الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 05:09 ص

يسيطر التنافس السعودي - الإيراني في الخليج العربي وجنوب آسيا والشام، الذي يدفع إلى منافسة واسعة النطاق على السيطرة الإقليمية والسياسية والأمنية والطائفية، على الاهتمام الدولي، ولكن مع ما يقرب من 650 مليون من المسلمين (53% من مجموع سكان أفريقيا)، والثروة الطبيعية غير المستغلة، والموقع الاستراتيجي، تعد القارة الأفريقية بمكاسب هائلة للمتنافسين الإقليميين إذا استطاعوا الحصول على ميزة تنافسية داخل القارة السمراء.

ومن غير المدهش أن أفريقيا أصبحت ساحة أخرى للتنافس السعودي - الإيراني، وهو الواقع الذي يتضح من خلال دعوة العاهل السعودي «سلمان» إلى عقد قمة سعودية أفريقية قبل نهاية عام 2017، ومن تشكيل تحالفات استراتيجية في القرن الأفريقي وجنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا والمغرب العربي، إلى استخدام الوكلاء الأيديولوجيين في غرب أفريقيا، ستهتم هذه الخطوة بمختلف عناصر التنافس الجاري، فضلا عن تحليل كيفية تشكيل العلاقات بين السعودية وإيران وأفريقيا والمنطقة الأوسع.

شرق أفريقيا

برز القرن الأفريقي، مؤخرا، بوصفه المحور الرئيسي للمنافسة السعودية - الإيرانية في القارة الأفريقية، وقبل التوصل إلى اتفاق مع المجتمع الدولي بشأن الاتفاق النووي لعام 2015، كافحت إيران للخروج من العزلة المفروضة عليها نتيجة برامجها الهادفة لإنتاج الأسلحة النووية، وكان القرن الأفريقي واحدا من المناطق القليلة في العالم التي تتيح الفرص لإيران لتطوير العلاقات.

وبالمثل، رحبت العديد من دول المنطقة التي تعاني تحت وطأة العقوبات الدولية، بشغف بصداقة إيران، وكان أهم ما حققته إيران من نجاحات إقليمية علاقتها بالسودان التي أثبتت مكانها كحليف حيوي لإيران لأعوام عديدة، وقد أقامت الدولتان علاقة تعاونية بين الجيش والاستخبارات، وأصبحت السودان نقطة عبور رئيسية لتوريد الأسلحة الإيرانية للشركاء في غزة ولبنان، خاصة «حماس» و«حزب الله».

كما ثبت أن إريتريا والصومال كانا شريكين متعاطفين مع إيران، حيث أصبحت إريتريا حليفا رئيسيا في المنطقة، وكان استخدام الموانئ الإريترية من قبل البحرية الإيرانية من الأصول الاستراتيجية البارزة لإيران، لأنها منحت الجمهورية الإسلامية موطئ قدم في البحر الأحمر وخليج عدن، فضلا عن موقف بحري قوي في الفناء الخلفي للمملكة العربية السعودية، ومنذ عام 2015، استخدم الإيرانيون الوصول إلى الصومال كبوابة رئيسية لتهريب الأسلحة والإمدادات إلى المتمردين الحوثيين الذين يقاتلون ضد الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.

ولو تمكنوا من الحفاظ على العلاقات، فإن الوصول إلى إريتريا والصومال، إلى جانب السيطرة على الساحل اليمني للبحر الأحمر من خلال الحوثيين، من شأنه أن يعزز قدرة إيران على تهديد الشحن الدولي في باب المندب.

وقد مثلت القدرة على تحدي التجارة الدولية التي تمر عبر منطقة باب المندب ومضيق هرمز من خلال القذائف الاستراتيجية الموجهة إلى المنطقة، منذ فترة طويلة، هدفا استراتيجيا رئيسيا للإيرانيين، الأمر الذي يوفر لهم رادعا كبيرا ضد الضغوط الخارجية.

وكان اهتمام إيران بإثبات القدرة على تحدي الشحن البحري في البحر الأحمر واضحا عام 2016، عندما شنت عدة هجمات على سفن بحرية تابعة للولايات المتحدة وقوات التحالف من الجانب اليمني من باب المندب.

وأدركت السعودية الخطر الذي يهدد مصالحها إذا سمحت لإيران بالحصول على موطئ قدم في القرن الأفريقي، حيث استثمرت المملكة بكثافة في الجهود الرامية إلى مكافحة النفوذ الإيراني.

وتمثل أبرز نجاح سعودي في إثارة الخلافات التي أدت إلى قطع علاقات السودان مع إيران، وفي عام 2014، طرد السودانيون المسؤولين الإيرانيين، متهمين إياهم بنشر الإسلام الشيعي من خلال مراكزهم الثقافية، وأعلنت الخرطوم في الوقت نفسه الانضمام إلى المعسكر السعودي، وإلى جانب الحوافز المالية، استخدم السعوديون نفوذهم الدبلوماسي لإغراء التحول السوداني، وتعهدوا بمساعدة السودان على الخروج من عزلتها الدبلوماسية.

وكجزء من هذا الجهد، قاد السعوديون جهودا للتغلب على قرار اتهام المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني «عمر البشير» بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور، وفي الآونة الأخيرة، أثار السعوديون الدهشة عندما قاموا بدعوة البشير لحضور المؤتمر العربي الإسلامي مع الرئيس «دونالد ترامب» في الرياض في مايو/آيار، على الرغم من أن البشير قرر في نهاية المطاف عدم الحضور، ويفترض أن يكون ذلك نتيجة للضغط الأمريكي.

وبتنحية المبادرات الدبلوماسية جانبا، من الواضح أن النفوذ الاقتصادي الأكبر في السعودية، إلى جانب موقفها كزعيم للعالم الإسلامي السني، مكنها من النجاح في منافستها مع إيران للتأثير على السودان، وفي عام 2016، أودع السعوديون مليار دولار في البنك المركزي السوداني، ويعتقد أنها كانت مكافأة بعد قرار الخرطوم بقطع العلاقات مع إيران نتيجة للهجوم على السفارة السعودية في طهران.

واستخدم السعوديون أيضا قوتهم الاقتصادية لتعزيز علاقاتهم الثنائية مع جيبوتي والصومال وإريتريا، وكلها قطعت علاقاتها مع إيران.

وفي حين كان التأثير التقليدي الإيراني في القرن الأفريقي يشكل تهديدا للسعودية ومصالحها، سمحت التحركات الأخيرة بزيادة المشاركة السعودية في المنطقة للمملكة بتوسيع «حزامها الأمني».

وقد تسبب إنشاء عدة قواعد عسكرية مؤخرا من قبل السعودية وحليفتها الخليجية الرئيسية، الإمارات العربية المتحدة، في القرن الأفريقي، في منح السعوديين منصة انطلاق للقضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة، وفي يناير/كانون الثاني هذا العام، وافقت السعودية وجيبوتي رسميا على بناء قاعدة عسكرية في الدولة الشرق أفريقية.

ومن خلال المؤسسات العسكرية الجديدة التابعة للإمارات في أرض الصومال (صوماليلاند)، فضلا عن القاعدة العسكرية التي تشترك في تشغيلها في عصب في إريتريا، نجحت المملكة وحليفتها الخليجية في تقليص النفوذ الإيراني.

وبعيدا عن المكون الأمني، تعكس المشاركة السعودية والإماراتية في القرن الأفريقي اهتمامها(السعودية) بحماية الوصول إلى الإمدادات الغذائية، وكونها غير قادرة على توفير احتياجاتها الغذائية محليا، وتعتمد بشكل غير مريح على الواردات الغذائية التي تأتي من مسافات طويلة، لم تأل المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى عن الاستثمار بكثافة في شراء الأراضي للإنتاج الزراعي في شرق أفريقيا.

وفي السعودية، لعبت مبادرة الملك عبد الله للاستثمار الزراعي السعودي في الخارج دورا رئيسيا في تعزيز الصفقات بين المستثمرين السعوديين وأصحاب الأراضي في إثيوبيا والسودان على وجه الخصوص، ويفترض أن الملكية الخليجية للأراضي الزراعية في أفريقيا ستساعد على ضمان إمدادات غذائية مأمونة لكامل دول المجلس، في حين يستمر سكانها في النمو.

ولكنها عززت أيضا رد فعل عنيف داخل أفريقيا مع تزايد المخاوف بشأن ملكية الأجانب للأراضي الزراعية الحيوية، وأشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى أنه «مع قيام الحكومات أو الأسواق بتوفير الأراضي للمستثمرين، قد تؤدي عمليات الاستحواذ على الأراضي على نطاق واسع إلى فقدان السكان المحليين إمكانية الوصول إلى الموارد التي يعتمدون عليها من أجل أمنهم الغذائي الخاص، خاصة أن بعض البلدان التي تمنح الأراضي نفسها تواجه تحديات الأمن الغذائي».

وبلغ إجمالي الاستثمارات الزراعية الخليجية في أفريقيا أكثر من 30 مليار دولار بين عامي 2004 و2014، وفقا لغرفة تجارة دبي. (ملحوظة: شاركت الهند والصين وكوريا الجنوبية، من بين آخرين، بالمثل في هذه الممارسة).

وفي الواقع، في حين نجحت مشاركة السعودية في القرن الأفريقي إلى حد كبير في القضاء على النفوذ الإيراني، لكنها كانت مصدرا للخلاف مع الشركاء السعوديين الآخرين، وقبل التقارب الأخير بين مصر والسعودية، نظرت القاهرة بشكل متشكك في الوجود السعودي المتزايد على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، وعلى وجه الخصوص، غضب المصريون من زيارة «أحمد الخطيب»، المستشار البارز للملك «سلمان»، لسد النهضة الإثيوبي، وهو مصدر للغضب بين مصر وإثيوبيا، في ديسمبر/كانون الأول عام 2016.

وكانت الزيارة تهدف بشكل ظاهر لاستعراض المصالح الثنائية السعودية الإثيوبية في مجالات الطاقة المتجددة، وفسر المصريون الزيارة على أنها تدخل غير مأمون العواقب في الفناء الخلفي للقاهرة، وفي الوقت نفسه، أعرب المسؤولون المصريون عن «شكوكهم» في الخطط السعودية لتطوير وجود عسكري في جيبوتي، بيد أنهم أكدوا على أن السعوديين قد سعوا للحصول على إذن من مصر قبل المضي قدما في خططهم.

كما تسبب توثيق العلاقات مع السعودية والاعتماد المتزايد على الهبات السعودية في جلب دول شرق أفريقيا إلى وسط الصراعات داخل الخليج، وعلى الرغم من أن الصومال ظلت محايدة في النزاع السعودي الإماراتي المصري مع قطر، الأمر الذي يعرضها لخطر خسارة 80 مليون دولار من السعوديين، فإن السودان وإريتريا وجيبوتي قد انحازت جميعا إلى جانب المملكة، وقامت بخفض علاقاتها مع قطر.

ونتيجة لقرارها، سحبت قطر عدة مئات من قوات حفظ السلام من الحدود الإريترية الجيبوتية، وكانوا موجودين منذ عام 2010 للحفاظ على اتفاق الحدود لعام 2008 بوساطة الدوحة، وبعد انسحاب الدوحة مباشرة، تحرك الجيش الإريتري لاحتلال الأراضي في جبال دوميرا المتنازع عليها، ما أدى إلى تفاقم التوتر، واستدعى مشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

غرب أفريقيا

تاريخيا، كان التنافس السعودي - الإيراني في شرق أفريقيا لعبة صفرية على النفوذ الاستراتيجي، ولكن في غرب أفريقيا، تتنافس الرياض وطهران، في المقام الأول، في معركة طائفية بين الإسلام السني والشيعي، وأصبحت الآن منطقة غرب أفريقيا، وهي منطقة كانت متسامحة بشكل ملحوظ من حيث الحريات الدينية، منطقة تشهد توترا طائفيا متزايدا، حيث تصدر السعودية وإيران وجهات نظرهما المختلفة حول الإسلام إلى المجتمع الإسلامي الأوسع هناك.

ويظهر الانقسام الأكثر وضوحا في الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان، نيجيريا، وأغلبية النيجيريين من المسلمين السنة، ويخضع البلد لرئيس سني، هو الرئيس «محمد بخاري»، كما تعمل جماعة «بوكو حرام» المتطرفة السلفية في البلاد، وتقع أقلية شيعية في نيجيريا، وقد حاولت إيران، في دورها المعلن كزعيم للشيعة، تبرير التدخل في الشؤون الداخلية لنيجيريا على أساس أنها الضامن الشرعي لأمن الأقلية الشيعية.

وعلى وجه الخصوص، استخدمت إيران مقتل أكثر من 300 شيعي على يد الحكومة النيجيرية خلال مظاهرة في ديسمبر/كانون الأول عام 2015 ذريعة لتبرير دعمها المستمر لمجموعة شيعية متطرفة تستلهم منهجها من إيران، وهي الحركة الإسلامية في نيجيريا، وزعيمها المسجون حاليا «إبراهيم زكزكي»، وقد اعتبرتها الحكومة النيجيرية منظمة إرهابية.

وتواجه الحكومة أيضا جماعة «بوكو حرام» وجمعية «إزالة»، وهي جماعة سنية تدعمها السعودية بشدة، وقد دعم الملك «سلمان» محاولات الحكومة النيجيرية لقمع الحركة الشيعية، بينما دعا الرئيس «حسن روحاني» إلى التحقيق في سجن «إبراهيم زكزكي» والعنف الأخير ضد الطائفة الشيعية النيجيرية.

ويستثمر الطرفان في الصراع داخل البلاد، ويدعم الطرفان الجماعات المتنافسة في جميع أنحاء المنطقة من أجل كسب موطئ قدم أيديولوجي واستراتيجي في المجتمعات الإسلامية في غرب أفريقيا.

ويعتمد التدخل السعودي والإيراني في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية على عدة وسائل، مثل التمويل الأجنبي للمساجد والمدارس الإسلامية، والذي يؤدي إلى ارتفاع الطائفية بين السنة والشيعة، والذي بدوره يسمح للجانبين بالتدخل، بزعم دعم كل منهما للطائفة الخاصة به.

وبينما تبقى نيجيريا البلد الذي يتجلى فيه التعصب الديني المتزايد، فإن دولا أخرى، بما في ذلك الكاميرون وموريتانيا والسنغال، تجتذب أيضا الصراع الأيديولوجي السعودي - الإيراني.

وبالنسبة لإيران، فإن هذه المعركة الأيديولوجية في نيجيريا تخدم طموحاتها الإقليمية الأخرى، حيث تستهدف إنشاء وكلاء على غرار «حزب الله» في جميع أنحاء أفريقيا، وترى إيران و«حزب الله» العديد من البلدان الأفريقية، مع ضعف مؤسسات الدولة والحدود التي يسهل اختراقها، كمنصات محتملة يمكن لإيران من خلالها السيطرة على المنطقة الأوسع نطاقا في ظل تزايد الضغوط في الشرق الأوسط.

ولدى «حزب الله» بالفعل موطئ قدم في غرب أفريقيا بسبب وجود كبير من أبناء الشتات اللبناني الذين يستخدمون تجارة الماس والمخدرات للمساعدة في تمويل وتوريد الأسلحة للحزب في لبنان.

وتسلط محاولات السعودية الحد من نمو المنظمة من خلال دعم الجماعات السنية المتنافسة مثل «إزالة» الضوء على أهمية نيجيريا للمصالح السعودية والإيرانية في غرب أفريقيا.

وهكذا، وعلى النقيض من الهيمنة الواضحة للسعودية في شرق أفريقيا، تتنافس إيران بفعالية مع منافستها الإقليمية على الجبهة الأيديولوجية في غرب أفريقيا، وتعد أصول إيران في المنطقة، والتي تتمثل في الحركة الإسلامية في نيجيريا وزعيمها «إبراهيم زكزكي»، لا تقدر بثمن، حيث تزود طهران بالقدرة على تعطيل خطط الدول السنية الرئيسية في المنطقة، فضلا عن ضمان إنشاء وتطوير مجموعات محلية قيمة ذات ولاء للمشروع الإيراني.

وبما أن السعودية تسعى بطبيعة الحال إلى مكافحة هذا التوسع، فإن التنافس السعودي - الإيراني يعمق التعصب الديني والتطرف الإسلامي في منطقة غرب أفريقيا.

شمال أفريقيا (الجزائر)

تعتبر الجزائر هدفا رئيسيا لإيران في أفريقيا، ومنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية عام 2000، أقامت الدولتان علاقات اقتصادية ودبلوماسية قوية، ومن بين الدول القليلة التي تعبر عن دعمها لبرنامج إيران النووي، تعتبر الحكومة الإيرانية الجزائر «نقطة انطلاق» حيوية، ليس فقط في منطقة المغرب العربي، بل في القارة الأفريقية ككل.

ومن المتوقع أن تستمر العلاقات الدبلوماسية القوية بين الجزائر وإيران، وفي زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» إلى الجزائر في يونيو/حزيران، أكد الجانبان مجددا رغبتهما فى زيادة التعاون الاقتصادي والثقافي وفي مجال مكافحة الإرهاب، ويؤكد إنشاء موقع إنتاج في الجزائر لصناعة السيارات الإيرانية من شركة «إيران خودرو» عام 2016 على تعزيز العلاقات.

ومن الناحية الاستراتيجية، يؤكد عدم رغبة الجزائر في اتباع خط القيادة السعودية في الأحداث الجارية في الشرق الأوسط قوة الدبلوماسية الإيرانية، والتزمت الجزائر الحياد في نزاع السعودية مع قطر، ووصف القطريون الموقف الجزائري بأنه «مشرف».

وفي اليمن، على الرغم من محاولات السعودية العديدة لإقناع الجزائر بالانضمام إلى تحالفها العسكري ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، رفضت الجزائر التدخل، وأخيرا، فإن عدم انضمام الجزائر إلى التحالف العسكري الإسلامي الذي تقوده السعودية يسلط الضوء على إصرار الجزائر على الابتعاد عن الهيمنة المتزايدة للمملكة على السياسة والنزاعات في الشرق الأوسط، كما يحظر الدستور الجزائري نشر القوات العسكرية الجزائرية خارج البلاد.

وترى إيران في الجزائر قوة اقتصادية وعسكرية مهمة في أفريقيا، وتعنى في المقام الأول بمحاولة اكتسابها في جانبها التنافس الإقليمي بينها وبين السعودية، وكلما ظلت الجزائر محايدة رسميا في هذا التنافس، سعت إيران إلى توسيع الروابط القائمة على المصالح الإقليمية.

ورغم ذلك، على عكس فرصها في أماكن أخرى في أفريقيا، لدى إيران خيارات قليلة للتأثير في السياسة الجزائرية، وفي الواقع، مع توسيع نفوذها ووجودها في أفريقيا، من المرجح أن تجد إيران نفسها تتنافس مع الجزائر في القارة بدلا من التشارك معها.

جنوب الصحراء الكبرى

يمتد التنافس السعودي - الإيراني في أفريقيا إلى جنوب الصحراء الكبرى من خلال سياسات القوة الناعمة، فضلا عن الوعد بالاستثمارات، ولا سيما في حقول النفط والغاز، وتستخدم الدولتان مواردهما الطبيعية الوفيرة للحصول على الحلفاء وتعزيز أهدافهما الاستراتيجية.

وفى معرض إبراز جهودها، رحبت إيران بافتتاح سفارة بنين في طهران في يونيو/حزيران الماضي، وقد رحب «روحاني» بالسفير الجديد، وأعلن عن حقبة من التعاون المتزايد بين الدولتين في مختلف الميادين الاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية.

وبالنسبة لإيران، فإن حجر الزاوية في وجودها في المنطقة هو علاقاتها التقليدية مع جنوب أفريقيا، والتي تطورت من خلال بيع النفط والغاز الرخيص إلى القوة الإقليمية الرئيسية، ووعدت السعودية من جانبها بتقديم 20 مليون دولار من النفط الرخيص، من خلال الصندوق السعودي للتنمية الوطنية، لتعزيز العلاقات الثنائية مع زامبيا.

وتتطلع إيران إلى جنوب الصحراء الكبرى، ليس فقط للدعم السياسي والدبلوماسي، وإنما أيضا كمصدر للمواد الخام لبرنامجها النووي، ومن خلال صادرات النفط والغاز الرخيصة، تضمن إيران، بالمقابل، المساعدة الدبلوماسية من الدول الأفريقية في الهيئات الدولية الحيوية، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتتطلع إيران إلى تعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية لزيادة الدعم ضد العقوبات الدولية والتدابير المتخذة ضد البلاد، وعلاوة على ذلك، واصلت إيران علاقاتها الثنائية مع العديد من الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى التي تمتلك رواسب اليورانيوم، لضمان الإمدادات لبرنامجها النووي.

وفي هذا الصدد، نظرت إيران مؤخرا في تحسين العلاقات مع مالاوي (ثالث أكبر منتج لليورانيوم في أفريقيا) فضلا عن ناميبيا، حيث تمتلك إيران حصة قدرها 15% في منجم روسينغ لليورانيوم.

وفي الوقت الذي عرقلت فيه العقوبات الدولية المتتابعة وصول إيران السهل إلى أسواق اليورانيوم العالمية، تمكنت إيران من تجاوز العقوبات عن طريق الاتجار غير المشروع باليورانيوم في دول جنوب الصحراء الكبرى، بسبب ضعف مستويات البنية التحتية والفساد واسع الانتشار.

ويبدو أن السعودية، ذات الأهداف الاستراتيجية المحدودة في المنطقة، بدافع أساسي من الحاجة إلى مواجهة نفوذ إيران، في الأعوام القليلة الماضية، شرعت في عدة مبادرات دبلوماسية للحد من وضع إيران في جنوب الصحراء الكبرى.

ومن أبرز نتائج التحركات السعودية في تلك المنطقة إلغاء رئيس جنوب أفريقيا «يعقوب زوما» رحلة إلى إيران، وسفره إلى السعودية بدلا من ذلك، بعد زيارة غير معلنة قام بها وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» عام 2016.

وعلاوة على ذلك، وبعد أن أبرمت البحرية الإيرانية اتفاقا مع السلطات التنزانية يسمح لسلاحها البحري بالقيام بزيارات منتظمة إلى الموانئ التنزانية، لم يستغرق الأمر سوى أسابيع قبل أن يسافر وزير الخارجية السعودي إلى تنزانيا، وأعلنت الدولة بعدها أن السعودية ذات أولوية بالنسبة للتجارة والاستثمار في أفريقيا.

وعلى هذا النحو، تتطابق الاستراتيجية الدبلوماسية للسعودية في جنوب الصحراء الكبرى مع نهجها في شرق أفريقيا، أي الوعد باستثمارات مالية كبيرة لجمع الدعم وتحدي النفوذ الإيراني في المنطقة.

الآثار المترتبة

بدأت المنافسة السعودية الإيرانية على النفوذ في أفريقيا منذ عدة أعوام، لكنها شهدت حدة في الأشهر الأخيرة، الأمر الذي يعكس الموقف الأكثر عدوانية من قبل واشنطن، على الأقل خطابيا، للطموحات الإقليمية الإيرانية، واعتماد سياسة خارجية أكثر صرامة بقيادة الأمير «محمد بن سلمان».

وعلى الرغم من أن إيران تواصل استخدام الصومال كنقطة عبور لتهريب الأسلحة والعتاد للمتمردين الحوثيين في اليمن، فإن النضال من أجل النفوذ في شرق أفريقيا قد تقرر إلى حد كبير لصالح السعوديين وحلفائهم الخليجيين.

وقد أثرت القوة المالية السعودية والضغط الدبلوماسي على دول القرن الأفريقي في قراراتها، وعلى نحو متزايد، حول الإيرانيون والسعوديون تركيزهم إلى غرب أفريقيا، حيث يتمتع كل جانب بمزايا، وعلى الرغم من أن السكان المسلمين في غرب أفريقيا هم في الغالب من السنة، وبالتالي يميلون إلى تفضيل السعوديين، يمكن لإيران أن تستغل ولاء الجالية اللبنانية الكبيرة في المنطقة، التي هي شيعية بشكل كبير ومؤيدة تاريخيا لـ«حزب الله».

ويعتبر هذا الاهتمام السعودي والإيراني لأفريقيا، في أحسن الأحوال، نعمة ونقمة في نفس الوقت لحكومات وشعوب المنطقة، ومما لا شك فيه، أن المنافسة قد أدت إلى عواقب مالية وتنموية بالنسبة للمنطقة، حيث يسعى الجانبان إلى شراء الولاء، لكنها قادت الدول أيضا إلى صراعات إقليمية أكبر منها لا تستطيع تحملها، ليس بين إيران ودول الخليج فحسب، بل أيضا في النزاعات الداخلية فيما بين دول الخليج العربي.

وكما لوحظ في هذه الورقة البحثية، فإن عواقب أزمة قطر مع مجلس التعاون الخليجي قد ظهرت في انسحاب قوات حفظ السلام القطرية من إريتريا وجيبوتي، ما أدى إلى تدهور علاقاتهما الثنائية وعودة المواجهة العسكرية بينهما بعد توقف دام 7 أعوام في نزاعاتهما الإقليمية.

وفي مرحلة متدنية من العلاقات السعودية المصرية في العام الماضي، تعرضت إثيوبيا وجيبوتي لخطر أن يصبحا ساحة لتصفية الحسابات في نزاع الرياض مع القاهرة نتيجة لعلاقاتهما مع السعوديين.

ولكن في الأبعاد الداخلية للتدخل السعودي والإيراني في المنطقة، يشكل هذا التدخل أكبر تهديد للدول الأفريقية، ويؤدي تصدير أشكال مختلفة من الإسلام المحافظ إلى القارة الأفريقية إلى زيادة التطرف في المنطقة، ومع استمرار المملكة وإيران في تمويل وبناء المساجد ومراكز التعليم الإسلامي، فإن انتشار الإسلام الشيعي والوهابية الأصولية، إلى جانب ضعف مؤسسات الدولة، يؤدي حتما إلى «تطرف» السكان.

وتعتبر الصومال مثالا رئيسيا على مخاطر تصدير أشكال الإسلام المحافظة إلى الدول الضعيفة أو الوليدة في القارة الأفريقية، وعلى هذا النحو، في حين توسع السعودية وإيران معركتهما الأيديولوجية، فإن هذه الطائفية المتصاعدة ستؤدي إلى زيادة التهديدات الأمنية لعدة دول في جميع أنحاء أفريقيا.