الخميس 5 أكتوبر 2017 11:10 ص

قطار الأزمات بين مؤسسة الأزهر وشيخها «أحمد الطيب» من جانب، والرئيس المصري «عبدالفتاح السياسي» والداعمين لنظامه من جانب آخر، لا يتوقف؛ فما إن يغادر محطة أزمة حتى يحل بمحطة أزمة جديدة، وأخرها محطة «زواج القاصرات».

ففي الوقت الذي يقود فيه «السيسي» حملة ضد زواج القاصرات (من هم دون 18 عاما)، مطالبا الأزهر بتحريمه، تردد شيخ الأزهر، «أحمد الطيب»، في الرد، قبل أن يرفض تحريم زواج القاصرات.

وأكد «الطيب»، في لقاء مع قناة «الغد المشرق» (خاصة)، الأربعاء، أنه لا يوجد نص صريح قاطع في القرآن أو السنة يبيح أو يمنع زواج القاصرات، مضيفا: «الرسول لم يقل لنا زوجوا أطفالكم قبل البلوغ، مفيش (لا يوجد) إطلاقا هذا الكلام».

لكنه لفت إلى أن بعض الفقهاء أفتى بمنع زواج القاصرات، وقال إنه «عقد زواج باطل»، ولا يترتب عليه أي أثر؛ بمعنى إن مات أحدهما لا يرث الآخر.

كان «السيسي» أشار خلال الاحتفالية بإعلان نتائج التعداد السكاني، في 30 سبتمبر/أيلول المنصرم، إلى أن عدد الفتيات اللاتي تزوجن في سن الثانية عشر كبير جدا، وبينهن من أنجبت وطلقت، لافتا إلى أن الفتاة في هذه السن تكون صغيرة، مناشدا الآباء الرفق ببناتهم.

ولم تمض سوى ساعات قليلة على حديث «السيسى»، لتكشف وزارتا الصحة والعدل عن الانتهاء من إعداد قانون لتجريم زواج الأطفال ممن هم أقل من 18 عاما، الذي من المنتظر أن يناقشه البرلمان خلال دور الانعقاد المقبل.

أزمات مستمرة

وتأتي أزمة «زواج القاصرات» التي بدأت تظهر بوادرها، في سياق الأزمات المستمرة بين مؤسسة الأزهر و«السيسي»، التي وصلت إلى الرقم 6؛ إذ سبقها 5 أزمات هي:

1- أزمة فض الاعتصام

كان «الطيب» أحد الداعمين للانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، وشارك في البيان الذي ألقاه «السيسي»، حينما كان وزيرا للدفاع آنذاك، للإعلان عن خارطة الطريق، في مرحلة ما بعد «محمد مرسي»، أول رئيس مدني منتخب في البلاد.

لكن الصراع بين «السيسي» و«الطيب» بدأ منذ فض اعتصام أنصار «مرسي» في ميداني رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس/آب 2014.

فآنذاك، أعلن شيخ الأزهر، عبر بيان متلفز، تبرؤه من الدماء التي سالت، قبل أن يعتزل لأيام في مدينته سوهاج (جنوبي البلاد) رفضا لفض الاعتصام بالقوة.

ومع عودته، بدأ خلاف مكتوم بين الرجلين، تصاعد للإعلام عقب تولي «السيسي» الرئاسة، وبدأت إشاراته لتؤكد عدم الرضا عن أداء «الطيب»، بل وتلمح إلى تهميشه في مقابل دعم آخرين على رأسهم المفتي السابق «علي جمعة» ومستشاره الديني «أسامة الأزهري»، وربما التخطيط في إقصائه من المشهد.

حتى أن «السيسي» قال في أحد خطاباته: «فضيلة الإمام كل ما أشوفه بقول له: إنت بتعذبني».

2- أزمة تكفير أعضاء «الدولة الإسلامية»

أزمة تكفير منتسبي تنظيم «الدولة الإسلامية»، كانت بين الأزهر ومفكرين وكتاب محسوبين على النظام.

بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2014، عندما أصدر الأزهر بيانا، رفض فيه تكفير منتسبي «الدولة الإسلامية»، وأوضح أنه «لا يستطيع أحد أن يحكم على مؤمن بالكفر مهما بلغت سيئاته».

وبعد بيان الأزهر، أكد «الطيب» مجددا، في يناير/كانون الثاني 2015، رفضه تكفير التنظيم، في تصريحات خلال لقائه برؤساء تحرير صحف مصرية؛ ما أثار انتقادات أطراف دينية وسياسية وإعلامية محسوبة على النظام وقتئذ.

وبين الشد والجذب طيلة أعوام ثلاثة، ومع تكرار تصريحات شيخ الأزهر ورموز مجمع البحوث الإسلامية، ظهر على الساحة منتقدون للأزهر صراحة، ومتهمين إياه بأنه مخترق من السلفية الوهابية، وأن جماعة «الإخوان المسلمين» تسيطر عليه، وعلى «مجمع البحوث الإسلامية» و«هيئة كبار العلماء»، التابعين له، وأنه يسير على نفس الرؤى الفقهية القديمة.

3- أزمة الخطبة المكتوبة

«الخطبة الموحدة» مطبقة في مصر منذ نهاية 2015، وتعتمد على تحديد موضوع الخطبة، وتقدم وزارة الأوقاف مادة دينية تدعمها، على أن تكون الخطبة عموما ارتجالية تدور حول الموضوع المحدد.

بينما كانت وزارة الأوقاف تريد أن تحولها إلى «خطبة مكتوبة»؛ أي ورقة تحتوي نصا موحدا صادرا عن الوزارة، ويفترض أن يقرأها الخطيب (إمام المسجد) كل جمعة.

ودافعت وزارة الأوقاف عن «الخطبة المكتوبة»، قائلة إنها «ستقضي على الإطالة، أو الخروج عن مضمونها، أو توظيفها لأغراض سياسية».

بيد أن الأزهر عارض هذه الرغبة، التي تم تطبيقها على مدار أسابيع في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2016، وقررت «هيئة كبار العلماء» (أعلى هيئة دينية تابعة للأزهر الشريف)، رفض تطبيق «الخطبة المكتوبة»، معتبرة إياها «تجميدًا للخطاب الديني».

وأمام رفض الأزهر، تراجعت وزارة الأوقاف، عن «الخطبة المكتوبة»، مخيرة الخطباء بين الالتزام بنص الخطبة الموحدة أو بجوهرها على أقل تقدير، على أن تكون مدة الخطبة بين 15-20 دقيقة.

3- أزمة الطلاق الشفوي

بدأت تلك الأزمة عندما خرج «السيسي»، خلال احتفالية عيد الشرطة، في 24 يناير/كانون الثاني 2017، داعيا إلى إصدار قانون يقضي بألا يتم الطلاق إلا أمام مأذون؛ أي حظر الطلاق شفويا.

وقال «السيسي»، مبررا طلبه، إنه طبقا لإحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء» في مصر (حكومي)، فإن 40% من المتزوجين يطلقون خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج، معتبرا أن هذه نسبة كبيرة ويكون لها سلبيات على الأسرة والأجيال المقبلة.

وأضاف أن مثل هذا القانون سيكون الهدف منه إعطاء الناس فرصة لمراجعة نفسها بدلا من أن يتم الطلاق بكلمة يقولها (الزوج) هكذا في أي لحظة.

ورغم إلحاج «السيسي» وأذرعه المختلفة، فإن هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف رفضت طلبه، واعتبرته مخالفا للأصول الشرعية.

وأكدت الهيئة أنها ترى أن ظاهرة شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق؛ لأن الزوج المستخف بأمر الطلاق لا يعجزه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه.

4- أزمة قانون الأزهر

في ظل تعالي الأصوات المحسوبة على النظام التي تهاجم الأزهر، وتعتبر مناهجه سببا في انتشار التطرف والإرهاب في مصر، سعى ائتلاف الأغلبية في البرلمان المصري «دعم مصر» لسن تعديلات تشريعية، بشأن اختيار أعضاء هيئة كبار العلماء وطريقة تعيين شيخ الأزهر.

وقدم النائب البرلماني «محمد أبو حامد» مشروع قانون في هذا الصدد، عده البعض محاولة للتمهيد لعزل شيخ الأزهر.

وتضمن مشروع القانون المذكور، إجراء تعديلات جوهرية على قانون الأزهر، تقضي بوضع مدة لولاية شيخ الأزهر يتم تحديدها بثماني سنوات.

وسمح بتدخل واسع للرئاسة والأجهزة الأمنية في تعيين هيئة كبار العلماء، الجهاز الأهم في مؤسسة الأزهر، والمسؤول عن انتخاب ومحاسبة وربما عزل شيخها، فضلا عن دوره في اختيار مفتي الجمهورية.

كما تجاوز مشروع القانون فكرة انتخاب شيخ الأزهر؛ ليجعلها بالتعيين من رئيس الجمهورية، بناءً على ترشيحات هيئة كبار العلماء.

ومع تصاعد الخلاف بين الأزهر والبرلمان بشأن مشروع القانون، تدخلت شخصيات مصرية عامة لإنهاء حالة التوتر عبر وقف المشروع، وهو ما تم بالفعل.

فقد أعلن البرلمان، لاحقا ، سحب مشروع القانون، مبررا ذلك بـ«وجود عوار (خطأ) دستوري فيه» (لم يحدده).

5- أزمة تجديد الخطاب الديني

لا تزال أزمة «تجديد الخطاب الديني» مستمرة حتى الآن، رغم أنها بدأت، مطلع عام 2015؛ عندما دعا «السيسي» لما وصفه بـ«ثورة دينية» وإلى «تجديد الخطاب الديني»؛ للتخلص من أفكار ونصوص تم تقديسها على مدى قرون، وباتت مصدر قلق للعالم كله، وفق ادعائه.

وقال «السيسي»، في كلمة له بمناسبة «المولد النبوي»، آنذاك، إنه «ليس معقولا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مئات السنين يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها».

وأضاف أن هذا الفكر «يعني أن 1.6 مليار (مسلم) حيقتلوا الدنيا كلها التي يعيش فيها سبعة مليارات عشان يعيشوا هم».

وقال إنه «يقول هذا الكلام أمام شيوخ الأزهر والله لأحاجكم به يوم القيامة»، وطالبهم بإعادة قراءة هذه النصوص «بفكر مستنير».

ولا يزال الأزهر صامدا دون الخضوع لإملاءات أو اقتراحات الرئاسة في هذا الصدد، رغم الضغوط الموجهة إليه.

وتصاعد الهجوم بشكل كبير، عقب تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية، في أبريل/نيسان الماضي؛ بدعوى أن تجاهل «الأزهر» لتجديد الخطاب الديني، وعدم تكفير الجماعات الإرهابية، يقف وراء مثل تلك الهجمات، وهي الاتهامات التي تتكرر كل فترة مع أي حادث إرهابي.

وتوسعت حملة الضغط على الأزهر، لتشمل المناهج التي تدرس في المعاهد الدينية وكليات جامعة الأزهر، والتي اعتبرها موالون للنظام الحالي أنها «تربي أجيالاً عنيفة».

وشهدت الفترة الأخيرة، وصف من إعلاميين لكتب التراث الإسلامي، التي قامت على خدمة الكتاب والسنة، بأنها «كتب النفايات البشرية التي مثلت لعنة حلت على الأمة، والتي يجب حرقها ودفنها.. فكل التراث مبني على النفاق والكذب والتدليس».

واستنكرت هيئة «كبار العلماء» في بيان لها هذه التوصيفات لكتب التراث الإسلامي، واتهام الأزهر ومناهجه وعلماءه بالإرهاب.

وعقب وقوع أحداث تفجيرات الكنيستين، قرر«السيسي» تشكيل «مجلس أعلى لمواجهة الإرهاب والتطرف»، ومنحه صلاحيات لضبط الموقف على كل المناحي في مصر، وذلك خلال اجتماعه بمجلس الدفاع الوطني، وهو ما وصفه بعض الإعلاميين بأنه تحجيم لدور الأزهر.

إذ من المتوقع أن يتم إسناد مهام ما يسمى بـ«تجديد الخطاب الديني»، إلى المجلس الجديد، بصلاحيات تتجاوز المؤسسة الدينية في مصر، وعلى رأسها الأزهر.

وحسب أحد مؤلفات الفقيه السعودي «محمد موسى الشريف» فإن «تجديد الخطاب الديني مسألة تعلق بها أصناف من غير الإسلاميين طويلاً (...) وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ إذ يريدون من تجديد الخطاب الديني مضمون الخطاب ومحتواه لا هيكله، ويريدون التخفف من تكاليف الشرع المطهر تحت هذا العنوان البراق الجذاب، ويريدون أن يأخذوا بالشاذ من الأقوال المنسوبة إلى العلماء، وبالضعيف من المفهوم والاستنباطات، ويجعلوها هي المعتمد لا لشيء إلا لأنها توافق هواهم وما يرتضونه من طرائق العيش».