الخميس 28 سبتمبر 2017 11:09 ص

على بعد أكثر من 200 ميل من صخب عاصمة المملكة العربية السعودية، الرياض، دخلت مع صديقي «يونس» في سباق على الطريق الرئيسي نحو الشمس للحاق بعربات وعطاءات وصناديق ومزادات مهرجان عنيزة للتمور، وهو ثاني أكبر عرض للتمور في العالم كله.

وتركز معظم القصص حول المملكة على المحافظة الاجتماعية العميقة، والثروة النفطية الضخمة، أو المآسي الجيوسياسية في الشرق الأوسط الكبير، ولكن حتى نتمكن من فهم بلد يتطلع إلى تحديث اقتصاده وإعادة هندسة مجتمعه، مع الحفاظ على هياكل السلطة التقليدية، فإن سوق التمور يساعد على جعل الأمور موضع تركيز.

ومنذ عام 1980، تطور مهرجان التمور ليصل إلى شكله الحالي، وهو مزاد لمدة 70 يوما في أواخر الصيف، ويولد ما يصل إلى 300 مليون دولار من خلال بيع آلاف الأطنان من التمور.

وقد شهد هذا العام أول ظهور لمهرجان عنيزة الجديد، بنتائج استثمارات واسعة النطاق بلغت قيمتها أكثر من 100 مليون دولار في مجال التجارة المحلية، وهو مجمع مساحته 2.5 مليون قدم مربعة حول ساحة مركزية تبلغ مساحتها 37 ألف قدم مربعة، ويمكن للساحة تخزين عدد كبير من العربات التي بدورها تحمل الكثير من التمور.

ومن الصعب السفر إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لفترة طويلة دون أن تتناول التمر، وهي عبارة عن أنسجة خصبة بالسكر والألياف ملفوفة حول بذور نحيلة (يتم نزعها بسهولة)، وتأتي بالألوان الأسود والأصفر والأحمر والبني، ويتم تناولها طازجة أو معبأة معا، وقد تصبح كتلة منصهرة معا تشبه الكراميل.

وكانت هذه الفاكهة منذ فترة طويلة جزءا من الأرض التي تشكل الآن السعودية، حيث حصل من خلال تناولها البدو في الحياة البدوية على مدى قرون على السعرات الحرارية اللازمة أثناء سفرهم ذهابا وإيابا عبر شبه الجزيرة العربية، وقبل ألف عام وبضعة قرون، حث النبي «محمد» (صلى الله عليه وسلم) المسلمين في شهر رمضان: «إِذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإِن لم يجد تمرا فعلى الماء».

واليوم، يظهر نخيل التمر في قلب الشعار الرسمي للمملكة، مع اثنين من السيوف التي تعبر عن حراسة رمز تراث المملكة.

ولكن منذ توحيد المملكة عام 1932، استمدت المملكة الأغلبية الساحقة من ثروتها من مجموعة مختلفة جدا من الموارد الطبيعية، وقد أدت الاحتياطيات الضخمة من النفط والغاز الطبيعي إلى عقود من مشاريع التنمية الاقتصادية، وشغلت البيروقراطية الحكومية المتضخمة بالمواطنين السعوديين (معظمهم من الذكور)، وجلبت الملايين من العمال الأجانب، ودفعت البلاد إلى صفوف اقتصادات مجموعة العشرين.

ونتيجة لذلك، غالبا ما تكون الحكومة السعودية تحت رحمة أسواق الطاقة العالمية، وقد أدى انخفاض أسعار النفط على مدى الأعوام الـ3 الماضية إلى تحول الاقتصاد إلى التراجع، وقد دفعت الرياح المعاكسة الاقتصادية بدورها إلى بذل جهود رفيعة المستوى لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي حول قاعدة تصدير أكثر تنوعا، والاعتماد على قطاع خاص مبتكر، فيما يعرف بـ«رؤية 2030».

ورغم شهرة التمور السعودية في جميع أنحاء العالم، فإنه من غير المرجح أن تتحول إلى مد اقتصادي في المملكة، لكن ذلك لم يثن عزم منظمي مهرجان عنيزة للتمور، الذين خلقوا ما يرجح أن يكون السوق الحرة الأكثر فعالية في المملكة بأكملها.

وتقع عنيزة على بعد حوالي 3 ساعات ونصف شمال غرب الرياض بالسيارة، في منخفض حاد من هضبة نجد الوسطى وعبر بحرين منفصلين من الكثبان الرملية، وتعد السوق التي تستضيف مهرجان عنيزة هائلة الحجم، وهي عبارة عن ساحة عملاقة واسعة بعرض ملعب كرة قدم وبطول ملعبين، وتنتهي الأمور في وقت مبكر، قبل أن تحول شمس الصحراء الساخنة السوق إلى جحيم.

ويقول «علي محمد الخويطر»، وهو تاجر تمور من عنيزة، يعيد بيع عدد قليل من صناديق التمور الفائضة من كميات الجملة التي باعها في السوق الضخمة: «سننتهي بحلول منتصف الليل، للتأكد من أن جميع التمور على ما يرام، بعد صلاة الفجر مباشرة، يبدأ الجميع في الظهور، وينتهي كل شيء في حوالي الساعة التاسعة صباحا».

ومن مكاننا على الأرض، كان من الصعب أن نمر خلال مئات السعوديين في الجلابيب البيضاء (بالإضافة إلى عدد قليل من المواطنين الخليجيين الآخرين)، والكثير من عربات التمور، حيث ينادي القائمون على المزادات في كل مكان، مع تصاعد الأسعار لكل صندوق. وقدم رجل فلبيني لي ولـ«يونس» أكوابا صغيرة من القهوة العربية ونحن نمر ببضاعته، ورأينا أثناء رشف القهوة مزيجا من الشراء والبيع والتعبئة والتغليف والشحن.

وكان الحشد مكون من الذكور بأغلبية ساحقة، باستثناء عدد قليل من النساء اللواتي يبدو أنهن يستكشفن الأسعار وجودة التمور من أجل المزاد المقبل، ويقوم الحمالون الهنود والباكستانيون بجر العربات المملوءة بالتمور إلى أرصفة التحميل في الخلف.

وتعقد العربات في خطوط مستقيمة تماما من الأخاديد النحيلة من الخرسانة، وكل ليلة، يتم تحميل التمور على 15 من القطارات من أعلى مستويات الجودة إلى أدناها، ويتم فصلها من القطار عند بيعها في المزاد، ونقلها لانتظار السيارات أو الشاحنات أو حتى الدراجات النارية.

والسوق كله مبني على أساس انحدار طفيف إلى أسفل، وهذا يعني أن العربات وفقت هندسيا لتمشي من تلقاء نفسها، عند تخفيف الفرامل الداخلية ووضع المزيد من الوزن إلى الأمام، من نقطة تقاطع البائعين إلى مجموعة الأكشاك الخاصة بالمشترين.

وقال مدير المهرجان، «يوسف الدخيل»، في مركز القيادة: «لقد طبقنا الفيزياء من أجل بيع التمور»، مشيرا إلى أن الإعداد الجديد يحتاج فقط إلى 35 عاملا بدوام كامل، مقارنة مع 120 عاملا كانت تحتاجهم السوق القديمة.

وهناك مجموعة واسعة من المشترين بما في ذلك عدد قليل من الإماراتيين والكويتيين، وكان «صالح»، وهو مواطن من الرياض، قد جاء للعام الرابع على التوالي، على أمل الحصول على عشرين صندوقا بأسعار الجملة للاستخدام الشخصي، ويقول: «إذا اشتريت هذه في الرياض، فسأدفع 150 إلى 160 ريالا مقابل الصندوق، لكن هنا، حصلت عليها مقابل 90 ريالا لكل منها».

وأكثر ما يلفت النظر في كل هذا النشاط الاقتصادي المحموم هو أنه يبدو مدفوعا، ليس من قبل بعض الخبراء، ولكن من خلال التفاني الشرس من أهل عنيزة لوضع مدينتهم على الخريطة.

وحتى في الرياض، سرعان ما يذكر أهل عنيزة أنهم منها، بدلا من القصيم، وهي المنطقة الإدارية الكبرى التي تضم الواحة.

ويعود استقلال المدينة إلى مقاومة طويلة الأمد، وإن كانت ضعيفة، لجهود المملكة لتوحيد المنطقة تحت شعار «السعودية».

وكانت كلمات مثل «أقسمنا، سنحمي أراضينا أو نموت زودا عنها» هي الرسالة التي بعث بها أهل عنيزة إلى الملك «عبد العزيز آل سعود» عام 1904، حين كان يسعى لتوحيد المملكة، ووعد أهلها بمعارك شرسة إذا لم يستسلموا، ونتيجة لذلك، لا تزال سلالة آل سليم تحكم محافظة عنيزة بموجب معاهدة مكتوبة، وليس من قبل أحد أفراد عائلة آل سعود.

وقد توفر رؤية 2030 بالسعودية بعض التغطية الرسمية لجهود عنيزة الأخيرة لتطوير اقتصاد محلي قائم على الهوية المحلية، وذلك في ضوء التصريحات الواردة في الخطة حول نية دعم «الثراء الثقافي والتنوع» في المجتمع السعودي.

وفي بلد كان فيه مرسوم ديني معتمد من الحكومة يعرف آثار المحافظة التاريخية بالأصنام، لم تبذل الكثير من الجهود لاستعادة المباني التاريخية وإحياء الحرف التقليدية من عصر ما قبل النفط، وتم تسليط الضوء دائما على هوية الأمة السعودية الجامعة.

وحتى من دون الحفلات الموسيقية التي تنظمها هيئة الترفيه العامة في رؤية 2030، فإن أهل عنيزة وزوار السوق يمارسون بعض الرفاهية مثل الجلوس والاسترخاء والاستمتاع بمناظر سباقات المراهقين، ويحتشد آخرون في جمع لمشاهدة أداء الساحر لبعض حيل خفة اليد، أو التقاط الصور في ثياب تقليدية من عصر آخر مع مجموعة غريبة من السيوف والبنادق والصقور.

وقد نميز اختلاف عنيزة عن باقي المملكة، في الوقت الذي تتغير فيه المملكة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

وقد تكون «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» قد تقلصت سلطتها في المدن الرئيسية، لكن عملها لا يزال ساريا في الريف، ويبدو أن الجميع يعرفون بعضهم البعض هنا، عكس المدن الكبيرة.

وفي العاصمة، تتزايد المخاوف من أن تكون خطط التحول الشاملة في المملكة طموحة إلى حد التهور، ومع استمرار ارتفاع معدلات البطالة، يسعى موظفو الخدمة المدنية والاستشاريون إلى مراجعة الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، فإن مجرد اقتراح أي شكل من أشكال الحكم التشاركي المجدي في المملكة، مثل المجالس البلدية أو اللجان الاستشارية المصغرة، لا يمكن تصورها بما فيه الكفاية حتى في المناقشات الخاصة بين النخب الغربية المتعلمة في الرياض، وسوف يتم تنفيذ الإصلاحات من فوق، بينما لا تعترف بالمطالب من الأسفل.

وصحيح أنه لا يكاد يوجد أي نظام رسمي للديمقراطية في عنيزة أكثر مما هو عليه في الرياض، في حين قد يتم تقويض إنتاج التمور من خلال تراجع الدعم الحكومي الممول من دخل النفط، مع ذلك، في محاولة لتأمين سمعة عنيزة، ساعد العمل المشترك من الحكام المحليين والتجار والمزارعين على ضمان أن يعمل كل شيء في مكان واحد، وكما ينبغي.

وتنعكس ثمرة جهودهم في وهج الشمس الذي ينعكس من إطارات ألف عربة تمور، وصدى صوت ألف مزاد طوال اليوم، ومع بداية ارتفاع حرارة الشمس في منتصف اليوم، نشاهد من الغرفة العليا لقيادة السوق آخر المزادات تغلق، وتدفع آخر عربة لشحنها، ويقوم الحاضرون في ربط سلاسل طويلة من العربات في الجرارات التي تقف أعلى المنحدر، ويتم إعادة ترتيب المكان استعدادا ليوم آخر من التمور.

المصدر | أندرو ليبر - سليت