الثلاثاء 30 ديسمبر 2014 03:12 ص

قبل عدة أسابيع، وتحديداً في مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر)، زار رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي لبنان. لم تكن زيارة رسمية، بل كانت زيارة تولى حزب الله الرصيد الأكبر من الإشراف والتنظيم لها.

في استقبال المالكي، قال رئيس الكتلة البرلمانية اللبنانية التابعة لحزب الله محمد رعد ما نصه: «يسرني أن أعرب عن تقديري لشخصكم وللجهود والجهاد الذي بذلتم من أجل عراق سيدّ حرّ ومستقل، والمعركة اليوم هي معركة تحرّر وإثبات السيادة للإرادة الشعبية؛ وهذا ما يجعلنا معاً في هذه المعركة؛ لأن العدو واحد، والهدف هو إخضاع إرادة الشعوب في ما نتوق معاً؛ لتحرير شعوبنا ومنطقتنا من هيمنة المستكبر والمتسلط».

ولم يكتف حزب الله بتصوير نوري المالكي بالمجاهد؛ من أجل استقلال العراق والرجل الذي همه التحرر من هيمنة المستكبر والمتسلط، بل إنه في البيان الذي أعقب اللقاء الذي جمع الأمين العام للحزب حسن نصر الله مع المالكي ذكر أن رؤية الرجلين «متطابقة حول الخلفيات والأهداف وسبل المواجهة»، لما يواجه المنطقة من تحديّات.

ومن أجل التبرير لموقف الحزب بعد أن وُوجه بانتقادات متنوعة، كتب رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» اللبنانية إبراهيم الأمين ليقول: «من الخطأ المنهجي والعلمي القول بأن المالكي صنيعة الأميركيين»، وأورد أدلة تؤكد أن المالكي ليس صنيعة الاحتلال الأميركي في العراق:

أولها أن مقتدى الصدر قال: «إما المالكي أو أحرق العراق».

وثانيها أن من يعارضونه إنما يعارضونه؛ لأنه «عاند توسع الحكم الذاتي الكردي في الشمال»؛ ولأنه بتفكيكه للصحوات إنما يفكِّك مشروعاً أميركياً-خليجياً؛ ولأنه قاد عملية وقف العمل بالاتفاقية الأمنية مع الأميركيين.

أخيراً، السبب الرئيس لحنق الخليجيين والأميركيين عليه ليس إلا «التزامه منذ عام 2012 سياسة إقليمية تصب في سياق عمل محور المقاومة، الممتد من إيران إلى سورية ولبنان».

لنتفحص هذا الدفاع عن قرب، ولنسأل ما هو الفيل الكبير في وسط الغرفة الذي يتغافل عنه الأمين؟ لا شيء سوى الاحتلال الأميركي نفسه. هو يُغفل مثلاً أن المالكي تولى رئاسة الوزراء والعراق تحت الاحتلال، وأنه قبل توليه رئاسة الوزراء كان قد عينه الحاكم الأميركي للعراق بريمر نائباً للجلبي الذي كان رئيساً للجنة اجتثاث البعث، كما أنه كان نائباً لرئيس المجلس الوطني الموقت.

حتى يتسنى لإبراهيم الأمين أن يقيم الحجة على أن المالكي ليس صنيعة أميركية، فإن عليه أن يحاجج بأن وصوله إلى السلطة كان ضمن عملية ديموقراطية مستقلة عن كل تأثير خارجي. ومجرد أن يفكر بالقيام بذلك، فإنه سيضطر إلى إعادة إنتاج الرواية الأميركية عن الاحتلال العراقي، وأن الولايات المتحدة لم تكن تتدخل في كل تفاصيل العملية السياسية في العراق. إن المحاججة عن استقلال المالكي تعني بالضرورة محاججة عن عدم تدخل الاحتلال الأميركي في العملية السياسية العراقية.

من جهة أخرى، إن سيرة المالكي في الحكم تشير إلى نوع العقلية الخاضعة التي يتمتع بها، إن تذكُّرَ هذا مهم، ولاسيما في عملية النسيان الجماعي التي يريد الأمين أن نمارسها؛ لنخلص إلى نتيجة غريبة مفادها بأن المالكي كان مجاهداً ومقاوماً، وليس صنيعة أميركية.

ففوراً بعد تعيينه رئيساً، قرر الرئيس الأميركي بوش أن يقوم بزيارة استثنائية ومفاجئة للمالكي ذكر فيها للجنود الأميركيين ما يأتي: «أنا لم آت لشكركم، بل جئت لأقابل المالكي وجهاً لوجه حتى أتأكد من أنه ملتزم مثلكم؛ للوصول إلى عراق حر».

ويبدو أن بوش تأكد من ذلك، فبعد تولي المالكي بشهر أو شهرين، فقد تعهّد للأخير بأنه لن يسحب قواته حتى يتأكد من أن العراق بإمكانه الدفاع عن نفسه. يؤكد ذلك سفر المالكي فور توليه منصبه لأميركا طالباً العون، فجاءه العون بصورة زيادة عدد القوات الأميركية في بغداد.

لا يرى الأمين في الأشهر الأولى من حكم المالكي «صناعة أميركية»، فطبيعي أن لا يرى في أشهره الأخيرة كذلك. فحتى بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في عام 2010، وعند تزايد تهديد «داعش» للحكومة العراقية لم يجد المالكي -المجاهد والمقاوم والمناضل- ملجأً سوى الأميركان؛ ليستنجد بهم، والذين بدورهم اعتبروه سبب المشكلة واشترطوا مغادرته حتى يقدموا «العون».

المغالطة الأخرى التي يحتاج إليها أمثال الأمين؛ ليقيموا الحجة على أن المالكي ليس صنيعة أميركية هي تصوير سياساته التي سعى فيها؛ لتدعيم نظامه وتقويته كأي مستبد عربي، بأنها سياسات استقلالية. فتحالفه مع مقتدى الصدر في بدايات حكمه؛ لموازنة المجلس الإسلامي الأعلى تم اعتبارها مباركة من المقاومة العراقية الصريحة، ورفضه وجود ميليشيات سنية تهدد من قدرته على إحكام قبضته على السلطة أصبحت، وبقدرة قادر، إلى مواجهة لمشروع خليجي-أميركي.

إن مثل هذا التبرير ليس إلا ابتذالاً وامتهاناً لمعاني الاستقلال والمقاومة. إن الذين يؤمنون بهذه المعاني ليجدون أنفسهم مضطرين هذه الأيام إلى الدفاع عنها، ليس ضد من يهاجمها، بل من يتبجح بها؛ ليبرر كل القتل والاستئثار بالسلطة ولعب أدوار شطرنجية في المنطقة الذي يقوم به. إن الشجاعة الحقيقية ليست في انتقاد من يبررون الاحتلال والتطبيع والاستسلام، بل إن الشجاعة تكمن بشكل جوهري في انتقاد أولئك الذي ينافقون في تبنيهم شعارات الاستقلال والمقاومة والتحرر.



* سلطان العامر كاتب سعودي.

 

المصدر | الحياة