أرخبيل سقطرى اليمني.. الاحتلال الإماراتي يدمر موقعا للتراث العالمي

الأربعاء 29 نوفمبر 2023 03:50 م

سلطت الباحثة في شؤون التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية باليمن، منى هاشم، والأستاذة الفخرية في الأنثروبولوجيا في كلية لندن للاقتصاد، مارثا موندي، الضوء على حالة "تدمير التنوع البيولوجي" في أرخبيل سقطرى اليمني بسبب "الاحتلال الإماراتي" له.

وذكرت الباحثتان، في تحليل نشره موقع "أوراسيا ريفيو" وترجمه "الخليج الجديد"، إلى أن التدمير البيئي يستلزم عمليتين متشابكتين، هما: تغير المناخ وتدمير التنوع البيولوجي، وهما عمليتان تعزز كل منهما الأخرى، وكلاهما من صنع الإنسان.

وأورد التحليل أن تغير المناخ ليس هو المحرك الرئيسي لفقدان التنوع البيولوجي، بل الاستغلال البشري المفرط للموارد الطبيعية وتدمير حياة الكائنات البحرية.

ولا يوجد مكان تتجلى فيه الطبيعة الهشة للتنوع البيولوجي بشكل أفضل من أرخبيل سقطرى، الذي صنفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" كموقع طبيعي للتراث العالمي في عام 2008.

ويتكون الأرخبيل من 4 جزر، هي: سقطرى وعبد الكوري ودرسة وسمحة، إضافة إلى جزيرتين صخريتين، وتقع هذه الجزر على بعد 200 ميل من الساحل الرئيسي لليمن، وهي معروفة كواحدة من أكثر الجزر تنوعًا على المستوى البيولوجي، وتتمتع بقيمة عالمية استثنائية نظرًا لنباتاتها وحيواناتها الفريدة.

فسقطرى هي موطن 11 نوعًا فريدًا من الطيور، و90% من أنواع الزواحف و95% من أنواع القواقع الأرضية، وتشمل حياتها البحرية المتنوعة 253 من الشعاب المرجانية و730 نوعًا من الأسماك.

وصنفت لجنة التراث العالمي جميع المناطق المكونة لسقطرى ضمن حماية بيئية قانونية على الأرض والبحر المحيط بها.

ويعيش سكان الأرخبيل، الذين يتركزون بشكل رئيسي في جزيرتي عبد الكوري وسقطرى، أسلوب حياة بسيط يعتمد بشكل أساسي على الرعي أو صيد الأسماك لكسب عيشهم.

وتواجه سقطرى تهديدا فعليا بسبب تغير المناخ، كما يتضح من الجفاف الذي يؤثر على تنوعها البيولوجي النادر وتعرضها لإعصارين في عام 2015 تسببا في أضرار جسيمة على المستوى البشري والبيئي والبنية التحتية.

وقادت دولة الإمارات العربية المتحدة جهود الإنعاش في سقطرى بعد الإعصارين، ومع ذلك، تشير الباحثتان إلى أن المساعدة الإماراتية، التي كانت مطلوبة بشدة، ثبت أنها "سلاح ذو حدين".

دوافع خفية

فقد أرسلت الإمارات مساعدات إنسانية إلى سقطرى، وأصلحت المدارس والمستشفيات والإسكان والطرق وشبكات المياه، وأنشأت مراكز صحية، ما دفع لجنة التراث العالمي إلى التعبير عن قلقها بشأن التزام هذه الإصلاحات بالمبادئ التوجيهية التشغيلية للتراث العالمي، وعدم توسيع شبكة الطرق، وقصر ترميم الميناء البحري المتضرر على حالته السابقة.

وفي البداية، أعرب سكان سقطرى عن تقديرهم للمساعدات الإماراتية؛ ومع ذلك، سرعان ما بدأوا يلاحظون أن الإمارات، وهي عضو رئيسي في حرب التحالف الذي تقوده السعودية على اليمن، تعمل على توسيع وجودها العسكري في سقطرى، خاصة بعدما بدأ المسؤولون الإماراتيون بزيارة الجزيرة بشكل متكرر.

ووصلت طائرات شحن عسكرية إماراتية محملة بالدبابات والمدرعات والقوات إلى سقطرى، على الرغم من أن سقطرى لم تشارك في الصراعات المسلحة بالحرب.

وبالمثل، قامت الإمارات بتوسيع المطار الوحيد بسقطرى في العاصمة، حديبو، وبنت قواعد عسكرية، وقامت بتركيب العديد من أبراج الاتصالات ونظامين لاستخبارات الإشارات (SIGINT).

وتصف الباحثتان ما جرى بأنه "طموح إماراتي في احتلال سقطرى" بهدف السيطرة على طرق الشحن البحري الاستراتيجية المحيطة بها وإنشاء نشاط سياحي، ما يمثل انتهاكا للسيادة اليمنية بموجب القانون الدولي واتفاقية التراث العالمي لعام 1972.

وأقالت السلطات الإماراتية محافظ سقطرى ورئيس هيئة حماية البيئة، واستبدلتهما بأفراد موالين للإمارات، كما استبدلت الجنود اليمنيين الذين يحرسون المطار والميناء بجنود إماراتيين، وعينت ممثلاً للإمارات في الجزيرة، واستبدلت أعلام اليمن بأعلام الإمارات. وفي عام 2019، أرسلت الإدارة الأمريكية قوات لتركيب صواريخ باتريوت في سقطرى بناء على طلب الإمارات.

احتلال سقطرى

وبذلك أحدثت الإمارات تغييراً جذرياً في أسلوب حياة أولئك الذين يعيشون في الأرخبيل، فعلى سبيل المثال، جرى ترحيل غالبة السكان في جزيرة عبد الكوري قسراً لتحويل الجزيرة إلى قاعدة عسكرية إماراتية، ما يعد انتهاكا للقانون الإنساني الدولي وجريمة حرب.

وفي سقطرى، أكبر جزيرة في الأرخبيل، شجعت الإمارات السكان على بيع منازلهم، ووعدت أصحابها بالإقامة وتصاريح العمل في الإمارات.

ووفقا للمراقبين، فقد عطل "المحتلون الإماراتيون" حياة السكان عن طريق العسكرة والتنمية غير المستدامة، وهو ما انعكس على مدينة حديبو التي تشهد تحولاً من خلال تشييد المباني الإسمنتية دون النظر إلى ممارسات البناء التقليدية أو البيئية والخدمات العامة الضرورية، مثل الإدارة الملائمة للنفايات.

وبالمثل، فإن أنشطة الإمارات تهدد التنوع البيولوجي للحياة البحرية على طول الساحل والبحار المحيطة بالأرخبيل، إذ تستخدم الحجارة المرجانية البيضاوية من الساحل والجرانيت الأحمر من الأودية (الوديان) لبناء الجدران حول قطع الأراضي التي تم شراؤها على الساحل.

وتتجاهل مثل هذه الأنشطة خطة تقسيم المناطق المحمية، وتلحق الضرر بالمناظر الطبيعية، وتهدد بتآكل التربة على الساحل والوديان خلال موسم الأمطار.

وفي ازدراء لمواصفات لجنة التراث العالمي، قامت الإمارات بتوسيع ميناء حديبو البحري لاستقبال السفن الحربية التي تنقل الأسلحة إلى الجزيرة وسفن الصيد التجارية لتحميل كميات كبيرة من الصيد لبيعها وتسويقها دوليا كأسماك إماراتية.

وفي الوقت نفسه، منعت السلطات الإماراتية الصيادين المحليين من الصيد بالقرب من الميناء البحري، ما حرمهم من سبل العيش، متجاهلة تحذيرات لجنة التراث العالمي، واستوردت المبيدات الحشرية وأشجار النخيل والبذور والأنواع الغازية، وهي إجراءات تهدد التنوع البيولوجي في سقطرى.

ومن المتطلبات الأساسية للتنمية السياحية في موقع التراث العالمي إكمال تقييم مستقل للأثر البيئي، وهو ما لم به الإمارات، بل قامت بتجريف الأراضي لبناء فنادق شاهقة للسياحة، وتسويق سقطرى كموقع لقضاء العطلات، وتسهيل الرحلات الجوية من أبو ظبي للسياح بتأشيرات صادرة عن الإمارات.

وقبل عدة عقود، كانت لدى الإمارات خطط لتحويل سقطرى إلى استثمار سياحي، لكن الحكومة اليمنية رفضت مقترحاتها، والآن تغتنم الفرصة لتنفيذ تلك الخطط.

وتزعم الإمارات أن أنشطتها تشكل مشاريع تنموية طويلة الأمد في إطار مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان؛ ومع ذلك، فإن أفعالها تنتهك الوضع القانوني الدولي لسقطرى كموقع للتراث العالمي وخطة تقسيم المناطق الخاصة بها.

فالفقرة 98 من المبادئ التوجيهية التنفيذية لتنفيذ اتفاقية التراث العالمي تنص على ما يلي: "ينبغي أن تضمن التدابير التشريعية والتنظيمية على المستويين الوطني والمحلي حماية الممتلكات من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الضغوط أو التغييرات التي قد تؤثر سلباً على الاتفاقية العالمية، بما في ذلك سلامة و/أو صحة الممتلكات".

وتظاهر العديد من السكان في سقطرى ضد الاحتلال الإماراتي وتم سجنهم في "مرافق احتجاز غير رسمية" تديرها القوات الإماراتية في الجزيرة.

كما قدم السكان شكاوى إلى الحكومة اليمنية المنفية في الرياض بشأن نهب الإمارات وتدميرها للموارد الطبيعية للجزيرة، أبرزها اقتلاع النباتات والأشجار النادرة، والاستيلاء على الطيور النادرة لتصديرها وبيعها في الإمارات، وإزالة الحجارة القديمة من المواقع الأثرية.

وزاد عدد سكان حديبو بشكل كبير، ليس فقط مع وصول اليمنيين من البر الرئيسي الفارين من الحرب ولكن أيضًا نتيجة لتدفق المواطنين الهنود والباكستانيين الذين جلبتهم الإمارات للعمل. واستجابة لشكاوى السكان، وصلت القوات السعودية إلى سقطرى في عام 2019 للحد من أنشطة الإمارات.

وتجاهلت هذه القوات أيضًا المبادئ التوجيهية التشغيلية الخاصة بالتراث العالمي، وقامت ببناء برج اتصالات خاص بها وقاعدة عسكرية، وحولت مكتب وكالة حماية البيئة إلى مقرها الرئيسي. ولا تزال التوترات بشأن سقطرى قائمة بين شريكي التحالف الذي تقوده السعودية.

وتشير الباحثتان، في هذا الصدد، إلى مفارقة تأكيد رئيس مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP28)، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي، سلطان أحمد الجابر، أكد ذلك في حوار بطرسبورغ بشأن المناخ في برلين (مايو/أيار 2023) على الحاجة إلى توسيع "تعريف التكيف لتمكين القدرة على التكيف مع تغير المناخ العالمي، وتحويل النظم الغذائية، وتعزيز الغابات، واستخدام الأراضي، وإدارة المياه".

لكن من الناحية العملية، فإن دولة الإمارات تنتهك هذه المبادئ وهي موطن لشركة أدنوك، سابع أكبر شركة نفط في العالم، بحسب الباحثتين.

المصدر | منى هاشم ومارثا موندي/أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

اليمن سقطرى الإمارات التنوع البيولوجي مدينة حديبو