الأحد 28 ديسمبر 2014 04:12 ص

في قمة مجلس التعاون الأخيرة في الدوحة، أقر القادة الخليجيون إقامة إنتربول خليجي، مقره أبوظبي، لما أسموه "تحقيق الأمن الداخلي"، لكنهم أخفقوا في تشكيل قيادة عسكرية موحدة، وهي القوة التي أُقرت في القمة الخليجية التي انعقدت في الكويت في 2013، رغم أن صحيفة "الراية" القطرية، كانت كتبت في عددها الصادر صبيحة يوم انعقاد القمة: "إن القمة سيتمخض عنها الاتفاق على تشكيل قيادة عسكرية مشتركة لجيوش دول المجلس، سيكون مقرها الرياض".

تلك حيثية واحدة من بين أخرى عديدة، تجعلني أنحاز للقول بأن زيادة التواجد العسكري الغربي في الخليج هو حاجة لنادي الملكيات الصغيرة أمام تحديات داخلية وخارجية متزايدة، لكن التحديات الداخلية هي الهاجس الأكبر في ظني، وذلك ما يجعل الدول الست (السعودية، عمان، الكويت، الإمارات، قطر والبحرين) تنجح في إعلان قيادة موحدة لجهاز الشرطة (إنتربول)، وتخفق في تشكيل قيادة عسكرية موحدة، وإن كانت الجهات الخليجية تحاول التقليل من ذلك عبر القول بأن الإعلان عن هذه القيادة هو قيد التشاور. 

في مارس/آذار الماضي، شاركت وحدات عسكرية مصرية في مناورات استضافتها الإمارات، وتحدثت التقارير حينها عن رغبة دول التعاون في ضم قوات أردنية ومغربية، وربما مصرية، إلى قوات درع الجزيرة، التي يفترض أن تكون لها مهمات دفاعية خارجية، لكن مهامها الحقيقية اتضحت في 2011، حين زُج بها في شأن داخلي بحريني.

وبالنظر إلى كون المجلس قد أعلن في 2011 عن رغبته في ضم كل من عمّان والرباط إلى الكيان السداسي الفضفاض، فإن الهواجس الداخلية التي تقف وراء توجه من هذا النوع، تتزايد هنا، بالنظر إلى ما شكلته تظاهرات ما عرفت بالربيع العربي من اهتزازات غير مسبوقة للملكيات الخليجية، وكذا للأردن، وعلى نطاق أقل للمغرب.

وقد نظر إلى الدعوة الخليجية على أنها رغبة من السعودية والدول الخمس الأخرى، لتحصين الملكيات العربية المتبقية أمام ما كان يعتقد أنه طوفان شعبي جارف.

حينها، كانت جميع المعطيات المتوافرة تؤكد أن ليس لإيران أي يد في تحريك الأوضاع في تونس أو مصر أو اليمن أو البحرين، وهي الدول التي خشيت الدول النفطية حدوث تغييرات دراماتيكية في تركيبة حكوماتها، فاتخذت جملة من الإجراءات العسكرية والسياسية والاقتصادية لحماية حكومات تلك الدول.

في اليمن، أعلن الخليجيون مبادرة لإعادة إنتاج حكم علي عبدالله صالح، وفي البحرين أرسلوا قوات درع الجزيرة للفتك بالمعتصمين في دوار اللؤلؤة، وفي مصر شجعوا مؤسسة الجيش للقيام بانقلاب عسكري، أدخل مصر نفقا يصعب الخروج منه.

وهكذا ارتبط العصر الخليجي، حيث الثروة المالية الضخمة وسط فقر عربي واسع، ارتبط بإدخال الدول العربية في أتون صراعات داخلية، لا تبقي ولا تذر، فقد قاد الخليجيون تدمير سوريا وليبيا، وقبل ذلك العراق، ويخشى أن تكون مصر هدفهم المقبل، وإن كانت القاهرة فعلا في مهب الريح.

ولذا، فإن القوة العسكرية الخليجية الموحدة، إذا ما أنشأت، فلا يتوجب أن نتوقع أنها ستلتزم بميثاق مكتوب، بأن لا تكون يد بطش للحكومات ضد شعوبها، وأن تتفرغ للدفاع عن حدود الدول الست من أي اعتداءات خارجية مفترضة، فتجربة درع الجزيرة تشيء بالمآل، وتكشف الأهداف الحقيقية، خصوصا إن القوات الخليجية هشة مقارنة بالجيش الإيراني، الذي يفترض أن يكون المقصود، إذا ما تحدث الخليجيون عن خطر خارجي، داهم أو مرتقب.

في ظل هذه الأجواء، أعلنت البحرين استضافتها قاعدة بريطانية جديدة، وأن الميزانية العامة للمنامة ستتكفل بنحو 23 مليون دولار هي كلفة إنشاء القاعدة، ولا يبدو أن البريطانيين سيدفعون إيجارا سنويا للقاعدة.

وفي الواقع، فإنه لم تتحسن أحوال الاقتصاد البريطاني منذ 1968، حين أعلنت حكومة العمال حنيها عن سحب قواتها من شرق السويس، بل إن الاقتصاد يعاني من تحديات جدية، وطالما تحدثت حكومة كاميرون عن الحاجة للحد من الإنفاق، في السنوات المقبلة.

ولذا، فإن الاعتقاد لا يجانبه الصواب بالقول أن التنظير للوجود البريطاني الدائم في البحرين هي فكرة يتبناها ملك البحرين، الذي قال أكثر من مرة أن عائلة آل خليفة لم تطلب منهم مغادرة الجزيرة قبل نحو أربعين عاما، وربما هو أراد أن يضيف بأن عليهم أن يعودوا إلى حيث كانوا.

تختار الدكتاتوريات الخليجية عدة خيارات عجيبة للخروج من مآزقها الداخلية، ليس من  بينها التنازل لشعوبهم، كأن يتورطون عسكريا في سوريا ولبيبا (معظم الدول الخليجية)، أو حتى يجنسوا الأغراب على نحو يحيل البلاد إلى بلاد أخرى (البحرين)، أو أن يقيموا قواعد عسكرية للبحرية الأميركية، والبحرية البريطانية، والحرس الملكي السعودي، والشرطة الإماراتية، والدرك الأردني، كما هو حال البحرين.

وحتى الآن، لم تسقط الأنظمة الخليجية، لكن ثروات الشعوب تتبدد، فيما الخطر الداخلي والخارجي، كالجمر تحت الرماد.

* عباس بوصفوان إعلامي بحريني – لندن

المصدر | البحرين اليوم