الاثنين 2 أكتوبر 2017 11:10 م

يحلو للمخرج النمساوي «مايكل هانيكه» القول عن أفلامه إنها تخرج عن إطار الذاتية الأمريكية الهوليودية إلى طرح الأسئلة الملحة وكشف البعيد واكتشاف القريب، وللحقيقة فإن جملة «هانيكه»، التي تبدو ملغزة ككلمات الكثيرين ممن تحيطهم الأضواء، أقرب إلى الجملة المعروفة «الإغراق في الذاتية يجلب العالمية»، وهي الجملة التي قيل إنها سر تفوق الأديب الراحل «نجيب محفوظ»، «هانيكه» في فيلم هذه الظهيرة يقدم عملًا سينمائيًا جديرًا بالمشاهدة لعمقه، رغم الملل المصاحب لأجزاء من دقائقه التي تقارب الـ150.

غير أن ما سبق لا ينفي أن مخرج ومؤلف فيلم «Das weissi Band»، أو «الشريط الأبيض» أبدع في معالجة قصة شدت الانتباه الأوروبي، بخاصة الفرنسيين الذين منحوا فيلمه «السعفة الذهبية» لأفضل فيلم في مهرجان «كان» السينمائي الدولي لعام 2009 في نسخة الدورة الـ62، كما منحته أكاديمية السينما الأوروبية جوائز أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل كاتب سيناريو في الاحتفال بالذكرى 22، وكل ذلك لا ينفي أن «هانيكه» أجاد استخدام ذكاءه ليخرج بفيلم حاول إرضاء كل الأطراف.

«الشريط الأبيض» بالأبيض والأسود

لحظات الهزيمة القاسية، بعد بلوغ المأساة نهايتها، تكررت مع ألمانيا على نحو عالمي إثر الحربين الأولى والثانية، في 1918 و1945، لكن هاجس الأسئلة السودوي: لماذا انهزمت النازية ما يزال يلح على أذهان سينمائيين أبدعوا في صياغة أفلام تتناول الحربين ووقائع الانكسار وصولا إلى الزعيم النازي «أدولف هتلر» نفسه، لينفرد «هاينكه» بوجهة نظر مغايرة ترضي الغرور الأوروبي الذي لا يرى نفسه سببا في خطيئة الحربين بمقدار ما يرى أن الألمان دفعوا بلدانهم إليها.

يمزج «هانيكه» بذكاء بالغ بين الرغبة في اكتشاف خيط سحري أدى إلى ازدهار النازية، وتفشي العنف في العالم وحصده لعشرات الملايين.. فيبحث مليا في الجذور كما يحب، حتى ليخرج بفيلم صادم أجاد معادله الموضوعي بداية من العنوان «الشريط الأبيض»؛ إذ إن الأخير يرمز إلى قسوة التربية الألمانية حتى أن قطعة القماش الذي تعلق في يد الصبي وضفيرة الصبية لترمز إلى العفة، هي التي تقيد أيديهما إلى السرير ليلا لئلا يمارسا «العادة السرية»، فيما الكبار الذين يشرعون ويفعلون ذلك يرتكبون فاحش الخطايا ليل نهار تحت عين وبصر المساكين الصغار!

وهذه اللفتة التربوية التي عنون «هاينكه» الفيلم بها، وجعلها معبرا فنيا إلى وقائع وأحداث الفيلم، أو معادلا موضوعيًا بلغة الفن، تجسد لدى السيناريست والمخرج سبب هزيمة ألمانيا على مدار أكثر من نصف قرن، والأسئلة حول الهزيمة المستمرة.

ولتغطية التحدي الفني وعمق الفكرة اختار «هانيكة» أن يخرج الفيلم بالأبيض والأسود ليثبت أنه بعناصر السينما الشكلية التقليدية التي عفى الزمان عليها سيبرز سودواية فكرته إلى النور.. ليطهر المجتمع الألماني من خطيئة الحربين!

الثلج وسواد النفوس

قرية «إيتشولد» تقع في الشمال الألماني في عام 1913؛ قرية يقتنع أهلها بأن عناية الرب تحرسهم، ولذلك فإن الكنيسة أبرز معالمها بجدرانها العالية إلى جوار قصر البارون «آرمين» (أورليش توكور)، وفيما يعم الجوع وشدة الفقر أهل القرية تنعم الطبقة المرفهة القليلة بالحياة الوثيرة الغنية من القس البروتستنتي (بارغهارت كلوبنر)، والطبيب «واغنر» (رينير بوك) بالتحالف مع البارون، رمز السلطة الفاسدة بجناحيها الديني في صورة القس، والمدني في صورة الطبيب، فهذا يحافظ على الآخرة، وذلك على الدنيا، ولا حاجة للشرطة هنا لأن أهالي القرية طيبون بالفطرة ولا يحلمون إلا بلقمة العيش.

لكن القرية تجتاحها أحداث غامضة غريبة بداية من كسر ساعد الطبيب، الذي لا نرى وجهه في البداية، مرورا بوفاة سيدة ضعيفة على نحو غامض، ثم تعذيب نجل البارون «زيغي»، ونجل القابلة مساعدة الطبيب، ثم حريق في مخزن للقمح.. والأحداث في البداية يخالطها الوضوح فنجل السيدة القتيلة ينتقم من البارون، لكنه يثبت أنه كان في مكان آخر في مقبل الجرائم.

صوت المعلق الصوتي المعلم «بيتر» (كريستيان فريدل) يمثل أطهر ما في شخصيات الفيلم، إلا أنه يعاني من الأحداث الغريبة التي تلف القرية، ومن تصرفات الصغار الذين يعلمهم الغامضة، رغم أنه لا يتعامل إلا مع أبناء الثالوث الغني السعيد، ولأنه أقرب إلى المثالية فإن التصور الذي يكونه هو أن الصغار الذين يتجمعون كل مرة حول مكان الحدث الغامض هم السبب فيه، وهو افتراض لا يقره «هانيكة» كما لا ينفيه.

ويزداد الصدام بين الصغار والمجتمع حتى أن ابنة مدير أعمال البارون تحلم بتعذيب «كارلي» المعوق ذهنيًا قبل حدوثه، فيتم التحقيق معها من قبل الشرطة وتهدد بالتعذيب، فيما يقوم الطبيب باغتصاب ابنته بعد أن يمل القابلة (!)، فيما يزداد القس ضراوة في معاملة ابنته حتى لتذبح عصفوره نكاية فيه فيحبس عصفورا آخر، ويسقيها دم الغفران بالقوة مع أطفال القرية.

وفي خضم عاصفة معاناة الصغار، واعتراف زوجة البارون بوجود آخر في حياتها يحبها ويحب أبناؤوه أكثر منه.. تندلع أحداث الحرب العالمية الأولى.

يغيب بعد إعلام المعلق الصوتي لنا بالحرب مستقبل القرية، لتتوزع التفسيرات حول الماضي؛ فالشائعات التي تداولها أهلها عن الحوادث الغامضة سببها أن الطبيب والقابلة بينهما علاقة آثمة تسببت في مقتل «جوليا» زوجة الطبيب من قبل، وهو ما لا ينفيه الفيلم، أيضًا، ولا يثبته.

يندفع جميع الأطفال إلى الحرب.. فيكبرون ويتم توظيفهم في إشعال نيران العالم.. بسبب سوء تربيتهم، فيما يستطيع المعلم النجاة ليفتتح دكان ترزي في المدينة في إشارة لاضمحلال قيمة العلم.

برع المصور«كريستيان بيرغر» واستحق عددًا من الجوائز بخاصة في تشكيل شبح الصليب على نافذة نجل القس المكتف اليدين أثناء نومه، والتركيز على الكنيسة ومنزل البارون في نهاية الفيلم مع تقريب اللقطات والابتعاد عنهما.. أما الملابس والحركة في القرية ومحاولة استخدام الادوات المعيشية المواكبة لأوائل القرن التاسع عشر فجاءت متناسقة مع أجواء الفيلم؛ وهو ما أضاف إلى الألوان المفتقدة في فيلم أبيض وأسود.

فيلم «الشريط الأبيض»: معادلة سينمائية عانت من التطويل لكنها نجحت في إبراز قراءة للأحداث في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، وإبراز أن الكوارث التاريخية من الممكن أن تكون لها قراءة سينمائية تربوية.. لولا إمعان المخرج في السوداوية وتقبيح وجه المجتمع إلا قليلًا.