الأربعاء 31 مايو 2017 03:05 ص

حالة من الجدل، فرضها الداعية والمفكر التونسي «عبد الفتاح مورو» نائب رئيس حركة «النهضة»، في بلاده، إثر تجسيده لمشهد تمثيلي، في أحد البرامج التلفزيونية.

«مورو» جسد شخصية مخرج سينمائي معروف في مهرجان دولي، متخليا عن لباسه التقليدي المعروف «الجبة والعمامة»، ليرتدي بزة رسمية، قبل أن يؤدي مشهداً من فيلمه المفترض «أماّه».

وأكد المفكر الإسلامي، خلال البرنامج، أن «الفن يربط بين السماء والأرض، ويفتح آفاقاً أمام الإنسان ويحوله إلى محرك للحياة»، وأنه قبل تحدي تجسيد شخصية مخرج سينمائي بعد إعلان نجاح أحد أفلامه المشاركة في مهرجان البندقية.

جاء ذلك، خلال برنامج «مهما صار» الذي يقدمه الفنان «جعفر القاسمي»، وهو برنامج هزلي يستضيف شخصيات عامة، ويقوم على فكرة «التحدي»، حيث يفرض على الضيف أداء مشهد تمثيلي مرتجل لشخصية تتناقض كلياً مع شخصيته.

جدل

«مورو المخرج»، أثار جدلا واسعا، تنوع بين الانتقاد والترحيب، وسط انتشار واسع لمقطع الفيديو الخاص بالحلقة.

واعتبر البعض ما قام به «مورو»، إساءة لصورته كمفكر إسلامي وحقوقي وشخصية وطنية رصينة، يشغل منصب نائب رئيس حزب «النهضة» ونائب لرئيس البرلمان التونسي.

بينما أشاد آخرون بما قدمه «مورو» باعتباره يمثل «الوجه الجديد للحركة الإسلامية التي أعلنت مؤخراً تحولها إلى حزب مدني بمرجعية دينية».

انتقادات

وانتقد عدد من النشطاء ظهور شخصية دينية معروفة كـ«مورو» تحظى بمكانة كبيرة لدى التونسيين في برنامج هزلي.

وكتب ناشط: «لأنه رجل دين فإني أحيله على قول الله تعالى (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا»، فهؤلاء تدينوا بالهزل والغناء والرقص وكرة القدم وكل ما هو لهو ولعب).

وأضاف آخر: «محاولة فاشلة لكسب الشباب، مشكلة الناس يا شيخ ليس الدين وإنما الفشل في الحكم (لذلك) اشتغل وطور البلاد وسينتخبك الناس، بدلاً من أن تمثل مشهداً كوميدياً وتسيء لمكانتك، وخاصة أنك إمام جامع».

كما اتهم آخرون البرنامج بـ«استغلال رخيص لشعبية مورو» وإظهاره بشكل «كاريكاتوري».

بيد أن «القاسمي»، رد على هذه الاتهامات في تصريح لراديو «موزاييك» التونسي، قائلا إن «البرنامج ليس من صنف الكاميرا الخفية»، موضحا أن «الضيف لا يكون على علم بما سيحدث، بل تتم دعوته للمشاركة ويقوم بتحديه أمام جمهور عريض من خلال دعوته لتجسيد عرض تمثيلي مرتجل وتقمص شخصية وهمية».

كما نفى «القاسمي»، أي قصد لمعدي البرنامج للإساءة لشخص «مورو» أو لحركة «النهضة» بشكل عام.

حس فني

وعلى الطرف الآخر، أشاد الباحث «سامي براهم» في تدوينة له على موقع «فيسبوك»، بخطوة «مورو» قائلا: «تابعت الحملة على الأستاذ عبد الفتّاح مورو من دون مشاهدة البرنامج فذهب في سوء ظنّي من شراسة الحملة أنّ الرّجل ارتكب مسقطاً أخلاقيّاً، بعد المشاهدة بدا لي أنّ الرّجل يحمل في داخله روح فنّان مبدع مع ظُرف ولُطف نادرين، وحضور بديهة لافت، ارتجاله دور شخصيّة كانت بالمصادفة مخرجاً سينمائيّاً (هو) رسالة إلى أنصاره وخصومه السياسيين، على حدّ سواء، أنّ الجبّة والعمامة لا تتناقضان مع الفنون».

وأضاف: «هذا أحد مؤسّسي تيّار الإسلام السياسي، في البلد يؤدّي دور مخرج سينمائي، هي مفارقة لطيفة لظاهرة سياسية اجتماعيّة لم تستثمر في الثّقافة والفنون إلا قليلاً سواء لأسباب ذاتيّة أو موضوعيّة، لعلّها لفتة غير مقصودة ولكن معبّرة من مخرج المشهد الذي اختير للأستاذ مورو ليدعو ضمناً أنصاره للإبداع الفنّي والثقافي الذي يصل الأرض بالسّماء كما قال».

وتابع «براهم»: «ليس في هذا المشهد ما يسيء للرّجل أو يحطّ من قدره ومقامه إلا لدى قصيري النّظر وضعاف الإدراك وفقراء الذّوق والخيال. عبد الفتّاح مورو رجل نسيجُ وحده وفريدُ جيله، ولا يمكن تقييمه إلا بما يليق به من معايير».

فيما كتب الشاعر «بحري العرفاوي» تحت عنوان «مورو شخصية طوّافة في بيئة خوّافة»: قال: «الفن يربط عالم الأرض بعالم السماء»، لو أنه قال هذه الجملة فقط لكفته إبلاغ رسالة عميقة».

وأضاف: «كنت أجد فروقاً كبيرة بين شخصيتيْ الأستاذ راشد الغنوشي والأستاذ عبد الفتاح مورو، منذ بداية الثمانينيات وأنا أتابع دروسهما المسجدية في العاصمة. بقدر الصرامة الفكرية والحزم السلوكي اللذين نلحظهما لدى الاستاذ الغنوشي (وكنا نحب فيه ذلك) كان مورو شخصية مرحة منشرحة مع غزارة معرفية وعمق فكري وكثافة دلالية».

وتابع: «أعتقد أن مورو مسكون بـ»الإنسان» في كل تقلباته وتنوعه وتعدده، فهو لا يستنكف من التعامل مع أي وضعية ولا يجد حاجزاً يفصله عن أي كان ومهما كان طالما فيه نفخة من روح الله. عوالم الفنون والإبداع والجمال والأشواق والمحبة هي عوالم إنسانية شفافة لا يرقى إليها إلا من تطهر فعلاً من تكثّف الغريزة بما هي شهوة وبما هي حقد وكراهية وعقد نفسية هي من أخلاط النفس والذهن غير السّويّين».

من جانبه، أشاد «القاسمي» بـ«الحرفية» التي يتمتع بها «مورو»، مشيراً إلى أن «فريق الإعداد اتصل بجميع الأطياف الحزبية للمشاركة في البرنامج، وهناك من قبلوا المشاركة وآخرون رفضوا ذلك بسبب التزاماتهم».

«مورو» يرد

الشيخ «مورو» قال، إن ما قام به لا يمس بسمعته أو بسمعة الحركة التي ينتمي إليها، ولا يحرج أنصاره، وليس فيه أي إخلال بالأخلاق ولا بالذوق العام، بحسب ما نقلت عنه «هافنغتون بوست عربي».

وأضاف: «أنا نزعت جبتي ولبست لباساً إفرنجياً بهدف أداء مشهد تمثيلي لمدة 5 دقائق تقمصت خلاله شخصية غير شخصيتي، وكل ذلك في ظروف معينة، لكني لن أواصل في هذا الطريق ومتشبث بلباسي الذي يعرفني به عامة الناس بالجبة والعمامة».

واعتبر «مورو» أن تقييم بعض التونسيين لشخصه من خلال اللباس «لا يمت للدين أو التدين في شيء»، لافتاً إلى أن «راشد الغنوشي» رئيس حركة «النهضة» يرتدي البدلة.

وقال: «من يقيمونني على ارتدائي البدلة الإفرنجية هم محافظون إلى حد الجمود، والكل يعلم أني الوحيد في الحركة من حافظ على ارتداء الجبة والعمامة بشكل دائم».

في المقابل، لم يخفِ «مورو» عدم رضاه على الحبكة الفنية والإخراجية للبرنامج الذي ظهر فيه بشكل عام.

وأوضح: «في البداية كنت أظن أن الأمر يتعلق بكاميرا خفية، لكن بعد أن عرفت الفكرة العامة وبأن المشهد يتعلق بأداء دور تمثيلي وجدت نفسي محرجاً أن أرفض، ومجبراً على مسايرة فريق الإعداد حتى لا أحرجهم أمام الجمهور الحاضر».

وختم بقوله: «أحترم كل آراء التونسيين ومواقفهم بشأن طريقة ظهوري في البرنامج وقد أكون أخطأت أو أسأت التقدير».

ويعتبر الشيخ «مورو» الشخصية الثانية في حركة «النهضة»، وهو من المحسوبين على التيار المعتدل والإصلاحي داخل الحركة الإسلامية، كما أن مواقفه وآراءه تثير جدلاً كبيراً في البلاد.

ومؤخرا، أشاد بالرئيس الأسبق «الحبيب بورقيبة» الذي قال عنه إنه بات يشكل «تراثاً لتونس»، وهو ما عرضه لانتقادات من قبل عدد كبير من أنصار «النهضة» الذين يتهمون «بورقيبة» بـ«تغريب الشعب وإبعاده عن دينه».