفاء جهله، فهو من الأساس لم يذكر بيت شعر واحد منذ تولى حكم مصر قرابة منتصف عام 2014م، ويبدو في كلماته تائه الأفكار مهلهل المعاني، يتثآب خلال جملة والأخرى، زائغ النظرات، مشتت العقل والوجدان، وهو على هذا النحو لا يهمه أن يبدي مكانة ثقافية أو رعاية للوعي، إذ لا يفتر عن معايرة المصريين بقلة وعيهم أمام «طبيب الفلاسفة» كما وصف نفسه وحاجة زعماء العالم كله إليه دون دليل واحد على صحة ما قاله.

ومنذ دورة المعرض الـ46 في يناير/كانون الأول 2015م أدمن «السيسي» الغياب، وكأن الأمر صار مفضوحاً فتحدث أتباعه هذا العام عن انشغاله بحضور المؤتمر الدوري للشباب بقرب أقصى جنوب البلاد في مدينة أسوان.

لكن حقيقة المفارقة أن عنوان الدورة الحالية من المعرض هو «الشباب وصناعة المستقبل»، والمؤتمر الحالي عن الشباب الذي يحضره الرئيس، وموعد المعرض معروف منذ أشهر، وكان من الطبيعي أن ينسق الرئيس مواعيده بدلاً من اختلاق الأعذار من المحيطين به.

لقاءات سابقة ولاحقة

التقى «السيسي» المثقفين مرة أو اثنتين منذ بداية حكمه، وقال إنه قرأ كتاباً للراحل «محمد حسنين هيكل» للمرة الأولى التي يصرح فيها بمثل هذا الأمر مضيفًا أنه «يفضل القراءة لأنيس منصور وموسى صبري وجمال حمدان»، كان ذلك في أغسطس/أب 2016م، والحقيقة أن «موسى صبري» كان صحفياً ولم يكن كاتباً إلا لبعض التجارب الذاتية، وأن أولئك الذين قال عنهم «السيسي» أنه يقرأ لهم كل نسيج بمفرده لا يجمع بينهم سوى موسوعي الثقافة على النقيض لما يبدو عليه مستواه.

الدورة الأخيرة ..فرصة أخيرة

الدورة الـ 49 في 2018م، من المعرض ستكون الأخيرة في ولاية «السيسي» وعدم حضوره لها سيكون كارثياً في دلالته على عدم اهتمامه يالثقافة في ظل دعواته إلى تجديد الخطاب الديني، فهل يفعلها ويفتت الدورة أم يستجيب إلى الذين يدعونه إلى لقاء المثقفين خلال الدورة الحالية لتغطية عدم اهتمامه بهم، بل رؤيته لهم كما كان يراهم «السادات»، مثله الأعلى: «أفندية أراذل»، على عكس «مبارك» الذي كان يقدرهم كـ «وردة في عروة جاكتته».

محاولة «السيسي» المناداة بتجديد الخطاب الديني، على حد قوله، دعت متابعين إلى التعجب من انسحابه من الموسم الثقافي الخاص بمعرض الكتاب، والإعادة إلى الأذهان لرأي الراحل «حسنين هيكل» في الرئيسين الراحلين «عبد الناصر» و«السادات» عند انتصاره للأول..ففي كتابه «خريف الغضب» يوضح «هيكل» الفارق بينهما، لكنه يعتبر أن فارقًا وحيدًا يمكن أن يكون جوهريًا بين الشخصيتين وهو «الفرق بين رئيس يقرأ حتى ما ليس هناك ضرورة لقراءته، ورئيس لا يقرأ حتى ما تقتضي الضرورة قراءته».

يقول المثقفون التابعون لـ«السيسي» له الآن أن غيابه عن معرض الكتاب «لا يمكن أن يُترك دون أن يفسَّر ويؤوَّل تأويلًا لن يكون في صالحه»، فهل يسارع «السيسي» للقاء المفكرين والأدباء والمثقفين في المعرض ليمحوا الخطيئة السياسية الثقافية.