الخميس 28 سبتمبر 2017 06:09 ص

تناولنا في آخر تقرير فني نقدي، الثلاثاء الماضي، الفيلم الأمريكي «مجسم من أجل الملك»، الذي أخرجه العام الماضي وكتب السيناريو الخاص به «توم تايكور» عن رواية مباشرة للكاتب «ديف أيغرز»، وهي رواية غير مباشرة أو مسلوبة (الرواية ومن ثم فيلم مجسم من أجل الملك) عن فيلم الليلة «كُلْ .. صَلَّ .. أحِبَّ» باختصار شديد.

أما فيلم الليلة فهو النسخة الأصلية من الفيلم الذ تعرضنا له الثلاثاء؛ مع تحريف فيلم «مجسم من أجل الملك» لوقائع فيلم الليلة، فإن الفيلمين معًا يكونان فيلمًا واحدًا يخص الجدلية حول السعادة .. أين يجدها الإنسان، بخاصة الغربي .. هل في إيطاليا والهند كما في فيلم المخرج «رايان مورفي» الذي نتناوله بالتفصيل هنا .. أم في مكة كما تعرض لها «توم تايكور» في فيلم الثلاثاء الماضي؟

البوهيمية أم التأمل؟

فيلم «كُلْ .. صلَّ .. أحِبَّ» تم إنتاجه في عام 2010م عن رواية للكاتبة «إليزبيث جيلبرت» صدرت في عام 2006م بنفس الاسم وباعت مليوني نسخة حول العالم، والأهم أن المؤلفة لم تبخل بالاعتراف بأن الرواية تمثل سيرتها الذاتية، وغالبًا أتي الأمر في غمرة فرحتها وقد تعدت الـ46 من عمرها .. وبعد حياة بوهيمية بأن وجدت ما تخيلت في البداية أنه حب عمرها؛ إذ اقترنت بـ«خوسيه نونيز»، البرازيلي الذي التقته في الهند فظنت أنه آخر رحلات الحياة .. غير أن الانفصال ما لبث أن أسدل ستائره على قصة الحب كما أسمت «جيلبرت» رواية اخرى في عام 2010م، إذ انتهت القصة تمامًا في بداية يوليو/تموز 2016م بطلاق الزوجين البرازيلي والأمريكية مؤلفة فيلم الليلة، وهو ما لا يذكره الفيلم الذي أنتج قبل ذلك بسنوات.

وُلِدتْ «جيلبرت» في عام 1964م لأب وأم غير معلومين، وتمت تربيتها مُتبناة لدى أسرة منحتها الاسم والعنوان وفشلت في منحها الحنان، وهي في الفيلم (تؤدي الدور جوليا روبرتس) جميلة، حساسة، مرهفة ككل الكُتّاب، لكنها في نفس الوقت بوهيمية فوضوية، كنتاج للبيئة الغربية التي لا تُلقي بالًا ولا تهتم لا بقيمة ولا بمعيار حياة، فقط الأهم لديها الحصول على جميع المتع المتاحة وغيرها، ولم تلبث «جيلبرت»، وهي بنفس الاسم في الفيلم أن واعدتْ الشباب المقبل على الحياة وغيرهم منذ بلوغها الـ15 عامًا.

ومع اشتهار «جيلبرت» ككاتبة أرادت أن تكون لها أسرة كعادة المشاهير أحيانًا فاختارت الرجل الأضعف شخصية «ستيفن»، (بيلي كردوب)، غير أن الملل ما لبث أن تسرب إلى نفسها، بخاصة انها لم تنجب منه، فقررت التخلص من علاقتها معه، لتُعجب بالشاب الذي يبلغ اقل من نصف عمرها، «ديفيد» (جيمس فرانكو)، بطل احد مسرحياتها، ومع الإنهاك البدني الذي يجده الأخير في علاقته بها، حتى قبل أن تحصل على الطلاق من زوجها، يقرر حرمانها من العلاقة الجنسية .. فتقرر هجر أمريكا كلها في رحلة تبدأ من إيطاليا لتنتهي في الهند (!).

وفي إيطاليا تجد متع الحياة بلا حدود، وترجمة أولى كلمات عنوان الفيلم «كُلْ» .. إذ تتمادى «جيلبرت» مع صحبة لا تراع قيمًا ولا أخلاقًا، رغم إحاطة الصليب بها طوال الوقت، تتمادى في تناول الطعام بلا مراعاة لحدود.

وفي الهند تخلد «جيلبرت» إلى الهدوء والتأمل .. وعبر رحلة إيطاليا التي أمتدت لـ4 أشهر تكون «جيلبرت» بدأت الشفاء من إدمان الجنس بإدمان الطعام .. ثم تبدأ رحلة الزهد في الأخيرة .. بـ«الصلاة» .. لكنها عما قليل تتورط في علاقة جنسية حادة من جديد مع المُطلق «فيليب» (غارفير باردم)، وهي العلاقة التي لا تمهلها فتعود إلى الطعام من جديد والجنس عبر بوابة الزواج بعد قليل.

إيطاليا والهند أم مكة؟

الخيط الحاد الواضح الذي ربط فيلما «كُلْ .. صَلَّ .. حَبّ» وفيلم «مجسم من أجل الملك» .. هو خروج بطلة الفيلم الأول من نيويورك بحثًا عن السعادة والتوازن ولو في آخر الدنيا، وكذلك خروج بطل فيلم «مجسم من أجل الملك» من بوسطن بحثًا عن السعادة في مكة، وفي الحالين تسقط إشكالية اللغة عبر افتراض أن «جيلبرت» و«كلان» (بطلا الفيلمين) سيجدان مَنْ يحب الإنجليزية وينطقها .. حتى مع اعترافه بجهله بها (الكاهن مثلًا في فيلم كُلْ .. صلَّ .. أحِبَّ).

لكننا في فيلم «جيلبرت» سنجد في إيطاليا المُتع الخاصة بالطعام، حتى مع مشكلة قضاء الحاجة، إذ لا دورة مياه في البيت الذي أستأجرته البطلة لقدمه الشديد (!)، وفي الهند سنجد التأمل حتى مع عدم اعتراف الهنود أنفسهم بجدوى ما يفعلونه في المعابد .. ثم سنجد الزواج والراحة، ولا يكمل الفيلم القصة بالطلاق إذ حدث بعد نهايته بـ6 سنوات.. أما في فيلم «هانكس» فسنجد التخلف محيط بالبطل الأمريكي في السعودية من جميع النواحي .. اللهم إلا من لقطات قليلة لما يدخل مكة المكرمة على حين غفلة من الشرطة؛ فيشعر بالرغبة في الاعتذار إلى الله، ومن ثم الارتباك ثم ما يلبث أن ينسى الشعورين في خضم تعرفه على الإهمال في جميع مظاهر الحياة.

ورغم أن واقع الهند أكثر قتامة بمراحل من الواقع السعودي، وهو ما لا يخفيه فيلم «جيلبرت» التي تعرضت للإصابة للملاريا، غير أن الفيلم قفز فوق الحداث، وتورمت قدمها دون علاج فعال .. وكان ممنوعًا عليها مجرد لمس الشراب المقابل للكوكا كولا بشفتيها لاحتمال تسرب فيرس إليها؛ وقد نجح الأخير في إصابة مثانتها .. إلا ان الهند ظهرت بالغة الروحية مقابل مكة المليئة بالسلبيات .. فحتى علاقة البطل المُطلق، في فيلم «مجسم من أجل الملك»، بالطبيبة السعودية ظهرت في الفيلم آثمة مُحرمة خارجة عن الدين .. بعكس نهاية علاقة بطلة فيلم الليلة بحبيبها في الفيلم .

والحقيقة إننا في المقابل إزاء إهمال عربي متعمد لفن الساحرة المنبسطة (السينما)، ففيلم «هانكس» تم تصويره في الغردقة المصرية العام الماضي ليشوه صورة السعودية في مكايدة سياسية، فيما فيلم «جيلبرت» يحمل التقدير للإيطاليين والهنود معًا، حتى أنه يتعرض للمسلمين بقسوة متهمًا إياهم بتدمير جزء من روما في عصور الإظلام الأوروبي وهو ما لم يقم عليه دليل تاريخي.

ومع جودة الموسيقى التصويرية لـ«داريو ماريانيلي» في فيلم الليلة، وكذلك الإضاءة، وإن قل مستوى المكياج .. إلا أننا في النهاية لا يمكن أن ننكر أن مسلمي اليوم مع ما بيدهم من شريعة  سمحاء إلا أنهم فشلوا في إيصالها إلى العالم باللغة التي تناسبه .. ومن ذلك لغة السينما .. او كما اختصر ذلك كله الشيخ المجدد الراحل «محمد الغزالي» لما قال: «الإسلام قضية ناجحة لكن محاميها فاشل!».