الأحد 29 مارس 2015 02:03 ص

سيطرت حركة الحوثي القبلية التي تدعمها إيران بالمال والسلاح على العاصمة اليمنية صنعاء، ما اضطر الرئيس «عبده ربه منصور هادي» إلى تقديم استقالته. وفي شوارع صنعاء، يهتف المقاتلون «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة لليهود، النصر للاسلام». والمفارقة الكبيرة في هذا الشعار، الذي يبدو أن أفراد الحوثي لا يدركون معناه على الأرجح، أن الحوثيين يتلقون الأسلحة والدعم منذ عقود من إسرائيل، وحتى من قبل أن يحصلوا على مساعدات عسكرية من إيران. وكانت حركة الحوثيين والقبائل الموالية لهم منذ فترة طويلة أكبر المتسلقين والانتهازيين الباحثين عن الدعم الدولي، وهو الأمر الذي لم يظهر إلا نادرا نظرًا للطبيعة المحلية للصراعات السياسية.

اقتران غريب

أطاح «عبدالله السلال» بالإمام الأخير في اليمن «محمد البدر»، وأسس الجمهورية اليمنية في 26 سبتمبر / أيلول 1962. وعلى مدى السنوات الست التالية، خاض «البدر» وتحالفه من رجال القبائل الشمالية حرب عصابات دموية في المرتفعات الجبلية ضد 70.000 جندي مصري وصلوا إلى اليمن لدعم الجمهورية. وطوال فترة الصراع، كانت أكبر العقبات في طريق «البدر» هي الحصول على الأسلحة والإمدادات. لقد كانت المساعدة تصل إليه من مصدر لا يمكن لأحد أن يتوقعه.

وفي مساء يوم 26 مايو / آيار 1964 جمع «البدر»، قادة تحالفه القبلي الشمالي، بما في ذلك الأب الشيخ «حسن الحوثي»، وذلك لمضغ القات ووضع خطة استراتيجية. ووعد «بدر» المجموعة أنه سيقدم لهم حلا لمشاكل الإمداد التي أصابت مليشياتهم القبلية. وفي منتصف الليل تقريبا، سمع الفريق هدير محرك طائرة، وتم رصد صور ظلية لــ 14 مظلة تخرج من تحت جنح ظلام الليل. وطبقا لوثائق شخصية تعود للكولونيل «نيل ماكلين» البريطاني فإن أحد الشيوخ أعلن في جملة وصفت بالكفر الصريح: «انظروا، حتى الله يساعد الإمام». لقد طارت الطائرات بقيادة أفراد من سلاح الجو الإسرائيلي، وكانت تحمل الطرود التي تحتوي على الذخائر والإمدادات الطبية والمال لحرب الإمام ضد الجمهورية اليمنية وعناصر الجيش المصري.

وبين عامي 1964 و 1966، طار فريق من الطيارين والملاحين الإسرائيليين في 14 طلعة جوية إلى المرتفعات النائية من اليمن. وكان سلاح الجو الإسرائيلي والاستخبارات على استعداد لمساعدة رجال القبائل الشمالية في نضالهم الخاص ضد مصر، التي كانت آنذاك العدو الرئيسي لإسرائيل. وكان الإمام، بدوره، على استعداد لقبول مساعدات من إسرائيل أو أي بلد آخر بعد أن غادره معظم حلفائه، ولم يتبق معه سوى القليل. وكان أيضا مستعدا للاعتراف بإسرائيل دبلوماسيا في حالة أنه تغلب على الجمهورية المدعومة من مصر.

وفي عام 1966، كشف التغيير في قيادة سلاح الجو الإسرائيلي والاهتمام العميق بسلامة الأفراد الإسرائيليين الذين يتوجهون إلى اليمن نهاية تحالف إسرائيل مع القبائل اليمنية الشمالية. وخسر «بدر» في نهاية المطاف الحرب الأهلية في عام 1968، وانضم رجال قبيلته، بما في ذلك الحوثيين، إلى الجمهورية العربية اليمنية في عام 1970 بعد هدنة بين الجانبين. ولم تحصل القبائل الشمالية إلا على مكاسب سياسية محدودة، ما جعلها تعيش أربعة عقود من إهمال الحكومة اليمنية للمناطق الشمالية من البلاد. إسرائيل، من ناحية أخرى، كانت قادرة على توريط القوة العسكرية والجوية المصرية في اليمن لمدة خمس سنوات، وبالتالي الحيلولة دون المواجهة في شبه جزيرة سيناء. ونتيجة للمهمة، كانت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قادرة على مراقبة القدرات والمناورات العسكرية المصرية، وهذه حقيقة أعطت إسرائيل ميزة تكتيكية في حرب يونيو / حزيران 1967. وعلاوة على ذلك، اعتبرت القيادة الإسرائيلية المهمة في اليمن استعراض للحلفاء والأعداء المحتملين بتوسيع القدرات الجوية الخاصة بهم.

ورغم أن التعاون بين إسرائيل ورجال القبائل اليمنية الشمالية قبل 40 عاما تقريبا لا يشير إلى شكل من أشكال وجود تحالف حوثي إسرائيلي معاصر، إلا إنه يؤكد على الطابع المحلي والتاريخي للأحداث في اليمن. الهجوم الحوثي على صنعاء، وعزل رئيس البلاد والبرلمان هو صراع بين قوى خارجية أكثر من كونه استمرارًا لصراع طويل بين القبائل الشمالية والجمهورية اليمنية. لقد أيدت حركة الحوثي الحقوق السياسية والاجتماعية في المناطق الشمالية من البلاد من خلال تطبيق نظام السلطة القبلية الجماعية على مناطق مختلفة في البلاد. ومن ناحية أخرى، يمثل «هادي» آخر بقايا جيل الثورة التي أدت إلى نشوء الجمهورية اليمنية منذ عام 1962.

شؤون داخلية

ويساء فهم الانقسامات الدينية في اليمن، تماما مثل السياسة المحلية الخاصة بها، من قبل المراقبين الأجانب الذين يحاولون تطبيق النماذج الدولية على بلد قبلي معقد. وتتبع قبائل حركة الحوثي الشمالية الزيدية، ثاني أكبر فروع الإسلام الشيعي، الذي يشكل 40% من سكان اليمن البالغ عددهم 23 مليون نسمة. الزيدية المسلمون، المعروفة أيضا باسم الخمسية لاعترافها بالإمام زيد بن علي كإمام خامس، عبارة عن مجموعة متمايزة عن الشيعة الاثني عشرية الذين يشكلون غالبية سكان إيران. الغالبية العظمى من السكان الباقين في اليمن تنتمي إلى المذهب الشافعي السني. ولعدة قرون قبل الوحدة اليمنية في عام 1990 ظل النصف الشمالي الذي يقنطه غالبية زيدية والنصف الجنوبي صاحب الغالبية الشافعية السنية كما لو كانا منطقتين منفصلتين.

ويظهر جليا تعقيدات السياسة اليمنية الداخلية، وعن حقيقة أن هناك اختلافات دينية كبيرة بين الإيرانيين والحوثيين، فقد ادعى اللواء «قاسم سليماني» مؤخرا أن الانقلاب الحوثي جاء كدليل إضافي على انتشار «الثورة الإسلامية» في جميع أنحاء الشرق الأوسط . وأعربت المملكة العربية السعودية، بدورها،عن انزعاجها لما تعتبره سياسة إيران الخارجية العدوانية التي تهدف إلى الهيمنة الإقليمية. وردا على ذلك، قام المسؤولون السعوديون بقطع المساعدات الخارجية الحيوية عن اليمن، وعرضوا تقديم الدعم لـ«هادي» وبقايا جمهوريته.

وأشار محللون غربيون أن التوترات الإيرانية - السعودية المزعومة بشأن اليمن حتى الآن هي مثال آخر على الصراع الشيعي - السني. ومع ذلك، فقد طغت وجهات النظر الدولية الواسعة بشأن الأحداث الجارية في اليمن على الطابع المحلي للحركة الحوثية. سقوط الحكومة اليمنية، والصعود السياسي للقبائل الشمالية هو صراع جمهوري– قبلي داخلي. وعلى الرغم من أن التصور الأمريكي والإيراني والسعودي المبالغ فيه غير ذلك تماما، إلا إن حركة الحوثي ليست مظهرا من مظاهر الصراع الديني الدولي. القبائل الزيدية الشمالية عبارة عن كيان داخلي، وكانت القوة السياسية الأبرز على مدار قرون من التاريخ اليمني، وليست قوة احتلال بتكليف من الإيرانيين.

الفشل في فهم الديناميكيات الدينية والقبلية في الدولة اليمنية قد يؤدي بالقوى الخارجية إلى دعم حكومة غير شرعية أو كيان سياسي ضعيف مع فرصة ضئيلة أو معدومة لتأمين السلطة وإعادة الاستقرار إلى البلاد. ونجا «هادي» مؤخرا من الإقامة الجبرية التي فرضها عليه الحوثيون في صنعاء، وهرب إلى مدينة عدن الجنوبية. وناشد «هادي»، السياسي البارز سابقا في ولاية جنوب اليمن قبل الوحدة في عام 1990، مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة لتدخل عسكري يعيد الحوثيين إلى الوراء كما كانوا. ويبدو الدعم السياسي لهادي في جنوب البلاد، من خارج أصدقائه القدامي، محدود للغاية، حيث إنه يمثل حكومة الجمهورية اليمنية المنبوذة.

وليست حركة الحوثي هي الجماعة القومية الوحيدة التي كسبت شعبية خلال سنوات العقد الماضي، قد نجح «الحراك» من أجل استقلال جنوب اليمن في الحصول على دعم كبير كذلك. وعقد «علي سالم البيض»، عضو سياسي سابق في جنوب اليمن وأحد القادة الرئيسيين للحراك الجنوبي، عدة اجتماعات مع القادة الحوثيين، ما أدى إلى تكهنات بأن الحركتين قد توافقان على التقسيم إلى منطقتين اتحاديتين. وهذا الحل الوسط لا يمكن إدراكه في الوقت الذي لا تمتد فيه معاقل الزيدية التاريخية جنوبا من مدينة تعز. ويمكن أن يقال الشيء نفسه بالنسبة لحضرموت، القسم الشرقي من البلاد الذي يتمتع بكيان مستقل نسبيا في العادة بعيدا عن الرقابة من الحكومة المركزية.

وقد تضطر المملكة العربية السعودية إلى التوفيق بين شكوكها المتعلقة بالتدخل الإيراني وواقع الاضطرابات القبلية على طول حدودها الجنوبية في حال التدخل العسكري السعودي. المناطق الحدودية التي تضم عسير ونجران وجيزان تم إلحاقها بالمملكة العربية السعودية بعد هزيمة المملكة لليمن في عام 1934. وتحوي هذه المناطق الحدودية الثلاثة قبائل شيعية زيدية تقف مع حركة الحوثي أكثر من الحكومة السعودية. كما تعد الحدود السعودية اليمنية الطويلة التي يسهل اختراقها مصدرا آخر للقلق، كما يمكن بسهولة نقل الأسلحة والمليشيات إلى القبائل اليمنية عبر الحدود، ما يشكل تهديدا مباشرا للاستقرار في المملكة العربية السعودية.

العداء الحوثي لنظام الحكم في السعودية هو انعكاس للعداوة التاريخية ولمشاركة المملكة العربية السعودية في المراحل السابقة من حرب الحكومة اليمنية ضد الحوثيين في عام 2004. وعلى الرغم من هذه التوترات فقد كان السعوديون من أشد المؤيدين للقبائل الشمالية في نضالهم ضد الجمهورية اليمنية خلال حقبة الستينيات. لقد تغيرت الولاءات السياسية على مدى عقود، ورغم هذا قد يجد القادة السعوديون أن المصالحة مع الحوثيين هي الضامن الوحيد للاستقرار الإقليمي، لا سيما في ظل عدم وجود لاعبين سياسيين شرعيين يسدون الفراغ السياسي في اليمن. وعلى أية حال، فإن الحوثيين ليسو هم أكبر تهديد للاستقرار في المملكة العربية السعودية. التوسع الإقليمي لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وعدد من الهجمات الوقحة التي شنها مؤخرا عناصر موالون للدولة الإسلامية في العراق وسوريا هي التهديدات الأكبر لكل من اليمن والمملكة العربية السعودية والمصالح الغربية في المنطقة.

اللعب في الميدان

ربما منذ حقبة الستينيات في القرن الماضي لم تكن هناك حركة سياسية نجحت في حشد أكبر قدر من الدعم الشعبي والقبلي كما فعل الحوثيون. حركة الحوثي خطيرة لأنها تعمل بانتهازية، اعتمدت على إسرائيل والمملكة المتحدة والسعودية والأردن في الماضي، والآن تتحول إلى إيران. ورغم انحيازها إلى إيران إلا إنها لا تزال حتى الآن على استعداد لقبول مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية.

وتكرر الولايات المتحدة وإسرائيل تأكيداتهما الخوف من شعارات صرخة الحوثيين «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، لا سيما وأنه يعيد إلى ذاكرة الكثيرين شعارات الثورة الإيرانية منذ عام 1979. ورغم ذلك، فإن العبارات الكلامية والهتافات المعادية وحدها لا يمكنها أن تضر أيا من البلدين، فالحوثيون ليسوا منظمة دولية، كما أنهم غير قادرين على الوصول إلى ما هو أبعد من جنوب الجزيرة العربية. حركة الحوثي عبارة عن تحالف عشائري محلي يسعى إلى إسقاط الجمهورية العلمانية التي همشت المناطق الشمالية منذ عقود، ومن ثم إنشاء حكومة مركزية تهيمن عليها السلطات القبلية التي كانت قائمة قبل عام 1962. مطالباتهم بمكافحة الفساد وتحقيق المساواة وتعزيز الأمن ليست سوى بعض من الأسباب الرئيسية التي جلبت لهم دعما شعبيا واسعا، وأظهرتهم كقوة مشروعة للتغيير في البلاد.

ربما تحتاج الولايات المتحدة إلى النظر فيما وراء الشعارات المهيجة وحرق الأعلام لفتح خط اتصال مباشر مع قيادة الحوثيين. وباتت حكومة «هادي» عاجزة، بل وفرّت من المواجهة السياسية مع حكومة الحوثي الجديدة، ما يعني أنها تفتقر إلى ما يكفي من الدعم الشعبي والقبلي لشن حملة ضد الحوثيين. وقد ظهر الموالون للعائلة الحوثية باعتبارهم أحد القوى العسكرية الأكثر فعالية في مكافحة توسع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وإذا أدار الغرب ظهره للقيادة الحوثية بسبب الشعارات أو المساعدات الانتهازية من إيران أو احتجاجات «هادي»، فسوف ينتهي الأمر بالتخلي عن شريك جاد في منطقة الشرق الأوسط.