لم تكن الأزمة القطرية أبدًا قضية عابرة في المواءمة الاستراتيجية لميزان القوى في الشرق الأوسط، مع ثلاثة محاور رئيسية تتنافس على الهيمنة الإقليمية. ومن المرجح أن تعبر المحاور الرئيسية الثلاثة في المنطقة، بقيادة إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، عن أهدافها ومصالحها بشكلٍ مختلف، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة التنافس والنزاع.

ويعد الهدف الرئيسي لكل محور من المحاور هو احتواء الآخرين، بما في ذلك الدول التي لا تنحاز لطرف بشكلٍ أو بآخر. وإذا لم تتم إدارة الأزمة القطرية بشكلٍ رشيد، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تعقيد المخاطر الحالية في ميزان القوى الإقليمي، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على جميع دول المنطقة.

المحاور الثلاثة

ويتكون أول هذه المحاور من إيران وسوريا، وكذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وقوات الحشد الشعبي في العراق. وإيران هي القوة الرئيسية المتحكمة والمسيطرة في هذا المحور، وتدعمه روسيا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

ويتكون المحور الثاني من المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين واليمن (بقيادة عبد ربه منصور هادي)، بالإضافة إلى بعض الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل جيش الإسلام (الجبهة الإسلامية). والسعودية هي القوة الرئيسية في هذا المحور مع مصر باعتبارها الركيزة الثانية. وعلى عكس المجموعة السابقة، فإنّ هذا المحور مدعومٌ من الولايات المتحدة الأمريكية.

وربما يكون المحور الثالث هو الأكثر تعقيدًا والأكثر تأثرًا بالأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين دول المنطقة، ويتألف من تركيا وقطر والعديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل جماعة الإخوان المسلمين وحماس.

وعلى الرغم من كون تركيا قوةً إقليميةً كبرى، فإنّها تتناوب القيادة في محورها مع قطر نتيجةً للتكامل النسبي بين البلدين في مختلف جوانب القيادة، ويتوافق فائض تركيا العسكري البشري مع التمويل القطري وهو ما يسمح بتشكيل هيكل القيادة المتكامل الحالي. ويتشابه هذا المحور في كثيرٍ من الأمور مع الكتلة السعودية المصرية، حيث تدعمهه الولايات المتحدة نسبيا وأيضًا جزءٌ من العالم الإسلامي السني.

تحالفات متقاطعة

وعلى الرغم من أنّ لكل محورٍ من المحاور الرئيسية الثلاثة في الشرق الأوسط مصالحه وأهدافه الخاصة، إلا أنّ هذا لم يوقف التعاون والمشاركة عبر الكتل حول قضايا معينة. وقد حدثت مؤخرًا أمثلة على ذلك في المقام الأول بين المحور الأول (إيران) والثالث (تركيا)، وهو ما يسهل تزايد مشاركة روسيا مع كلا الطرفين بشأن قضايا الشرق الأوسط مثل قضايا سوريا والأكراد والعلاقات الاقتصادية.

ويحتل التقارب الإيراني التركي، بشكلٍ خاص، مكانة بارزة في العديد من القضايا الجيوسياسية التي لم يتم حلها بعد في المنطقة، مثل مكافحة الإرهاب واستفتاء الاستقلال الكردي، وقد حذرت كلٌ من تركيا وإيران مؤخرًا من مثل هذا التصويت، والجهود الرامية لتخفيف الحرب في سوريا.

أما فيما يتعلق بالتقارب الإيراني القطري، فقد شملت القرارات الأخيرة تعاون أكبر في الطاقة والعمليات العسكرية وتجارة المواد الغذائية، والأهم إدارة وتقاسم أكبر حقل للغاز في العالم.

وفي الوقت نفسه، وفي مواجهة حصار مجلس التعاون الخليجي الذي حظر الأجواء أمام الطائرات القطرية، فتحت إيران مجالها الجوي أمام قطر وقدمت لها أيضًا المواد الغذائية. وفي كلتا الحالتين، كان للتقارب الإيراني القطري تداعياته على الشبكة الأوسع للعلاقات في المنطقة.

وقد أبرز التقاطع الأخير للعلاقات بين تركيا وقطر وإيران الاختلافات والتناقضات بين أهداف هذين المحورين ومحور المملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من الدعم الأمريكي المتبادل والانتماء الإسلامي المشترك، فإنّ لكل من السعودية وتركيا رؤى وأهداف مختلفة جوهريًا تجاه قطر وإيران.

المعضلة الحقيقية أمام واشنطن

والولايات المتحدة على وعيٍ خاص بعواقب تفاقم الصراع بين شركائها الرئيسيين في المنطقة، ولاسيما السعودية وتركيا. وتتعثر هنا الخيارات الأمريكية في هذا الخلاف بين الحلفاء.

ومن شأن التخلي عن قطر في مثل هذه الأزمة أن يلحق ضررًا بالولايات المتحدة، بفقدان ركيزة هامة في الشرق الأوسط، وإتاحة الفرصة للروس الذين يبحثون عن توسيع موطئ قدمهم في المنطقة. وتدرك الولايات المتحدة أنّ قطر، بمساعدة روسيا وتركيا وإيران، قادرة على خلق احتكارٍ للغاز، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على النمو الاقتصادي العالمي.

وقد يؤدي تفاقم الصراع بين الحلفاء إلى تفكك التحالف بقيادة الولايات المتحدة في المنطقة إلى مجموعتين منفصلتين، واحدة منهم تضم (الإخوان المسلمين) مع العاصمة القطرية والقوات التركية والأخرى (الوهابية) مع العاصمة السعودية والقوات المصرية.

ومن منظور وزارة الخارجية الأمريكية، فأي تهديدٍ لأمن دول مجلس التعاون الخليجي يشكل تهديدًا للمصلحة الوطنية الأمريكية. والأمن الخليجي هو جزء طويل الأمد من الأمن القومي الأمريكي منذ عهد الرئيس «جيمي كارتر»، الذي قال: «أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية».

وبالنظر إلى الموقف الأمريكي، يراقب صناع السياسة الأمريكية الأحداث في الخليج بقلق، خاصةً فيما يتعلق بالعراق.

ومن ثمّ، فإنّ إدارة الأزمة القطرية قد وضعت الولايات المتحدة في مأزقٍ خطير، لأنّ العمل لصالح أي من الجانبين يجب موازنته، مع الوضع في الاعتبار التداعيات المحتملة على 10 آلاف أمريكي في قاعدة العديد في قطر، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

الأوضاع الجيوسياسية في العراق

وتقع العراق وسط المحاور الثلاثة: إيران من الشرق، والسعودية من الجنوب الغربي، وتركيا من الشمال. وفي مواجهة المنافسة والصراع الحاد بين هذه المحاور، تصبح العراق في وضعٍ مربك وحرج، مع مراعاة التهديدات والفرص على السواء.

ويتناقض الدمار الأخير الذي حل بالبلاد مع مركزيتها التاريخية في المنطقة، مما يجعلها هدفًا ممتازًا وشريكًا مستضعفًا لكل محور. وتبحث جميع المحاور الثلاثة عن نفوذٍ لها في العراق. واستنادًا إلى قيمتها الجغرافية الاستراتيجية، يمكن للعراق أن تعمل كمنطقة عازلة حاسمة.

وتشعر الولايات المتحدة بالقلق من أن تواصل إيران الهجوم السياسي في العراق. ومع نهاية معارك الموصل، قد تستنتج إيران أنّها لم تعد تستفيد من أي وجودٍ أمريكيٍ في العراق. ولدى إيران مجموعة واسعة من الوسائل لممارسة الضغط على صناع القرار السياسي في العراق، وخاصةً من خلال الجهات الفاعلة غير الحكومية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ العلاقات الاستراتيجية والتاريخية الإيرانية مع القوى السياسية الشيعية تعطيها موطئ قدمٍ لتوجيه الشعب العراقي تجاه مصالحها.

أما بالنسبة للسعودية، فلدى البلاد وسائلها الخاصة للحفاظ على العراق من التقارب الوثيق جدًا مع إيران. ويمكن للمملكة أن تمتنع بشكلٍ سلبيٍ عن دعم إعادة إعمار المناطق المحررة، أو أن تدعم بنشاط الجماعات والأحزاب الراغبة في زعزعة السلام وإعاقة العملية السياسية في العراق. وعلى نطاقٍ أوسع، قد يضغط السعوديون على بلدانٍ أخرى في العالم العربي والإسلامي ضد تقديم الدعم للعراق.

وأخيرًا، تمتلك تركيا هي الأخرى وسائل ممارسة للضغط على الساحة السياسية العراقية. ومن المعلوم أنّ سد أتاتورك على نهر الفرات، وهو واحد من أكبر السدود في العالم، مملوك لتركيا.

وفي العام الماضي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا ناقش قرب الانتهاء من العديد من مشاريع السدود التركية، ولاسيما سد إليسو. ويبدو أنّ العواقب على مستويات المياه في أجزاء من العراق ستكون كبيرة، مع تجفيف الأهوار والإضرار بالصناعات الزراعية ككل. وقد تلعب ورقة استخدام المياه كبطاقة سياسية لصالح تركيا في العراق.

وبالمثل، قد تستخدم تركيا القضية الكردية وروابطها مع «مسعود البارزاني»، رئيس إقليم كردستان العراق، لصالحها في مواجهة العراق. وقد تدفع كل من قطر وتركيا باتجاه مطالب «البارزاني» بالاستقلال. وعلى الرغم من أنّ تركيا تعارض الاستقلال الكردي، إلا أنّ هذا لا يستبعد رغبة «أردوغان» في استخدام هذه الإمكانية في الضغط على الحكومة العراقية.

ولقد أتاحت الأزمة القطرية، والخطاب الدبلوماسي الأوسع نطاقًا، قوة الدفع للسباق من أجل السيطرة على العراق. ونظرًا للقيمة الجيوسياسية للعراق والانفتاح على مختلف التكتلات في المنطقة بعد تحرير الموصل، فإنّ التنافس على توازن القوى في الشرق الأوسط في المستقبل يجري بالفعل بين إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا.