الخميس 29 مارس 2018 07:03 ص

يبدو أن عملية «غصن الزيتون»، التركية ـ السورية، حققت، بعد شهرين على انطلاقها، أهدافها العسكرية. بذلك، انتهت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، على منطقة عفرين. بالرغم من البلاغات عالية النبرة في مطلع العملية، أظهرت وحدات حماية الشعب التابعة للاتحاد الديمقراطي مقاومة متواضعة في قرى عفرين وبلداتها.

وما إن اقتربت القوات التركية وقوات الجيش السوري الحر من مشارف عفرين، حتى ذابت عناصر الحزب المسلحة في جموع المدنيين وفرت من المدينة.

القول بأن وحدات حماية الشعب انسحبت من المدينة حرصاً على أرواح المدنيين، لا ينسجم وتاريخ الحزب وسلوكه، لا في عفرين ولا غيرها من مناطق الشمال السوري وجنوب شرقي تركيا.

هذا حزب فاشي شق طريقه نحو الهيمنة، خلال ربع القرن الماضي، في مناطق الأغلبية الكردية من تركيا وسوريا، بقوة السلاح وسفك دماء الأكراد المعارضين له قبل الأتراك والعرب.

في تركيا، استباح حزب العمال الكردستاني دماء مواطنيه الأكراد من الإسلاميين، واغتال المدرسين وأصحاب المخابز والمخاتير ومالكي محطات الوقود، الذين لم يستجيبوا لتوجهاته، تماماً كما وضع السيارات المتفجرة في شوارع المدن التركية.

وفي سوريا، اغتال حزب الاتحاد الديمقراطي، أو سجن أو هجر، منذ اندلاع الثورة السورية، قادة وناشطي القوى المنضوية في المجلس الوطني الكردي. وعندما أتاحت له الظروف السيطرة على قرى ومدن عربية، حيث عاش الأكراد والتركمان والعرب في جوار متداخل منذ عشرات السنين، لم يتورع الحزب عن تهجير السكان العرب والتركمان وطردهم.

أهالي تل رفعت، الذين تظاهروا يوم الجمعة 23 آذار/مارس، مطالبين تركيا والجيش السوري الحر بتحرير منطقتهم من وحدات الاتحاد الديمقراطي المسلحة، هجر منهم ما يزيد عن مائتي ألف مواطن بعد سيطرة الحزب على المنطقة في مطلع 2016، بمساعدة من نظام دمشق.

هذا حزب لا يعني المدنيون له الكثير؛ وتكشف التحصينات التي أعدها في عفرين عن تخطيط مسبق للقتال في المدينة. ولكن سرعة انهيار دفاعات الحزب في جوار عفرين وريفها، أصاب عناصره في المدينة بالذعر، وأظهر، كما في عشرات المرات السابقة، عجز قادته في جبال قنديل عن إجراء تقدير صحيح للموقف.

قبل خمسة أعوام، في 21 آذار/مارس 2013، احتشد عشرات الآلاف من السكان في مدينة ديار بكر للاحتفال بعيد النوروز والاستماع لرسالة قائد حزب العمال الكردستاني، المسجون في جزيرة ببحر مرمرة، عبد الله أوجلان. حملت رسالة أوجلان، مؤسس العمال الكردستاني وزعيمه التاريخي، دعماً صريحاً لمشروع رئيس الحكومة آنذاك، رجب طيب إردوغان، لحل نهائي للمسألة الكردية في تركيا.

كانت الاتصالات بين حكومة إردوغان والحزب بدأت بصورة سرية منذ 2010، ولكن العمل الملموس على مشروع الحل انطلق في خريف 2012. وقد شهدت تركيا، بالفعل، وقفاً لإطلاق النار في الصراع الدموي وباهظ التكاليف طوال الفترة من خريف 2012 إلى خريف 2014.

أخذت الحكومة سلسلة من الإجراءات، التي عبرت عن الاستجابة للحقوق المشروعة للأكراد، ووفرت تسهيلات لقادة حزب الشعوب الديمقراطية، الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني، سواء للاتصال بأوجلان أو مع قادة الحزب في جبال قنديل. وبدأت عملية تنمية اقتصادية غير مسبوقة لجنوب شرقي تركيا، تعهدتها أجهزة الدولة وكبريات شركات القطاع الخاص، على السواء.

كما انطلق حوار واسع النطاق، شارك فيه سياسيون وأكاديميون وقادة رأي، من أجل الإعداد لتعديلات قانونية ودستورية، تضع البلاد على طريق إنهاء الصراع والانتقال بالجمهورية التركية إلى دولة المواطنين.

في تشرين الأول/اكتوبر 2014، فاجأ حزب العمال الكردستاني حكومة العدالة والتنمية بإثارة حركة تظاهر وهجمات شوارع دموية في جنوب شرقي البلاد للاحتجاج على حصار داعش لعين العرب/ كوباني السورية، سقط خلالها زهاء الأربعين قتيلاً. في كانون الأول/يناير 2015، قتل ثلاثة من الجنود الأتراك على يد مسلحي الحزب.

وفي تموز/يوليو 2015، أعلن الحزب نهاية العملية السلمية وانسحابه كلية من الشراكة مع الحكومة التركية للتوصل إلى حل للمسألة الكردية. خلال الشهور القليلة التالية، اكتشفت أجهزة الأمن التركية أن الحزب مارس سياسة خداع منهجية للدولة طوال ما يزيد عن عامين من التهدئة.

بدلاً من أن يسحب السلاح والمجموعات المسلحة من البلاد، طبقاً للاتفاق مع الحكومة التركية، كان الحزب في الحقيقة يعيد بناء خلاياه المسلحة ويكدس السلاح والمتفجرات في كافة أنحاء تركيا.

وبين أيلول/سبتمبر 2015 وآذار/مارس 2016، خاض الحزب حرباً حقيقية في شوارع مدن الأغلبية الكردية، سيما نصيبين وجزره (جزيرة ابن عمر) ومدينة ديار بكر القديمة، ضد الدولة التركية، أطلق عليها اسم «انتفاضة الخنادق والتحصينات». أوقعت حرب المدن تلك خسائر فادحة بالأحياء والسكان، كما بقوات الأمن والجندرمة التركية.

فما الذي حدث لتنتقل تركيا، بتلك الصورة المفاجئة، من مبادرة تسوية تاريخية إلى ما يشبه الحرب الأهلية؟

صنع مناخ الحل والتهدئة متغيرين رئيسيين في مناطق الأغلبية الكردية: حالة من الازدهار الاقتصادي المتسارع، وبروز قادة حزب الشعوب الديمقراطية كزعماء مؤهلين للحديث باسم الحركة القومية الكردية.

كلا المتغيرين لم يبعث على اطمئنان قادة العمال الكردستاني في جبال قنديل، الذين خشوا من أن حل المسألة الكردية سيؤدي في النهاية إلى خسارة الحزب للمتعاطفين معه، وتهميش قيادة الحزب لصالح حزب الشعوب وقادته.

لكن متغيراً آخر في الجنوب السوري لم يقل أثراً على حسابات قادة العمال الكردستاني في جبال قنديل. قدم الأمريكيون دعماً كبيراً لمسلحي الحزب في سوريا منذ بداية معركة عين العرب/ كوباني.

ومع الإعلان عن تحرير المدينة من سيطرة داعش في كانون الثاني/يناير 2015، كان ضباط القيادة المركزية الأمريكية، بتأييد من إدارة أوباما، قد استقروا على خيار التحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي، واستخدام قوات حماية الشعب بديلاً عن المشاة الأمريكيين، سواء في المعركة ضد داعش أو لتعزيز النفوذ الأمريكي في شرق سوريا، وحرمان الإيرانيين من تأمين ممر استراتيجي يصل إلى ساحل المتوسط.

ولم تكن العلاقة المستجدة مع الأمريكيين وحدها من أوقع قيادة العمال الكردستاني في حساباتهم الخاطئة. ولكن الحزب أخطأ أيضاً قراءة نتائج انتخابات يونيو/ حزيران 2014، التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية أغلبيته البرلمانية المطلقة للمرة الأولى منذ 2002، وحسب أن أحمد داوود أغلو، رئيس الحكومة، أصبح من الضعف بحيث يسهل الضغط عليه.

خلال الشهور القليلة التالية، ظهر خطأ حسابات قادة قنديل كما لم يظهر قط من قبل. أخذ داوود أغلو قراراً سريعاً بمواجهة تمرد الخنادق والتحصينات بالقوة، تراجعت شعبية حزب الشعوب الديمقراطية بصورة كبيرة، واستعاد العدالة والتنمية أغلبيته في انتخابات نوفمبر/ تشرين ثاني الطارئة.

لكن قيادة حزب العمال الكردستاني لم تتعلم الدرس، وظنت أن تحالف فروعها السورية مع الولايات المتحدة سيساعد الحزب على تلافي خسائره التركية. ما فاقم من السكرة كان نجاح حزب الاتحاد الديمقراطي في السيطرة على منبج، وتل رفعت، والرقة، التي هي جميعاً مناطق أغلبية عربية.

ليس من المتوقع أن يصحو قادة العمال الكردستاني سريعاً من سكرتهم. فرغم خيبة آمالهم الأمريكية في عفرين، يبدو أنهم مستمرون في الاعتقاد بأن الحلفاء الأمريكيين سيوفرون حماية لهم في منبج وتل رفعت والرقة وعين العرب.

الذي اعتاد خطأ التقدير يصعب عليه غالباً تمييز الخطأ من الصواب.

ثمة مسألة كردية في المشرق، بلا شك، تماماً كما أن هناك مسألة فلسطينية، وأخرى سورية وثالثة عراقية. بعد مئة عام على ولادته، لم تزل شعوب المشرق تناضل من أجل التحرر من ميراث نظام ما بعد الحرب الأولى الإقليمي. ولكن المؤكد أن حزب العمال الكردستاني ليس مؤهلاً لقيادة المسألة الكردية إلى بر الأمان.

* د. بشير موسى نافع مؤرخ وأكاديمي عربي.