الخميس 23 فبراير 2017 01:02 ص

إنّه يومٌ واحد فقط قبل الافتتاح الكبير لمنتجع شادن، وهو مخيّم صحراوي فاخر في السعودية، حيث ترى المخيّمات المكيّفة على المنحدرات الرملية. وهناك وفد أميري في طريقه للمكان، لكنّه ليس جاهزًا تمامًا بعد.

لم تصل الطواويس من أجل حديقة الجناح الملكي الذي يكلّف 10 آلاف ريال في الليلة الواحدة. وتمّ جلب بقرة من أجل اللبن الطازج للمقهى، لكنّها تطلق الخوار طوال الليل. وقال «أحمد السعيد»، مطوّر المشروع، أنّها «لن تصمت»، كما أنّه يعطي الأوامر من خلال قعقعات المطارق والجواريف.

والسعودية ككّل ليست مستعدّة لاستقبال السيّاح. لكنّ حكّامها عازمون على إحداث ثورة في الاقتصاد، وتحتل السياحة مكانًا عاليًا في القائمة. وقد أبرزوا أنّها ستوفّر فرص العمل للشباب، وستجلب أرباحًا لتقليل الاعتماد على النفط، وستساعد في فتح المملكة على العالم. ويعتمد ذلك كلّه على اقتناع الأشخاص بالمجيء.

وجدير بالذكر، أنّ المملكة تجذب بالفعل عددًا كبيرًا من الأجانب، وصل إلى 18 مليونًا العام الماضي، أغلبهم من العالم العربي. لكنّ غالبيتهم من الحجّاج المسلمين الذين يزورون مكّة. ولا يكاد يوجد من بينهم سيّاحٌ تقليديون. وتوجد العديد من العقبات في السعودية أمام تواجد السيّاح الذين يمكن إقناعهم أنّ المملكة لم تعد مدمنة على الوقود الأحفوري.

ولا تصدر السعودية حتّى تأشيرات سياحية. ومع وجود حظر الكحول والقواعد الصارمة والفصل بين الجنسين، يفضّل الكثير من النّاس الذهاب إلى شواطئ دبي أو أهرامات مصر. ثمّ هناك الشرطة السرّية، والتي تراقب عن كثب الزوّار الأجانب، والشرطة الدينية، التي تعاقب الناس على الانتهاكات الأخلاقية. حتّى العديد من السعوديّين يفضّلون قضاء إجازاتهم في دبي، حيث يلبسون ما يريدون ويذهبون إلى النوادي الليلية أو دور السينما.

يوجد طلب

قال «جارود كايت»، مدير الإنتاج بشركة ستبس ترافيل السياحية بالمملكة المتّحدة: «توجد العديد من العوامل في السعودية التي تجعل الناس تؤجّل زيارتها».

ومع ذلك، ليس كلّ الناس تتأخّر عن زيارة المملكة، وهو ما جعل شركة ستبس تعلن عن رحلتها الأولى للسعودية الشهر القادم. وتكلّف حوالي 6 آلاف دولار للفرد الواحد، وكان من الصعب ترتيبها لأنّها احتاجت إلى تأشيرات مقصورة على المدعوّين فقط. لكن يقول «كايت» أنّ العرض كان لا يقاوم بالنّسبة للمسافرين المخضرمين الذين يريدون استكشاف بلدٍ ليست على قائمتهم الاعتيادية. ويأمل في أن يفعل ذلك مجدّدًا: «أصبح من الواضح جدًّا أنّ هناك طلب عليها».

وهذا هو ما تحرص الحكومة السعودية على الاستفادة منه. وتشمل خطتها لما بعد النفط، والمعروفة بـ «رؤية 2030»، إجراءات لتشجيع صناعة الترفيه وتطوير السواحل والمواقع التاريخية، مثل العلا، حيث يبرز بها منتجع شادن. وبالقرب منها توجد أطلال مدائن صالح التي تعود إلى ألفي عام، وهي نفس الحضارة التي بنت مدينة البتراء المعروفة بالأردن.

والمسؤول عن حملة السياحة هو الأمير «سلطان بن سلمان»، رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني وابن الملك. وقال إن المملكة قد انتبهت أخيرًا إلى أفكارٍ قد كان يروّج لها منذ سنوات.

وقال الأمير «سلطان» في مقابلة في الرياض: «تمّ استثمار الكثير، ليس في المواقع السياحية كما وددنا، لكن في دعم البنية التحتية من مطارات وطرق وهلم جرا. وقد نفى المخاوف من أنّ فتح المملكة للأجانب قد يسبّب المتاعب.

وأضاف: «يقول الناس أنّ البيئة الاجتماعية غير ملائمة. وأستمر في إخبارهم: البيئة الاجتماعية ستتبع الأحداث. وهذا ما يحدث اليوم».

في انتظار السيّاح

ويسرد الأمير «سلطان» قائمة من المتاحف التي على وشك أن يفتتحها وأخرى يخطّط للتكليف بها. وقال أنّهم سيوفّرون الفرصة للمسلمين لتعلّم الإسلام في المكان الذي نشأ فيه. وقد يساعد البعد الديني في الحصول على دعم دائرة رجال الدين القويّة في المملكة، والذين يعارضون التغيير غالبًا.

ويجري أيضًا الاستثمار في التراث الثقافي. وقد خصّصت الحكومة 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار) من أجل ذلك. وتشجّع أيضًا الإنفاق الخاص عن طريق شركات مثل سفاري الجزيرة ومقرّها جدّة، والتي تقوم على بناء منتجع شادن، وهو المشروع الذي يتكلّف 100 مليون ريال.

ويبحث بعض السعوديّين هناك عن الفرص. ويعتزم المزارع «أحمد آل مسعود» تحويل بساتين البرتقال الخاصّة به إلى منتجع يعلّم من خلاله السياّح عن الزراعة التقليدية. وبدأ رجل الأعمال فراس الحربي شراء الهدايا التذكارية من الصين. وجميعهم ينتظر شيءٌ واحد، السيّاح.

ومعظم زوّار المملكة من المقيمين الأجانب أو مواطنين من دول الخليج الذين لا يحتاجون إلى التأشيرات. ولم تذكر الحكومة متى ستبدأ في إصدار التأشيرات السياحية.

وقال «أحمد الفاضل»، شريك بأحد المخيّمات الأخرى القريبة: «التأشيرات هي محور الأرقام التي ستأتي». لكنّه يرى أنّ الحكومة واقعة أيضًا في مشكلة الدجاجة أولًا أم البيضة: «المستثمرون لا يريدون القدوم لأنّ السيّاح لم يأتوا، والسيّاح لا يريدون القدوم لأنّ غيرهم من السيّاح لم يأتوا، والسيّاح لا يريدون القدوم لأنّ الخدمات لم تأت».

وقد حجّمت الاضطرابات في الشرق الأوسط الزيارات من دول راسخة مثل مصر. والسعودية مع أنّها أكثر استقرارًا من العديد من جيرانها، إلّا أنّها ليست محصّنة. وفي عام 2007، قُتِلَ 4 فرنسيين أثناء عودتهم من مدائن صالح على يد متشدّدين.

ليلة الأفلام

وهذا سبب يجعل المدرّس المحلي «أحمد الإمام»، والذي يعمل بدوامٍ جزئي كمرشد سياحي، لا يخطّط للتخلّي عن وظيفته الدائمة إذا ما رفعت القيود عن التأشيرات وبدأ السيّاح في التدفّق. وقال: «تخيّل إذا تركت التدريس، وقام شخصٌ مجنون في ليلة ما بشيء خاطئ. ستتوقّف السّياحة».

في الأسبوع الذي افتتح فيه المخيّم، كان هناك برنامجًا من الأفلام السعودية في العلا، تمّ إسقاطها ضوئيًا على منحدر، لأنّه لا توجد دور سينما في المملكة. وكان هناك بعض التذمّر مسبقًا عن الفساد الناتج عن مثل هذا العرض. وفي الفعالية، اجتمع الرجال والنساء في سياراتهم للمشاهدة، وباع الباعة الشاي للحضور تحت النجوم.

وقال «غراهام غريفيث»، المحلل بـ«كنترول ريسكس» في دبي: «تملك البلاد مصادر طبيعية جميلة تؤهّلها للسياحة». لكنّه قال أنّ السعودّيين سيعانون لأجل الحصول على عائد لاستثماراتهم «إذا لم ينفتحوا».

المصدر | إيكونوميك تايمز