الاثنين 29 يناير 2018 05:01 ص

بدل التراجع قليلاً عن مزاج الغطرسة الذي تبدّى منذ إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ذهب الأخير، ومعه نتنياهو أكثر فأكثر نحو مزيد من الوقاحة والغطرسة، وتبدّى ذلك من خلال تصريحاتهما في «دافوس».

ترامب، اندفع أكثر فأكثر نحو تبنّي الرؤية الصهيونية الأكثر تطرفاً للحل، وتبدّى ذلك في النقلة بين ما ذهب إليه في خطاب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، وبين موقفه الأخير في دافوس.

في الأول قال إننا «فقط نعترف بالأمر الواقع، ولا نتخذ موقفاً حول أي من قضايا الوضع النهائي، بما في ذلك الحدود المحددة للسيادة الإسرائيلية في القدس، أو الحل للحدود المتنازع عليها. هذه الأسئلة تعود إلى الأطراف المعنية».

أما في دافوس، فذهب أبعد ما يكون في الوقاحة والغطرسة بالقول: «المسألة الأصعب التي كان عليهم التحدث عنها كانت القدس (..) لقد أخرجنا القدس من النقاش، لذلك لن يكون عليهم التحدث حولها بعد الآن».

ولم يتوقف عند ذلك، بل ذهب نحو تهديد أكثر وقاحة بشأن المساعدات بالقول: «الفلسطينيون قللوا من احترام الولايات المتحدة، وإذا لم يوافقوا على العودة إلى محادثات السلام برعاية واشنطن، فإننا سنعلق مساعدات بمئات ملايين الدولارات»، مع العلم أن مساعداته هي جزء من مصاريف سلطة كان يتكفل بها الاحتلال قبل أوسلو.

نتنياهو بدوره لم يوفر الفرصة لكشف موقفه الحقيقي من القدس بالقول: «سنحتفظ بالأماكن المقدسة والوضع الراهن. وأود أن أؤكد على أنه في إطار أي تسوية، سنحافظ دائماً على الوضع الراهن في جبل الهيكل (الأقصى ومحيطه) وجميع الأماكن المقدسة». وأضاف المزيد في مقابلة مع فريد زكريا على شبكة «سي. أن. أن» بقوله: «إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية المطلقة. ولكن عدا ذلك، سيكون بإمكان الفلسطينيين أن يحكموا أنفسهم»!!

ربما كان نتنياهو هنا قديماً. لكنه يكشف بدوره -إلى جانب كلام ترمب- حدود العملية التفاوضية التي يتم طرحها راهناً، وهذا هو الذي يعنينا في كل ما ذكر أعلاه.

هنا تحديداً، تتبدّى جريمة من يدعون الفلسطينيين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات تحت الرعاية الأميركية؛ فهم إما أنهم يريدون إطلاق عملية سياسية تتعامل مع موقف ترمب من القدس كأنه لم يكن، وتفضي إلى عمليات تطبيع عربية مع الكيان الصهيوني، وتكريس للوضع الراهن على الأرض، ومن ثم، تحويل المؤقت إلى دائم بمرور الوقت، وهذه جريمة كبرى تنطوي على تصفية عملية للقضية الفلسطينية، وإن كان بإخراج أفضل.

وإما أنهم سيذهبون أبعد من ذلك بقبول ما يُسمّى «صفقة القرن»، التي تؤكد تصفية القضية بشكل نهائي، بدل الوضع آنف الذكر، والذي يسمح للسلطة وقيادتها بالقول إنها ما زالت تتمسك بالثوابت، الأمر الذي كان متوفراً منذ 2004، وحيث كانت تكرّس الحل المؤقت على أرض الواقع، وترفضه من خلال التصريحات.

تصريحات ترامب الجديدة، وذهابها بعيداً في تأكيد تغييب القدس بشكل نهائي، ومعها الابتزاز الوقح بالمساعدات، إلى جانب تصريحات نتنياهو، وعموم المواقف التي تلت الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان..

كل ذلك لم يعد يحتمل المواربة، ولا بد من رد عملي. والرد العملي لن يكون باستجداء الأوروبيين أو سواهم، وإنما بقلب الطاولة في وجه ترمب ومن يتواطؤون معه، وإطلاق انتفاضة شاملة بكل الوسائل المتاحة، بالتفاهم مع جميع القوى الفلسطينية.

إذا لم يحدث ذلك، فسيتواصل التيه، سواء تم استئناف التفاوض تحت رعاية أميركية، أو دولية بحضور أميركي، أو بقيت المراوحة الراهنة بلا تفاوض ولا انتفاضة، بل بتعاون أمني، وتكريس لواقع سلطة في خدمة الاحتلال.

* ياسر الزعاترة كاتب صحفي أردني/ فلسطيني 

المصدر | العربي الجديد