فيلم «شجرة الحياة» أو «The Tree of Life» للمخرج الأمريكي المثير للجدل ذي الأصول الآشورية «تيرنس مالك»، مثال للتجديد السينمائي، وطرح رؤية مغايرة تحير المشاهد وتحقق له قدرًا غير ضئيل من الاستمتاع؛ وفي النهاية توصل إليه رسالة نادرة بأن أسرار الحياة أكثر من إدراكه.. وألّا حل للاستمرار على قيدها سوى بالإيمان بالخالق والسير في نور جمال صنعه.

ويعد الفيلم الخامس لمخرجه ومؤلفه، رغم طول مسيرة الأخيرة الفنية فهو من مواليد 1943، وبدأ مسيرته الفنية في عام 196. 

وكعادة الأفلام الناجحة التي تحيط نفسها بهالة من الأخبار المُبالغ فيها، مثلت كواليس الفيلم عنصر جذب للانتباه إليه وتكريس لنجاحه، ومما أشيع عن فيلم اليوم أنه أُنتج قبل عرضه في عام 2011 بـ3 سنوات كاملة، وأن «مالك» على مدار أكثر من ألف يوم عكف على مونتاجه مع 5 مختصين ليختصر زمنه البالغ في الأصل 6 ساعات إلى أقل من ساعتين ونصف!

حاز فيلم «شجرة الحياة» على السعفة الذهبية في مهرجان «كان» السينمائي، وعده بعض نقاد السينما العالميين تجديدًا لدماء ومسيرة السينما الأمريكية إزاء تفوق وتألق السينما الآسيوية والأوروبية.

لكن قراءة مثل نوعية فيلم اليوم تحتاج تمهلًا وتأنٍ لاستيعاب الجرعة السينمائية العالية؛ بخاصة مع إيثار مخرج الفيلم وتفضيله استخدام جميع العناصر السينمائية معًا في أفضل حالاتها من وجهة نظره.

نحن أمام فيلم يمتد إلى قرابة 140 دقيقة مع أن بدايته تستثمر نحو 16 دقيقة كاملة في تصوير بالغ الجاذبية والطرافة لتطور الكون منذ خلقه الله كما يراه «مالك» مستدعيًا لهذا التصور خصيصًا خبير المؤثرات البصرية، «دوغلاس ترومبل»، مع كاميرا «إيمانويل لوبيزكي» الحساسة.

ومشاهد الفيلم المتعاقبة الأولى تم تكرارها على مداره وحتى مشهد النهاية في لوحات سريالية بامتياز وظف «مالك» فيها التصوير، والمؤثرات البصرية، وموسيقى «إلكسندر دسبلات» التصويرية، مع القصة على نحو جيد ومُربك للقاريء والمحلل في آن واحد.

الاختلاف بطل الفيلم الحقيقي

عبر سينما كلاسيكية المضمون تجديدية الشكل الفني يسافر المخرج منذ اللقطة الأولى مع جملة من الإنجيل تمجد الخالق الذي أبدع الوجود، وأعطى الإنسان فرصة العمل، ثم تعليق صوتي (ناريشن) البطلة «مسز أوبراين» أو (جيسيكا شاستاين) عن شجرة الحياة العلوية الأصل التي تربط الكون المُمتد بالخالق.

ومثلما أنه لا وجود لاسم خاص بالبطلة طوال الفيلم؛ فهي تُنسب إلى زوجها «أوبراين» أو المُمثل (براد بيت)، فإنه لا مجال لتقديمها للمُشاهد مع بدايات الفيلم .. فنحن أمام عمل سينمائي وثائقي، على اعتبار أن جمالية الطبيعة الآخاذة من الكون الخارجي إلى السماء والمحيطات والبراكين والصحاري آيات توثيق طبيعية.

ومع تتابع المشاهد الوثائقية يأتي صوت البطلة كتعليق.. وصورتها أحيانًا في مشاهد بطلها إلى جوار ملامحها الموحية بالطيبة، مع المكياج المبرز لقسماتها دون مبالغة.. بطل تلك المشاهد ظل أشعة الشمس.. لتبقى البطلة موحية بالرسالة المُمتدة من السماء إلى الأرض.. أو السيدة «مريم»، حسب رؤية المخرج المؤلف.

أخذ «مالك» المشاهد إلى الفضاء مع بداية الفيلم، الذي يُعتبر بداية الرحلة الحقيقية لقراءة عمل سينمائي مُحير بامتياز لكنه ليس ملغزًا، وهو نابض بالغرابة لكنه ليس مغلقًا، ومخرجه المؤلف لا يحاول إكسابه روح العمل السينمائي من أول دقيقة حتى النهاية.. وإنما هو متناسق مع نفسه فهذا عمل يُحير المشاهد لكنه يشبع فضوله بتقديم وصفة للتعامل مع أحداث الحياة والكون كله.

يُقرأ عمل اليوم على أن الاختلاف سيد الموقف في هذه الحياة، الشمس والقمر والأرض، ورحلة الدوران، والنجوم والارتفاع والهبوط، مجرة التبانة والنظام الشمسي، مع أسئلة حول هدف وجدوى الحياة، والانفجارات والبراكين المُشكلة للأرض.. والمسطحات المائية واليابسة وبينهما الميكروبات.. والديناصورات والمخلوقات المائية.. ثم شجرة الحياة.. وأسئلة الوجود والموت.. ولماذا الاستمرار في الحياة رغم ملاحقة الموت للجميع؟

كل هذه الأسئلة تتطور إلى مشاهد متعاقبة بلا دراما حقيقية في البداية.. ثم حينما تظهر الدراما والأشخاص على النحو المنطقي ينمو السؤال داخل المشاهد.. ما العلاقة الدرامية بين مشاهد الكون التي لا تغيب عنه خلال الفيلم، وتمثل مونولوجا داخليا فيه، وبين الدراما؟

أحداث الفيلم ذات سياق درامي بسيط؛ فالبطل «أوبراين» يعمل طيارًا يرعى أسرة من 3 أبناء، وهو في نفس الوقت مؤلف موسيقي، وفي أعماق نفسه يشعر بأنه زائد عن الوجود وفاشل؛ ولذلك يعمد إلى نصيحة أبنائه بخاصة الأكبر «جاك» (هنتر ماكراكن)، أدى دوره في الكبر (شون بن)، لكن الأبناء يتمردون عليه؛ والزوجة المثالية المُستسلمة لحياتهم تطيعهم، فتنقلب حياة البطل الذي يعيش في أجواء الخمسينيات من القرن الماضي إلى جحيم بخاصة مع «جاك» وأمه.

وحينما يكبر «جاك» يفشل في التواصل مع المجتمع رغم البنايات العملاقة.. والتكنولوجيا المترامية الأطراف.. وتظل في ذهنه ذكريات الاختلاف مع أبيه ومحاولة الأول التخلص منه، ورغبة «جاك» نفسه في قتله.

لا نهاية للمعاناة بدون الخالق

رسالة الفيلم التي يجتمع فيها ويتضافر الجزء الخاص باستعراض الطبيعة مع الجزء الدرامي أن الحياة لا يمكن تفسير إعجازها ولا جمالها.. ولا حتى الاختلاف القائمة عليه إلا بالاعتراف بوجود الله والتسامي فوق أخطاء مخلوقاته تعالى، وبدون هذه «الرسالة» تصبح الحياة معاناة ممتدة والموت وحش يأكل أفضل ما فيها دون موعد.

فيلم «شجرة الحياة» رسالة ملغزة حول الوجود.. التمهل في قرائتها يعلم المشاهد أن الاختلاف طبيعي في هذه الحياة إن لم يكن ضروريًا.. حتى في صبره على الفيلم حتى نهايته ومحاولة فهم أحداثه!