الخميس 26 يونيو 2014 06:06 ص

جان عزيز، المونيتور، 24 يونيو/حزيران 2014

لم يتأخر عنف "داعش" عن الوصول إلى بيروت. تفجير انتحاري واعتقالات بالعشرات وأخبار عن شبكات إرهابية وتحضيرات لاغتيالات سياسية كبرى ومحاولات انقلابية ... غير أن هستيريا الخوف من هذا التنظيم الإرهابي من جهة، كما حسابات البعض في الاستثمار في الخوف لمصالح سياسية من جهة أخرى، فضلاً عن تعدد الجهات اللبنانية كما الدولية التي تتابع الموضوع... كل ذلك جعل الوصول إلى حقيقة ما جرى في بيروت في الأيام الماضية، مسألة تحتاج الكثير من التدقيق والتمعن.

بدأت عاصفة "داعش" تهب على بيروت يوم الثلثاء الماضي، في 17 حزيران. ففي مساء ذلك النهار عمدت القوى الأمنية اللبنانية بالتعاون مع عناصر من حزب الله، إلى إقفال عدد من الطرقات المؤدية إلى بعض المستشفيات المعروفة في الضاحية الجنوبية من بيروت. في اليوم التالي ذكرت أوساط قريبة من حزب الله لموقعنا، أن تلك الإجراءات قد اتخذت نتيجة معلومات وصلت إلى جهازين أمنيين لبنانيين، عن قيام "داعش" بالتحضير لاستهداف مستشفى تابع لحزب الله، حيث يمكن أن يكون ثمة عناصر تابعة لهذا الحزب، يعالجون من إصابات لحقت بهم نتيجة مشاركتهم في القتال في سوريا. كما ذكرت المعلومات نفسها لموقعنا، أن خبراً آخر ورد إلى حزب الله، عن إحتمال قيام "داعش" بحفر أنفاق تسمح باستهداف مناطق انتشار الحزب، انطلاقاً من مراكز تابعة لتنظيم "داعش" داخل بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الموجودة في الضاحية الجنوبية من بيروت أيضاً، على مقربة من مناطق انتشار حزب الله. وكشفت الأوساط نفسها لموقعنا، أن الجهازين الأمنيين اللذين نقلا تلك المعلومات الأولية إلى حزب الله، أكدا أنهما قد تبلغاها من أجهزة أمنية غربية.

في اليوم التالي، تبين أن لا صحة على الأقل لمسألة الأنفاق، كما لم يتم استهداف أي مستشفى. ورغم ذلك، ادت الشائعات إلى إقفال ليلي شبه دائم لبعض الطرق، كما إلى توقيف نحو 9 من المشتبه بهم، أطلق سراحهم لاحقاً بعدما تبين أنهم غير متورطين بأي نشاط غير قانوني.

لم تتوقف عاصفة القلق الداعشي عند هذا الحد. بعد ثلاثة ايام، وتحديداً يوم الجمعة في 20 حزيران، كان السفير الأميركي في بيروت دايفيد هايل، على موعد مع وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل في مقر الوزارة في الأشرفية في قلب بيروت، عند تمام الحادية عشرة قبل الظهر. قبل الموعد بوقت قليل، أبلغ هايل باسيل باضطراره لإلغاء الموعد، نظراً إلى تعذر انتقاله من مقر السفارة، لأسباب أمنية. وفي وقت متزامن، كان ثمة موعد آخر لمؤتمر بحثي يعقد في مقر وزارة التربية اللبنانية غرب بيروت. وكان متوقعاً أن يحضره رئيس المجلس النيابي نبيه بري. لكن اتصالات جرت بين وزارة الداخلية وبري ومنظمي المؤتمر، أدت إلى إلغائه، لأسباب أمنية أيضاً. وسط كلام عن مؤامرة كانت تعد لاغتيال بري اثناء المؤتمر. ومع الإعلان عن إلغاء المؤتمر، كانت القوى الأمنية تعتقل عشرات الأشخاص في أحد فنادق العاصمة بيروت، للاشتباه بأن الرأس المدبر لعملية الاغتيال تلك، ينزل في ذلك الفندق. مسألة أخرى تبين لاحقاً عدم دقتها، ما اقتضى إطلاق سراح النزلاء الموقوفين.

في هذا الوقت، كان مدير عام الأمن العام، اللواء عباس ابراهيم، أحد أبرز رؤساء الأجهزة الأمنية  اللبنانية نشاطاً وإنتاجية، ينتقل من بيروت إلى البقاع. ليتزامن عبوره منطقة ضهر البيدر مع انفجار نفذه انتحاري بسيارته وسط حاجز لقوى الأمن وبالقرب من موكب ابراهيم. عند هذا الحد تأكدت المعلومات: "داعش" تحاول العودة إلى بيروت، والمعلومة أميركية المصدر كما أكد مسؤول وزاري لموقعنا. أما الانتحاري فلم يتمكن من الوصول إلى هدفه، لأن الصدفة لعبت دورها ربما. ذلك أن رؤيته لموكب اللواء ابراهيم، إما جعلته يرتبك ويعتقد أن أمره قد انكشف، ففضل تفجير نفسه في حاجز لقوى الأمن الداخلي. وإما أنه اعتقد أن أمامه هدفاً عدواً ثميناً، فحاول التعويض عن الوصول إلى بيروت، بمحاولة تفجير من كان في الموكب الخاص.

قد يمضي وقت غير قليل قبل كشف تفاصيل ما حصل طيلة تلك الأيام البيروتية بشكل دقيق ومؤكد. غير أن مسؤولاً وزارياً أكد لموقعنا أن القراءة الرسمية لتلك الأحداث لا تزال تعتبر أن أي عملية تفجير، أو أي محاولة اغتيال لأي شخصية، لن تكون هدفاً في ذاته لتنظيم "داعش". بل ستكون مجرد الصاعق المطلوب، أو الستار الدخاني اللازم لإطلاق الهجوم الداعشي في لبنان. يحصل التفجير، أو يتم الاغتيال، فيقع البلد في فوضى والسلطات اللبنانية في حال إرباك وفوضى، ما يشكل الفرصة السانحة لإطلاق هجوم "داعش". أما التوقعات الحكومية لجهة منطلق هذا الهجوم، فلا تزال تركز على نقطة من اثنتين: إما مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب صيدا جنوب لبنان، حيث عدد لا يستهان به من الفصائل الأصولية السنية التي يمكن أن ترفد "داعش". وإما منطقة الشمال اللبناني، بين طرابلس وعكار، حيث قد يأمل تنظيم "داعش" بوجود  مناصرين له بين الجماعات اللبنانية الأصولية من السنة، كما بين النازحين السنة السوريين.

الأسابيع المقبلة ستكون حافلة بالقلق والتوتر والاستنفار، يؤكد المسؤول الوزاري لموقعنا. فالمعركة لم تنته. بل لم تبدأ بعد. والأسوأ، رغم كل التقديرات والترجيحات، أن أحداً لا يقدر على تأكيد زمان اندلاعها أو مكانه.