السبت 30 ديسمبر 2017 11:12 ص

يعتزم وزير التعليم العالي المصري «خالد عبدالغفار» التوجه إلى البرلمان خلال أيام لمناقشة مشروع قانون يسمح لأول مرة للجامعات الحكومية بممارسة أنشطة هادفة للربح أو المساهمة في ذلك مع مستثمرين آخرين، وهو ما يؤكد مراقبون أنه بداية لـ«خصخصة التعليم» الذي لم يكن هادفا للربح.

ويتبنى مشروع القانون تغييرا مبدئيا في سياسة التعامل الحكومي مع التعليم العالي، في سبيل تخفيف أعباء الإنفاق على هذا البند من الموازنة العامة للدولة.

ويتوقع مراقبون للشؤون البرلمانية في مصر، أن يتم تمرير المشروع من مجلس النواب المصري (البرلمان) بسهولة، خاصة في ظل سيطرة ائتلاف «دعم مصر» ذي الأغلبية الكاسحة على البرلمان، والذي عادة ما يوافق على قوانين الحكومة، أو تلك التي تحظى بدعم الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي».

وتأتي الإحالة إلى البرلمان، بعدما حصلت الحكومة على موافقة صعبة من مجلس الدولة على المشروع، على الرغم من شبهة تعارضه الصريحة مع المادة 21 من الدستور الحالي التي تنص على أنه «تكفل الدولة استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية، وتوفير التعليم الجامعي وفقا لمعايير الجودة العالمية، وتعمل على تطوير التعليم الجامعي وتكفل مجانيته في جامعات الدولة ومعاهدها... وتعمل الدولة على تشجيع إنشاء الجامعات الأهلية التي لا تستهدف الربح، وتلتزم الدولة بضمان جودة التعليم في الجامعات الخاصة والأهلية».

ورغم إصرار مجلس الدولة على حذف بند يسمح صراحة للجامعات باستثمار عائدات الأبحاث العلمية التي ينتجها باحثوها لتحقيق الربح، لتعارض النص الصريح بهذه الصورة مع الدستور الذي يحظر استهداف الربح، فإن المجلس وافق على تمرير مواد أخرى تسمح بممارسة الاستثمار وتحقيق الأرباح من باب خلفي، هو إنشاء شركات مساهمة مملوكة للجامعات بمفردها أو بالمشاركة مع مستثمرين أو هيئات أخرى، تكون متخصصة في البحث العلمي وإخراج المنتجات المادية لتلك الأبحاث، مما يعني السماح في مرحلة لاحقة لهذه الشركات بطرح أسهمها في البورصة، وارتداد هذه الممارسة على الجامعات بالربح أو الخسارة.

كما أن مجلس الدولة أجاز أيضا للحكومة التحكم في اختيار المستثمرين أو الجهات الأخرى التي ستشارك الجامعات  تأسيس وإدارة الشركات المساهمة، وذلك بما لا يتعارض مع الأمن القومي للبلاد، الأمر الذي يثير تساؤلات حول إمكانية دخول الجيش معترك المساهمة مع الجامعات في تأسيس تلك الشركات، باعتباره أكبر هيئة مصرية عامة تملك ما يكفي من الأموال الفائضة للمساهمة في تلك المشاريع، لا سيما في ظل تنامي سلطاته وتوسع مجالات نشاطه.

وقال مصدر برلماني إن «القانون سيتم إقراره في أسرع وقت بسبب نية الحكومة اتخاذ إجراءات عملية لتأسيس تلك الشركات قبل إقرار الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل»، موضحا أن وزير التعليم العالي عقد اجتماعا مع عدد من رؤساء الجامعات أخبرهم فيه بوجود عروض واقعية من بعض المستثمرين والهيئات الحكومية لمشاركة جامعات القاهرة وحلوان والمنصورة وعين شمس وقناة السويس بإنشاء شركات مساهمة بأهداف ربحية، ستتخذ من الأبحاث العلمية ستارا لها، وفي الواقع ستؤدي أدوارا أكبر لاستغلال ممتلكات الجامعات ومعاهدها، وفقا لما نشره «العربي الجديد».

وسعت الحكومة منذ فترة لإضفاء الدستورية على المشروع قبل عرضه على البرلمان، لتغطيته قانونيا وتقليل المعارضة المنتظرة له، بزعم أن «ممارسة الأنشطة الهادفة للربح أو المساهمة مع مستثمرين آخرين، يهدف فقط إلى تمويل أنشطة البحث العلمي في الجامعات والمعاهد الحكومية التابعة لها».

هذا الأمر سيجبر الجامعات  على عدم الاكتفاء بممارسة الأنشطة العلمية الهادفة للربح كإنشاء معاهد تقدم خدمات مدفوعة، بل سيمتد الأمر إلى المشاركة مع المستثمرين في تقديم خدمات مدفوعة لطلاب الجامعات ذاتها.

ويخالف المشروع المزمع إصداره فتوى أصدرها مجلس الدولة في شهر يونيو/حزيران الماضي ببطلان خصخصة التعليم العالي والجامعات، وهي أكدت عدم دستورية ممارسة أي جامعة سواء كانت خاصة أو حكومية للأنشطة الهادفة للربح، استنادا إلى أن الدساتير المتعاقبة منذ 1971 ومواكبة منها لزيادة نسبة التعليم وتلبية احتياجات المجتمع من التخصصات العلمية الحديثة، ألزمت الدولة بالإشراف على التعليم كله وكفالة استقلال الجامعات والبحث العلمي، باعتباره من المقومات الأساسية للمجتمع، وحرصت على تكريس دور الدولة في هذا المجال، فألقى على عاتقها كفالة استقلال المؤسسات التعليمية وتوفير التعليم الجامعي وفقا لمعايير الجودة التعليمية، وتطويره بالتعاون مع القطاعين الخاص والأهلي ومساهمة المصريين في الخارج.

وشرحت الفتوى الفارق بين تحقيق الجامعات عموما للربح جراء الفارق بين مواردها ومصروفاتها، وبين أن يكون غرضها تحقيق الربح، بأنه «يجب عليها ألا تقدم قصد المضاربة على غرض التعليم والبحث العلمي»، مشددة على أنه «لا يجوز لأية جامعة حكومية أو خاصة إنشاء شركات مساهمة أو المشاركة فيها مع مستثمرين، لأن هذه الشركات يكون غرضها الأساسي أو الوحيد تحقيق الربح».

ويتكامل هذا الاتجاه الحكومي الذي يترجمه مشروع القانون، مع خطة لتحويل الخدمات الجامعية الحكومية إلى خدمات مدفوعة بنسبة لا تقل عن 75% تدريجيا، والتدرج في تحويل بعض الجامعات الإقليمية إلى جامعات أهلية، فيتشارك القطاع الخاص مع الدولة في إدارتها، ليتحمل المستثمرون جزءا من الأعباء التي تتحملها الدولة حاليا، على أن تكون الأولوية للمستثمرين المتخصصين في مجال التعليم والثقافة، الذين يمتلكون الجامعات والمدارس والأكاديميات والمعاهد الخاصة الهادفة في الأساس إلى الربح.