الثلاثاء 20 يناير 2015 05:01 ص

بين يدي الذكرى الرابعة لثورة يناير/كانون الثاني المصرية التي تطل علينا هذا الأسبوع، أعلنت السلطات الأمنية والعسكرية المصرية الاستنفار الشامل، وخططت لإغلاق ميدان التحرير. 

كل هذا الرعب من ذكرى أعظم ثورة في تاريخ الحداثة العربية، بل العالمية، يؤكد لكل متشكك أين يقف نظام مصر اليوم وأنصاره من تلك الثورة التي غيرت وجه العالم العربي وصورة العرب في العالم. أما ما يسمى بحركة «تمرد» التي زعمت أنها قادت ما سمته بـ«ثورة 30 يونيو» المضادة، فقد أعلنت أنها ستخصص الخامس والعشرين من يناير لتكريم «شهداء» الشرطة والجيش، في كشف آخر للأقنعة. 

في نفس الأسبوع، شهد اليمن إحدى حلقات انقلاب سبتمبر/أيلول الماضي لميليشيا الحوثيين، حيث جرى اختطاف مدير مكتب الرئيس اليمني في عملية إرهابية لابتزاز اليمنيين حتى يخضعوا لسلطة الأمر الواقع الانقلابية.

ما يحدث في مصر واليمن يجيب ببساطة على السؤال السجالي حول الفرق بين ثورتي يناير في مصر و11 فبراير في اليمن في 2011، وبين انقلابي يونيو ـ يوليو 2013 في مصر وسبتمبر 2014 في اليمن. فهذه المشاهد تذكر كل غافل ومكابر بعظم الفرق وأنه أوضح من الشمس في رابعة النهار.

فكما قال المسيح عليه السلام عن الأنبياء الكذبة: بثمارهم تعرفونهم. وقد كان من ثمار ثورات 25 يناير و11 فبراير/شباط أنها حررت الشعوب، ورفعت رأس كل مصري ويمني وعربي، وفتحت السجون لإخراج الأبرياء وإدخال المجرمين والمستبدين مكانهم. هذه الثورات منحت الشعوب الكرامة والعزة والشرف، وفتحت الحريات بلا حدود: في تشكيل الأحزاب، وفي الإعلام، وفي الجامعات.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن كل شعوب العالم وقفت إجلالاً لشعوب تونس ومصر واليمن وسوريا، ولم يعد العرب هم مادة السخرية والشفقة في العالم. بل إن حركات غربية (مثل حركة «احتلوا وول ستريت») استلهمت الثورات العربية. ولأول مرة في تاريخنا منذ أن قدمنا للعالم نعمة الإسلام ورسالته السماوية، أصبحنا قدوة للعالم لا تبعاً.

أما ما حدث بعد «30 يونيو» و«ثورة 21 سبتمبر» فحدث ولا حرج. في الحالين، هيمن البلطجية، وكممت الأفواه وأهين الشرفاء وأعز المجرمون. في مصر أصبح ثوار 25 يناير (من بقي منهم حياً) في السجون أو المنافي، أو ممنوعون من السفر، وأصبح من عذب وقتل عزيزاً مكرماً، وكل مصري شريف يواجه الإذلال والمهانة.

اسم مصر مرغ في الوحل، وأصبح يضرب بها المثل في القمع. وقد أسرف القضاء المصري في إهانة واحتقار نفسه، حيث أصبحت محاكماته أشبه بالمهازل والكوميديا السوداء. أما الإعلام المصري، فحدث ولا حرج، لأنه تحول إلى خليط بين السيرك ومزرعة الحيوانات. وفي اليمن كذلك، هوجمت ونسفت بيوت قادة ثورة يناير، وانتهكت الحرمات وأذل الشرفاء، وحوصرت أو أغلقت وسائل الإعلام، وأصبح رموز الدكتاتورية الفاسدة هم من يتصدر المشهد.

في البلدين، كان المجرمون الذين أذلوا الشعوب، وأدمنوا التعذيب، ونهبوا الأموال، قد أصبحوا بعد الثورات العظيمة خائفين يترقبون، يحفهم العار ولا يجدون أرضاً تقلهم أو سماءً تذلهم. ولكنهم بعد «ثورات» يونيو وسبتمبر، خرجوا من جحورهم يتبخترون، وتصدروا المجالس، وأصبحوا يفتون في الوطنية، ويوزعون صكوك البراءة. في عهد الثورات الحقيقية، لم يكن هناك سجناء سياسيون ولا مختطفون، ولم يكن هناك حجر على رأي. ولكن بعد «الثورات» إياها، امتلأت السجون، وساد الخوف وانعدم الأمن.

نعم، لا يهم ان تسمى تلك النكسات «ثورات»، فليست كل «ثورة» وانتفاضة من عمل الخير. فقد ثار بعضهم بالفعل في يونيو وسبتمبر في مصر واليمن، كما كانت هناك «ثورة» القرامطة، و«ثورة» ملاك العبيد في الجنوب الأمريكي، و«ثورات» العنصريين اليوم في أوروبا، وأسلافهم الفاشيين بالأمس، و«ثورة» مسيلمة وأتباعه ضد نبي الإسلام وخليفته، و«ثورات» المستوطنين والمتطرفين اليهود ضد الفلسطينيين.

ففي كل تلك الحالات، شارك عدد كبير من البشر بدوافع مختلفة في انتفاضات شعبية ضد العدل والكرامة والحق والإنسانية، ولم يقل حماس هؤلاء لقضيتهم عن إيمان وحماس المخلصين والصادقين في الدفاع عن الحق.

لكن الثابت كذلك أن «ثوار» هذه الحركات المعادية هم أول من يشهد على نفسه بأنهم أقلية مرفوضة، تخشى أن يكشف أقل ضوء زيف أمرها وسوء طويتها. فقد كان أول ما فعله «ثوار» يونيو في مصر هو إغلاق كل أجهزة الإعلام الشريفة التي تقول بعض الحق، ولم يبقوا إلا على أبواق الزيف والكذب. وحتى هذه طاردوها وطالبوها بمزيد من الخضوع والاستسلام.

يكفي مصير الكوميدي باسم يوسف، الذي كان من «ثوار» يونيو ولكنه يواجه اليوم مع كثيرين ممن ساندوا مسيلمات مصر الجدد غضب من أعانهم على باطلهم، ومثله في ذلك مثل كثيرين، بداية بالبرادعي الذي كان عراب الانقلاب، وأصبح اليوم فاراً من بطش نظام كان نائب رئيسه!

ومن غير المعلوم ما ستكون عليه نهاية الباقين، ولكن المؤشرات ليست مطمئنة لكثير منهم. فهذه ثورات الخوف والتخويف، وثورات ضد القيم، بما فيها قيم الوفاء والعدل. فعند هؤلاء، كل شيء جائز من أجل تحقيق المطلوب، وهو مطلوب غامض لا يعرفه إلا ذو حظ عظيم، وليس هناك من محظور أو حرمات تحول بينهم وبين تلك الغايات.

لقد «ثار» هؤلاء على مرسي ولم يكن لديه سجين سياسي واحد، ولم تغلق في عهده صحيفة. ولم يكن هناك حزب محظور، حتى لو كان حزب ابن أبي سلول. وها هي خارطة طريقهم تبدأ وتنتهي بالحظر. لقد زعموا أن ثلاثين مليون مصري خرجوا «يفوضون» السيسي (على طريقة باسم يوسف)، ولو كانوا صادقين، لم الاختباء في الظلام مثل الخفافيش، والخوف من الرأي الحر والانتخابات الحرة؟ ألم يكن يسعهم أن يعقدوا انتخابات عاجلة يصوت فيها هؤلاء الملايين أو نصفهم حتى، لمرشحهم المحترم المحبوب مثل كيم إيل سونغ، ويغشي العار والذل مرسي وأنصاره حين يرفضهم الشعب كما يزعمون؟ أم أنهم يعلمون ما نعلم من أنهم هم المرفوضون من الشعب؟

الأمر غاية في البساطة: القوم يهيمنون اليوم على كل وسائل الإعلام، وعلى الشرطة والقضاء والأمن والاقتصاد وكل مفاصل الدولة (تماماً كما كان الحال أيام مرسي الذي انقلبوا عليه، وإنما على أنفسهم انقلبوا وعلى الشعب) والشعب كله معهم لو صدقناهم. فليتحدوا كل معارض، إخواني أو برادعي، إلى منازلة ميدانية شعبية، وانتخابات غير عادلة ولا نزيهة.

فإذا فازوا، سلمنا لهم والجميع بذلك، وانتهت المسألة، ولم يعد يحق لإخواني أو غيره أن يتظاهر مطالباً بإسقاط السيسي. فلماذا ياترى لم يفعلوا ولن يفعلوا؟ نترك لهم الإجابة ولفطنة القارىء الكريم.

إن ثورة يناير وبقية الثورات العربية استمدت عظمتها ليس فقط من أنها أسمعت صوت الشعوب، بل لأنها كذلك وحدت ولم تفرق، حررت ولم تستعبد، كرمت ولم تذل. في تلك الثورات، وقفت الشعوب شامخة عزيزة، بعد أن أصبح العرب مصدر إعجاب العالم وحسده. شمخ في مصر هرم رابع، هو هرم الشعب العزيز المتحضر.

حتى قبل أن تنجح الثورة، أصبح ميدان التحرير كعبة كل إعلامي بارز، وكل مفكر عالمي يحترم نفسه، وكل محب لكرامة الإنسان وحريته. لم يأت هؤلاء لإملاء شيء كما زعم المبطلون، وإنما ليتعلموا من ثوار مصر الشرفاء، ولينالوا البركة من أخذ صورتهم في ميدان التحرير.

أما نظام «ثورة» يونيو الذي يخشى ميدان التحرير خشية ماري انطوانيت ميدان الباستيل فقد جعل، بالمقابل، عرس مصر مأتماً، وضياءها ظلاماً. ولم يعد أحد يحترم مصر بعد أن تحولت إلى بلد يتحاشاه السياح ويتحاماه المستثمرون، إلا تلك الفئة من أعضاء نادي الاستبداد الدائم ممن نخشى أن تجرهم مصر السيسي معها إلى هاوية ما لها من قرار، فتنجح فيما عجزت عنه إيران الخميني وعراق صدام من قبل.

٭ د.عبد الوهاب الأفندي كاتب وأكاديمي سوداني مقيم بلندن

 

المصدر | القدس العربي