الثلاثاء 30 مايو 2017 10:05 م

يتعذر فهم طبيعة الانتخابات التي تجري في إيران، ووظيفتها الحقيقية، من دون معرفة هيكل النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه. السلطة العليا، والحقيقية في هذا النظام لا ترتبط بالانتخابات الرئاسية أو البرلمانية. إنها سلطة مطلقة، لأن الولي الفقيه الذي يحوزها يملك صلاحيات تعلو رئاسة الجمهورية والبرلمان وغيرهما من المؤسسات والأجهزة.

لكن التنافس الذي يحدث في الانتخابات تحت سقف لا يتجاوزه، يؤدي وظيفة مهمةً هي خلق انطباع عام بشرعية نظام الحكم، عبر تأكيد قدرته على حشد الشعب للمشاركة فيها. لذلك تُجرى انتخابات مجالس الشورى البلدية على المستوى المحلي بموازاة الانتخابات الرئاسية بهدف زيادة المشاركة إلى أعلى نسبة ممكنة.

فقد درج النظام الإيراني على النظر إلى التصويت في الانتخابات بوصفه اقتراعاً لمصلحته بغض النظر عن نتيجته. ولا يجد مسؤولون إيرانيون تناقضاً في خطابهم الذي يُقال فيه إن الاقتراع في الانتخابات عمل ديمقراطي من جانب، وتأييد لنظام الحكم من جانب آخر.

وتدل دعوات المرشد الأعلى المتكررة الناخبين إلى التوجه بكثافة إلى مراكز الانتخاب، وإعلانه أن الاقتراع واجب ديني، على مدى أهمية الوظيفة التي تؤديها الانتخابات في هذا المجال، وهذا يفسر مد فترة الاقتراع أكثر من مرة في انتخابات 19 مايو الماضي لكي يحقق الإقبال عليها المعدل المطلوب لتصدير صورة ديمقراطية إلى العالم.

غير أن هذه الانتخابات تكشف أن أزمة النظام الإيراني تقترب من الذروة، فقد اتسمت الحملة الانتخابية بحدة غير مسبوقة رغم عدم وجود خلافات جوهرية بين المرشحين الرئيسيين حسن روحاني وإبراهيم رئيسي، إذ انصب التراشق بينهما على القضايا المسموح بالذهاب إلى أبعد مدى في مناقشتها، مثل كيفية معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وسبل معالجة الفساد المستشري في البلاد، وبعض جوانب السياسة الخارجية من دون أدنى خلاف على التوسع الإقليمي ودعم ميليشيات تحارب بالوكالة عن إيران في أربعة بلدان عربية.

أما طبيعة نظام ولاية الفقيه وتركيبته واتجاهاته الأساسية، فكلها موضع اتفاق بين روحاني ورئيسي وغيرهما من المرشحين الذين بدوا مختلفين شكلاً ومتفقين مضموناً رغم عنف التراشق اللفظي. وقد عاد روحاني إلى الدفاع عن خطط تطوير الصواريخ الباليستية في مؤتمر صحفي عقب انتخابه، بعد أن كان قد انتقدها بطريقة ناعمة في حملته.

ويدل التوتر الذي خيم على الحملة الانتخابية، رغم عدم وجود خلافات جوهرية، على أن الأزمة الداخلية تزداد بشكل مطرد استعداداً لليوم التالي لرحيل المرشد الأعلى واختيار خليفته. وربما كان ترشح رئيسي سبباً إضافياً لحدة التوتر، لأنه كان طول العامين الأخيرين أبرز المرشحين المحتملين لخلافة خامنئي في موقع المرشد الأعلى.

وثمة تفسيران لترشحه: أولهما «حرقه» من أجل استبعاده لمصلحة شخص آخر يعُده مكتب المرشد العام والهيئات والأجهزة الدينية والعسكرية والأمنية، والثاني اختبار شعبيته في مرحلة بالغة الدقة لا يتحمل فيها النظام الإيراني المأزوم ولاية فقيه ضعيفة أو مزعزعة، والأرجح الآن في ضوء نتيجة الانتخابات أن خسارته أكبر بكثير من هزيمته أمام روحاني بفرق نحو ستة ملايين صوت، وأنه لم يعد مرشحاً لخلافة خامنئي.

ويبدو، والحال هكذا، أن الصراع الداخلي في إيران سيزداد حدة في الفترة القادمة، خصوصاً في غياب قيادي بارز يتمتع بمكانة تتيح له حسم قضية الخلافة، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة غير مسبوقة تؤثر في تركيبة نظام الولي الفقيه.

وربما كان هذا ما قصده الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد حين قال في مقابلة أجرتها معه قناة فرنسا العربية في 3 مايو الجاري إن الديمقراطية الخاضعة للسيطرة وصلت إلى نهايتها. وما كان لنجاد أن يدلي بمثل هذا التصريح المحمَّل بالألغام إلا بسبب حدة الصراع الذي كان استبعاده من هذه الانتخابات أحد تجلياته.

وإذا كانت الأزمة غير المسبوقة التي يبدو أنها تنتظر النظام الإيراني تعود إلى ازدياد الصراعات بشأن قضية خلافة المرشد الأعلى الحالي، يصبح السؤال المحوري متعلقاً بتداعيات الإصرار على أن يكون خليفة خامنئي من المتشددين أمثال رئيسي، فيما كشفت نتيجة الانتخابات أن أغلبية الإيرانيين تبحث عن تغيير أبعد مما يمثله روحاني الذي اقترع الشباب له لأنهم لم يجدوا غيره.

فهل يقود التمسك بأن يكون المرشد القادم متشدداً إلى اندلاع مواجهة حاسمة مؤجلة منذ ربيع 2009 حين قُمعت احتجاجات واسعة نشبت بسبب شكوك في تزوير الانتخابات الرئاسية؟

* د. وحيد عبد المجيد نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام