الأحد 29 مارس 2015 08:03 ص

نادرا ما تعيش منطقة برمتها مثل هذا النوع من التغيير المضطرب الذي تعاني منه منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس الماضية. وإذا أخذنا كل شيء في الاعتبار فسنجد أن هذا التغيير صب في مصلحة إيران بطريقة غير مقصودة في الوقت الذي تراجع فيه نفوذ الولايات المتحدة.

ومن بين الدول الرئيسية التي سيطرت على الساحة السياسية العربية وعملت كثقل موازن لنفوذ طهران: العراق، التي تبدوا اليوم وكأنها في حالة توقف أو شلل، ومصر التي استهلكتها التحديات الداخلية، وسوريا التي لم يبق من نظام «بشار الأسد» فيها إلى من يعتمد على إيران وحليفها «حزب الله» اللبناني.

وفي نفس الوقت الذي تسبب فيه بزوغ نجم تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا في وضع تحديات أمام طهران، إلا إنه في الوقت ذاته أوجد لها فرصة توسيع نفوذها بين الشيعة العراقيين، وتسجيل نقاط مع واشنطن من خلال معارضة مشتركة ومواجهة للجهاديين السنة. وسمح الحكم السيئ أو اللاحكم - كما في حالة اليمن - سمح لإيران بشق طريقها في البلدان التي يوجد بها سكان شيعة يشتكون سوء المعاملة أو التهميش (مثل اليمن والبحرين). وليس واضحا على الإطلاق ما إذا كانت الجهود السعودية الأخيرة للعودة إلى ما قبل نفوذ المتمردين الحوثيين في اليمن يمكنها أن تنجح أم لا.

ومن المفارقات أن السلوك الذي جعل من إيران دولة مارقة - سعيها بدهاء وتحايل لامتلاك أسلحة نووية - تحول ليعطيها طريقا للخروج من حالة الجمود التي أصابتها. لقد خلقت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني مستوى غير مسبوق من التعاون الأمريكي - الإيراني، وبالفعل كانت هناك محادثات لتخفيف بعض العقوبات والمصادقة على حق إيران في تخصيب اليورانيوم. وربما تترك النتائج الكثير من البنية التحتية النووية لطهران سليمة، حتى لو تم إرجاء تطلعاتها النووية فترة من الزمن.

وليس هناك شك في أن أحد الأسباب التي تمنع إدارة «أوباما» من التفكير في استخدام القوة مع نظام «الأسد» هو خشيتها من الدخول في حرب بالوكالة مع إيران، ما قد يقوض جهود الولايات المتحدة لوقف سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية. وقد أعطت المفاوضات لإيران الشرعية، ولطفت من غضب المعارضة الداخلية المتعطشة لتحسين الاقتصاد. وفي حالة التوصل إلى اتفاق، فإن النظام الإيراني سيكون قد حصل على طوق نجاة من العقوبات الخطيرة التي كبلته لسنوات بينما هو في وضع يمكنه من ممارسة خيارات الأسلحة النووية في المستقبل.

وفي الوقت نفسه، فقد وضعت القضية النووية إسفين بين واشنطن وبعض أقرب حلفائها في منطقة الشرق الأوسط؛ وهي المنطقة التي تمتلك الولايات المتحدة بالفعل عدد قليل جدا من الشركاء فيها. والأكثر خطورة هو تدهور العلاقات مع إسرائيل، وبصورة رئيسية بشأن القضية النووية. السعوديون والإماراتيون يتساءلون أيضا عن حجم ثقتهم بواشنطن الآن في ضوء علاقتها الجديدة مع طهران.

ومن الجدير بالملاحظة أن إدارة أوباما اختارت أن تنهر مصر بسبب طابعها المعادي للديمقراطية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بسبب تصريحاته الانتخابية عن العرب الإسرائيليين في وقت يوصف فيه النظام القمعي في إيران بأنه أعظم منتهك في المنطقة لحقوق الإنسان والمليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق ترتكب أعمالا وحشية ضد العراقيين السنة. وفي الوقت الذي تزداد فيه العلاقة توترا بين واشنطن وأصدقائها التقليديين، فإن وجهات نظر تلك البلدان في الشرق الأوسط تتوافق بشكل كبير مع مصالح الولايات المتحدة أكثر من المفهوم الإيراني في المنطقة.

التوصل إلى اتفاق بشأن القضية النووية قد يبطيء بشكل جيد برنامج إيران النووي، وهذا من شأنه أن يكون أمرا جيدا. ولكن الحالة التي لا تتحرك فيها الولايات المتحدة لكبح النفوذ الإيراني تجعل مبررات السلوك الإيراني - على الأرجح - مصدرا لخلق مشاكل كبيرة لواشنطن وأصدقائها في المنطقة.

تصورات ارتفاع إيران تخدم - بالكاد - مصالح الولايات المتحدة أو تحميها، فالولايات المتحدة دخلت في شد وجذب مع الحلفاء التقليديين، كما ترى واشنطن إيران حاليا كلاعب وسط مع العرب، وأن إسرائيل تلعب الأدوار الثانوية. لم يعد هناك احترام للولايات المتحدة أو رهبة أو حظوة كما تريد هي في المنطقة التي تكثر بها مصالحهاالحيوية، ويرجع ذلك جزئيا إلى مغازلة الملالي في إيران والتودد إليهم.

وحتى في الوقت الذي تحاول فيه إبرام اتفاق نووي، فإنه يتعين على واشنطن أن تشدد من موقفها بشأن انتهاكات إيران لحقوق الإنسان والتدخل في شؤون العراق وسوريا واليمن. قد يساعد ذلك الولايات المتحدة في الشارع، ويخفف من حدة تصور أن إيران خدعت الولايات المتحدة، وأنها تلعب لعبة الشطرنج ثلاثية الأبعاد في المنطقة في حين تلعب واشنطن لعبة الداما.