يشارك «هاريسون فورد»، في فيلم الخيال العلمي الأمريكي «بليد رانر 2049»، وهو الجزء الثاني من «بليد رانر»، ويتحدث الفيلم عن مستقبل بائس، وهو ينتمي لنوعٍ من الأفلام كان رائجا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ويمزج في أحداثه بين الجريمة والدراما المثيرة.

وقبل 35 عاماً، أُنْتِجَ فيلم «بليد رانر»، الذي تدور أحداثه في إطار مستقبلي وتحديداً في عام 2019، واليوم، بعد كل هذه الفترة، من الصعب أن يبدو العالم الذي قدمه العمل - الذي بات الآن فيلماً كلاسيكياً - غريباً علينا بأي شكل من الأشكال.

الجزء الثاني من العمل، والذي أُعِدَ ببراعة وأخرجه الفرنسي «دينيس فيلنوف» باسم «بليد رانر 2049» سعى جاهداً إلى تجنب هذه المشكلة الشائكة، من خلال مظهره الحافل بالضجيج الذي يشتت في الوقت نفسه انتباه مشاهديه، ويخفي مع ذلك موضوعاً لا تكف السينما عن تناوله، يتعلق بالإنسانية بوجه عام.

 مستقبل البؤس والتعاسة

تدور أحداث الفيلم، في نسخة مستقبلية من مدينةٍ ما يسودها البؤس والتعاسة. اللافت أن العمل لا يركز على التكنولوجيا، التي أدت إلى حدوث الفوضى التي نرى آثارها عبر أحداثه، ونتعرف عليها من خلال خلفية درامية تتسرب إلينا شيئاً فشيئاً، وتشير إلى حدوث مجاعة وعطلٍ شاملٍ للطاقة ينجم عنه تدميرٌ كارثيٌ للبيانات.

وبدلاً من ذلك، يستغل الفيلم موضوعاً مُفعماً بالغموض تم طرحه في الجزء الأول، ويجعل منه محوراً له، وهو عبارة عن سؤال مفاده: «هل الذكريات هي ما تجعلنا بشراً؟ وإذا لم يكن ذلك صحيحاً فما الذي يجعلنا كذلك؟».

بطبيعة الحال، ثمة لغزٌ محير، فهذا الجزء الجديد يأخذ من الجزء الأول فرضية وجود «ضابط تحري بداخل هذه المدينة المستقبلية البائسة»، بل ويُسند دور الضابط الذي يُطلق عليه اسم «كيه» - وعلى نحوٍ أكثر حكمة أيضاً - للممثل «رايان غوسلينغ». وفي الجزء الجديد، تختفي «الروبوتات» التي ظهرت في الجزء الأول، وكانت تتحلى بكل المواصفات الممكنة فيما عدا اتسامها بطابعٍ بشريٍ.

وعلى مدار ساعتين و43 دقيقة، تبدو أحداث «بليد رانر 2049»، وكأنها مُقسمة إلى ثلاثة أجزاء. ويتميز الجانب الأكبر من العمل بفاعلية وجاذبية على نحوٍ يتسم بالحذر، ويبدو شديد الخشية بشكلٍ مفرط على الإرث الذي خلفه الجزء الأول، إلى حدٍ يمنعه من ابتكار أي شيء جديد يصطبغ بالجرأة.

ويُعنى القسم الأول من الفيلم ببناء العالم الخيالي الذي تدور فيه الأحداث. هنا نرى أن «كيه» يُخلِف خلال مطاردته لـ«روبوت» دماراً أكبر من ذلك الذي لحق بمدينة لوس أنجلوس في الجزء الأول. وخلال الملاحقة يصادف شخصيةً تحمل اسم «سابِبر مورتون»، ويجسدها الممثل «دايف باتسيتا»، وهو صاحب مزرعة للديدان، فبحسب العمل تشكل الديدان طعاماً في عام 2049. ويُستهل الفيلم بمشهد حركةٍ ذي طابع انفجاري، نرى فيه شخصاً يطير عبر أحد الجدران.

وتبدو مشاهد الحركة هذه وسيلةً لجذب انتباه المشاهدين. لكن عملية بناء العالم الذي تدور فيه الأحداث تبدو مُركزةً بشكلٍ أكبر على حياة «كيه» في منزله. فهناك تنتظره حبيبته التي تُدعى جوي (جسدت دورها أنا دي أرماس)، وهي مزيجٌ من نظاميّ المساعدة الشخصية الإليكترونية الذكية؛ «سيري وأليكسا» من جهة ومن شخصية «سامنثا» التي قدمتها الممثلة «سكارليت جوهانسون» في فيلم «هير» من جهة أخرى.

وكم كان سيصبح رائعاً لو علمنا السبب، في أن أحد سلوكياتها الروتينية يتمثل في أن تغدو ربة بيت بحذاءٍ ذي كعب وحليِّ من اللآلئ، على ذاك النمط الذي كان سائداً في خمسينيات القرن العشرين. لكننا لا نعرف السبب أبداً.

وتكشف هذه المشاهد بنجاح عن مدى الوحدة التي يعاني منها «كيه». كما أنها تبدو بمثابة أصداء وتذكار بفيلم «هير»، بدلاً من أن تصبح مجرد إيماءة إلى هذا العمل. ومن بين الإشارات المتعمدة التي حفل بها «بليد رانر 2049» إشارةٌ غير متوقعة إلى «بينوكيو»، تلك الشخصية الروائية الخيالية التي ابتُكِرت في القرن قبل الماضي.

الجزء الثاني وحبكة الفيلم

وأخيراً تبدأ حبكة الفيلم في الظهور، خلال أحداث ما يمكن اعتباره القسم الثاني منه، عندما يجد «كيه» شيئاً ما مدفوناً تحت شجرة في مزرعة الديدان. (بالمناسبة ما من شيء في هذا الفيلم الجاد يشجع مشاهديه على السخرية من فكرة وجود مزرعة ديدان). وبعد هذا الاكتشاف يُرسل «كيه» - بأوامر من رئيسته «روبن رايت»، التي تظهر دائماً في هيئة قائد عابس صارم - ليخوض رحلة بحث مضنية، بهدف التعرف على معنى ذاك الشيء الذي عثر عليه.

العودة إلى المستقبل

وخلال هذه الرحلة، يشرع «كيه» في التشكك في ماضيه وهويته هو نفسه، مُتنقلاً بين ذكريات مزعجة وغير مفهومة بالكامل تعود إلى فترة طفولته. وهنا تتجلى قدرة «غوسلينغ» على التمثيل المعبر والناعم والذكي، دون كثير صياح أو جعجعة، وهو ما يجعله قادراً على التعبير عن فكرةٍ ما بنظرة خاطفة من عينيه.

ويتلاءم أسلوب تمثيله المكثف والهادئ في الوقت نفسه، بشدة مع العالم الذي يقدمه الفيلم، والذي يفتقر إلى المشاعر الإنسانية الظاهرة على الملأ. ولعل قدرة «غوسلينغ» منذ بداية الفيلم على أن يبث الحرارة والشعور بالعطف والشفقة في ثنايا عملٍ تسوده أجواء فاترة عاطفياً بشدة، تكشف الكثير عن نقاط قوته كممثل.

وينجح المخرج «فيلنوف» في أن يتنقل خلال فيلمه بدقة وإحكام بين مشاهد الحركة، وبين تلك التي تبرز الموضوع الذي يعالجه، كما يغذي مشاهده طوال الوقت بالمعلومات بكياسة وسخاء، وهو ما يجعل ذلك الفيلم مفهوماً حتى لمن لم يشاهدوا الجزء الأول منه.

كما يضم كل مشهد الكثير من اللمسات الصغيرة، التي تقدم الفيلم للمشاهدين كمادة جاهزة لكي ينخرطوا في مناقشته وتحليله. فحبيبة «كيه» تناديه باسم «جَو»، في إشارة ضمنية ربما، إلى «جوزيف كيه» وهو اسم بطل رواية «المحاكمة» للكاتب الشهير الراحل «فرانس كافكا». أما السيارة الطائرة الخاصة بهذا الضابط، فهي نسخة أكثر تطوراً من تلك المركبات الطائرة التي ظهرت في الجزء الأول، ولكنها هذه المرة مزودةٌ بطائرة بدون طيار قابعة على سطحها، وقادرة على الانفصال عنها.

لكن ليس بوسع الجزء الثاني الهروب من حقيقة أن الشكل الذي خرج به الجزء الأول - الذي أخرجه «ريدلي سكوت» - مثّل مكمن قوته ومصدر تأثيره الدائم. فاللون الأزرق الذي تصطبغ به المشاهد - من درجة تُعرف باسم «أزرق منتصف الليل» - يبدو بمثابة طبقة نسيج تكسو لوس أنجلوس ماطرة الأجواء، التي تظهر في الفيلم أشبه بطوكيو، وذلك بفعل أضواء النيون الموجودة في كل مكان فيها.

ولا يغيب «هاريسون فورد» أيضاً، في الجزء الثالث والأخير من الفيلم، عن أكثر مشاهد الفيلم براعة وذكاء. في النهاية، يمكنك أن تفترض بعد مشاهدتك لـ«بليد رانر 2049» أنك قد وصلت إلى رأيٍ قاطع بشأن ما إذا كان «ديكارد» إنساناً آلياً أم لا، لكنك لن تلبث أن تتشكك أنت نفسك، في صحة ما توصلت إليه في هذا الشأن.