الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 01:10 ص

يطرح الفيلم الإيطالي «La Grande Belezza» أو «الجمال العظيم» للمخرج المشارك في القصة والسيناريو والحوار «باولو سورنتينو» عدة إشكاليات وأسئلة تخص مضمونه كما تخص القالب والشكل الفني له، ففي الناحية  الأولى نحن أمام فيلم كلاسيكي بامتياز من مقوماته التجوال في النفس البشرية: هواجسها وخطراتها، آلامها وأفراحها، مع الحرص على أن يجيء هذا وسط مدينة روما، وتصوير آثارها بخاصة التمائيل المنحوتة والسور العتيق ونهر التيبر، أما الإطار الفني الذي صاغ ما مضى فهو العبث .. من هنا يجيء التناقض الحاد في فيلم اليوم.

خاض المخرج «سورنتينو» عدة تجارب سينمائية مع بطل فيلم اليوم المُمثل «توني سيرفيللو»، بداية من عام 2001، ورغم أن المخرج أربعيني العمر وبطل الفيلم تعدى الستين إلا أنهما توافقا على تركيبة عجيبة ظلا مُصرينِ عليها بداية من فيلم «One Man Up»، كما ترجمته الإنجليزية، أو «رجل واحد حتى»، وصولًا لفيلم الليلة .. في الأعماق من كليهما كان يُفجر العمل السينمائي هاجس بلوغ أرذل العمر، واكتساح الشيخوخة قوى الحياة بداخليهما، فلا يستطعيا القيام بواجبات الحياة أو حتى مجرد الحركة، وبالتالي يصبحان مهلمين بدلًا من مرغوبين فيهما.

لكن الفيلم الذي حصد 27 جائزة عالمية أبرزها «أوسكار» أفضل فيلم أجنبي عام 2014 سقط في بئر الأفلام الاستهلاكية، أو تلك التي تعتمد لغة الجسد وحركاته الفجة العنيفة، بخاصة جسد المرأة، والابتذال في تعريته واحتقاره .. وهي موجة سينمائية عرفتها السينما المصرية بجدارة بعد هزيمة 1967 في سلسلة أفلام تورط في تأليفها حتى الراحل الأديب «نجيب محفوظ» بـ:«ثرثرة فوق النيل»، و«الحب تحت المطر»، بالإضافة إلى عشرات الأفلام الأخرى لمؤلفين معروفين أو مغمورين، وهي الموجة التي تجددت مع الانفتاح، وفي عهد المخلوع «مبارك» كما في «عفاريت الأسفلت»، و«ويجا»، وبعد الانقلاب كما في «قدرات غير عادية» على سبيل المثال.

 كلاسيكية الخداع

من المعروف المتوارث لدى كثير من سينمائيي العالم أن أفلام الجسد العبثية، يجب أن تتم تغطية مضمونها عبر سياق قصصي ولو كان ركيكًا أو مُبالغًا فيه، فعلى قدر التعري الجسدي في الفيلم يجب أن يزخر بقضايا كبيرة ملغزة عملاقة، ويتشابه ما فعله «سورنتينو» في «الجمال العظيم» مع بطله «سيرفيللو»، مع ما قدمه قبل حرب أكتوبر/تشرين الأول من عام 1973 بأشهر قليلة جدًا المخرج الراحل «صلاح أبوسيف» مع «يوسف شعبان» في «حمام الملاطيلي»، أحد أكثر الأفلام المصرية افتقادًا للسياق السينمائي، ومخالفة للأخلاق والقيم وقبلهما الدين، إذ ظهر «شعبان» «شاذًا» شغوفًا بالتقاليع المثيرة، محبًا للطواف في أكثر أحياء القاهرة ازدحامًا بزيه المُخنث.

بطل فيلم اليوم «توني سيرفيللو» أو «غيب غامبرديلا» يعمل صحفيًا في جريدة لا يبدو منها سوى مكتب رئيسته القصيرة القامة وبيتها (!)، وهو روائي ألف رواية واحدة عام 1970 ثم شُلت موهبته، وهو طوال الفيلم يواجه السؤال التالي من الجميع .. كارهيه حتى أشهر راهبة، بحسب الفيلم: لماذا لم تكتب رواية أخرى؟

جاء «غامبرديلا» إلى روما منذ أكثر من 40 عامًا فسقط في فخ حب الرفاهية، ولم يعد لحياته هدف سوى المتعة، وحتى حبيبته الأولى في المدينة العريقة «غلانتيا غانزي» أو «ستيفنا» تركها تتزوج من شخص آخر، وندم بعد موتها على أنه لم يصر على الاقتران بها، وفي نهاية حياة «غامبرديلا» فوجيء بنفسه محبًا الجلوس مع الطبقة الاستقراطية المثقفة الكاذبة؛ ولا عمل للأخيرة سوى الاستمتاع بجلسات النميمة وتعمد تدمير الذات بعد الآخرين.

خيط التحرر الدرامي الأول والوحيد من تعمد السقوط في بئر الجسد بالفيلم كان في عيد ميلاد «غامبرديلا» الـ65 إذ يكتشف مقدار تفاهة حياته، ولكن هذا لا يمنعه من الاستمرار فيها، ليعيد الفيلم النمط الاستهلاكي من مئات الأفلام العالمية قبله.

وللمداراة على عبثية الحفلات الماجنة، وروما الليلية التي يعرفها «غامبرديلا» ومجموعة السكارى يبدأ الفيلم في استعراض آثار المدينة بداية من تمثال «غاليياردي»، الأربعيني قائد جيش الاستقلال الذي فشل في محاولته، ونُفي بالتالي ثم عاد، بعد بلوغه الستين ليقول «روما أو الموت»، وهي العبارة المنحوتة أسفل تمثاله، والتي أبرزها الفيلم، مع كومبارس بدين لا يظهر وجهه في إشارة إلى عبثية الحياة في روما، تمامًا كما جري الراهبات خلف الصغار، وسقوط أحد السياح ميتًا، وتعمد «كارلو فيردونا» أو «رومانو» ، صديق البطل ترك روما والعودة إلى بلدته لأنه لم يجد الحياة التي يحبها .. فلم يأخذ من العاصمة حتى أغراضه الخاصة.

بلا قصة

تمضي أحداث الفيلم في طابع سريالي وإيقاع غير متماسك للأحداث، فمرة تأتي الزرافة وسط مبنى أثري ليحاول الساحر إخفاءها ويطلب منه «غامبرديلا» إخفاءه هو الآخر؛ في حين ينسحب صديقه من روما، وأخرى يذهب أعضاء شلة المُترفين لطبيب التجميل لتغيير معالم الوجه وغيره فيقوم بالكشف عليهم في ردهة أو صالة العيادة أمام الجميع، وثالثة تقتحم دمية ضخمة مكتب رئيس التحرير القزمة، ورابعة يتعرى شاب بالكامل أمام والدته، وخامسة تصر الراهبة المُعمرة التي تجاوزت المائة من عمرها على النوم في غرفة بطل الفيلم (!).

وكل هذا العبث السريالي يتم خلطه في خلاط الدين والسياسة والجنس .. فالمُنقبة مع الخليجي ذي الغترة يشربان الويسكي في مطعم، مثلهما مثل الراهبة بملابسها الكنسية مع عشيقها، والطبيب حينما يسأل المريضة عن أملها في الحياة تقول له أن تتوقف الحروب في الشرق الأوسط، والراهبة المعمرة كانت في تشاد من 40 عامًا .. وهلم جرًا بركان من العبث اللا متناهي.

جاء أداء بطل الفيلم «توني سيرفيللو» مبالغًا فيه، يحاول إكساب العبثية المحيطة به ثوب الوقار التراجيدي، وهو نوع من التمثيل يستهوي الشباب الصغير مع طبقة من الجمهور الأقرب إلى الترسو أو القليل الثقافة، وجاءت المشاهد المتنوعة للآثار في روما لتلقي بظل الفيلم الترويجي أو السياحي في محاولة لإكساب الفيلم وقارًا مفتقدًا، إلا أن مشهد الراهبة المعمرة وهي تصعد سلم الكنيسة معتمدة على يديها وقدميها في نهاية الفيلم، فيما الصليب يسقط عند كل درجة تصلها بصعوبة مع تذكر البطل لأول علاقة غرامية في حياته .. فيما البطل يقر بفوضى العالم .. ذلك المشهد العريق الساخر من الدين والمشابه لفيلم «زوربا» اليوناني (إنتاج 1964)، وإن اختلفت التفاصيل، المشهد الختامي للفيلم بفجاجته المبالغ فيها وسطحيته الركيكة افشل محاولات المخرج جعل فيلمه جادًا، وإن جعلت الفجاجة صناع الجوائز العالمية ينهالون عليه بالمال والذهب!

أما موسيقى الفيلم التصويرية لـ«ليلي مارشيتيلي» فجاءت جيدة في مجملها، وكذلك الإضاءة، ونجحت بعض الجمل في الفكاك من أسر المباشرة، رغم قلتها، ومنها كلمة «سابرينا فيريللي» أو «رامونا» بحسب الفيلم إذ يقول لها البطل «إن الزواج شيء جيد» فتقول له: «ولكنني لستُ كذلك» .. وبما ألقت الجملة بظلالها على الفيلم أيضًا فإن السينما، حتى في إيطاليا، شيء جيد أحيانًا لكن فيلم «الجمال الكبير» ليس كذلك!