الجمعة 27 فبراير 2015 05:02 ص

أجرت إيران امس مناورات عسكرية واسعة عند مضيق هرمز في الخليج الذي لا يمكن تجاهل أهميته الاستراتيجية والتجارية اقليميا ودوليا، فيما بدا استعراضا غير مسبوق للقوة. وشملت المناورات التي حملت عنوان «الرسول الأعظم 9» تدمير نموذج وهمي لحاملة طائرات امريكية، وعملية تلغيم للمضيق شاركت فيها نحو 30 قطعة بحرية تابعة للقوة البحرية للحرس الثوري. 

وحسب تقارير صحافية فقد اختبرت طهران صاروخ «نصر» الذي يمكنه إصابة هدف عن بعد 5 كلم دون ان يرصد من قبل الرادارات، كما اختبرت إطلاق صاروخ كروز «غدير» الذي يصل مداه إلى 350 كيلومتراً وصواريخ أرض بحر.

وتكتسب المناورات الإيرانية اهمية خاصة في اطار معطيات استراتيجية وجيوسياسية اقليمية متحولة.

وبدا واضحا ان طهران أرادت توظيف المناورات لتوجيه رسائل اقليمية ودولية واضحة، بل ولا تتحمل اي التباس في قراءتها، ومنها:

أولا: تزامن استعراض القوة الإيراني مع تصريحات شبه متطابقة في طهران ولندن وواشنطن حول اقتراب التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني. وبالرغم من اعتبار فيديريكا موغيريني وزيرة الخارجية الاوروبية أمس الأول الثلاثاء ان الاتفاق بات «في متناول اليد» الا ان المناورات الإيرانية تمثل «ابتزازا مفيدا» من وجهة النظر الإيرانية يذكر الولايات المتحدة بشكل خاص، بأنها لا تملك خيارا سوى تقديم التنازلات الاخيرة المطلوبة لتسوية الملف النووي سياسيا. وهو ما قد يساعد الرئيس باراك اوباما على التحلي بالارادة السياسية الضرورية لاتخاذ القرار النهائي.

ثانيا: ان المناورات الإيرانية تمثل نموذجا واقعيا للدور المستقبلي الذي ستضطلع به طهران عمليا، وبموافقة امريكية، بعد التوصل إلى الاتفاق النووي، الا وهو «شرطي الشرق الاوسط» الذي لا يمكن تجاوزه كـ «قوة اقليمية عظمى» تملك مفاتيح الأزمات من العراق إلى اليمن وسوريا ولبنان. وهو الدور الذي ستطلب واشنطن من حلفائها العرب احترامه والتعايش معه، حتى وان اعتبره بعضهم تهديدا وجوديا (..). وهكذا تأمل طهران من وراء المناورات أن يعيد البعض في الخليج النظر في خططه للتصعيد عسكريا ضدها بشكل مباشر او غير مباشر سواء في اليمن او سوريا او غيرهما من الجبهات الاقليمية. 

ثالثا: ان التدريبات على تلغيم مضيق هرمز تبدو كانذار صريح إلى الولايات المتحدة بل وعالم يعتمد على هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره حاليا أكثر من 17 مليون برميل نفط، أي خُمس حجم النفط المتداول عالميا، من السعودية والعراق والكويت وقطر والإمارات بالإضافة إلى إيران التي تصدر 2.5 مليون برميل. 
الا ان الاثر الاستراتيجي وليس الاقتصادي قد يكون الأكثر خطورة لاغلاق المضيق، اذ انه يمثل تهديدا امنيا بل ووجوديا مباشرا لدول الخليج العربية، وكانت طهران هددت بالفعل بضرب اهداف امريكية في تلك الدول في حال اندلاع الحرب. وقد تزامنت المناورات امس مع مزاعم أكدت أن «دولا خليجية مستعدة لفتح مجالها الجوي أمام طائرات اسرائيلية لقصف المنشآت النووية الإيرانية ان لزم الامر».

رابعا: ان طهران التي تعاني عواقب اقتصادية وخيمة جراء انخفاض اسعار النفط قد ترى في توتير الخليج عسكريا باجراء مناورات على هيئة «بروفة للحرب» عاملا ايجابيا في دفع الاسعار إلى الاستقرار ان لم يكن الارتفاع. كما انه قد يدعو بعض دول الخليج إلى التوقف عن استخدام النفط كسلاح اقتصادي ضدها.

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني سمى السعودية والكويت تحديدا باعتبارهما مسؤولتين عن انهيار الاسعار، وتعهد بجعلهما «تندمان على ذلك». وقد نفى البلدان الاتهام الإيراني، واكدا ان انخفاض الاسعار يعود إلى اسباب تتعلق بدخول منافسين جدد عبر التوسع في تصدير النفط الصخري.

وأخيرا لابد ان العرب تذكروا مجددا بالامس انهم يواجهون تحديا استراتيجيا قاسيا، وهو يتكرس باستمرار فشلهم في الوصول إلى موقف مشترك حتمي لاتخاذ القرار الصعب تجاه إيران.

وإذا كانت توازنات القوى الاقليمية تجعل اسرائيل تكتفي بالفرجة على البرنامج النووي الإيراني، بعد ان «يئس العالم من وقف تقدمه نحو تصنيع القنبلة النووية خلال اعوام قليلة» حسب تصريحات لبنيامين نتنياهو بالامس، واذا كانت واشنطن واوروبا لا تجدان بديلا عن الاتفاق مع إيران، فان العرب أولى بالعثورعلى مد الجسور لتفاهمات سياسية اقليمية تبدو حتمية للخروج من هذا المأزق التاريخي.