الثلاثاء 7 أبريل 2015 03:04 ص

في نظرية الصراع وحل الصراع، يتجه المتصارعون نحو التسويات، حين يتأكد لهم عقم استمرار هذا الصراع، وأن الأجدى هو التوصل إلى صيغة حل لا غالب ولا مغلوب فيه. لكن ذلك سيكون رهنا لثقل الأوراق التي يمتلكها كل فريق من الغرماء. فالذي يملك أوراقاً بثقل أكبر، تكون لديه مقدرة على فرض شروطه، بما يعادل ثقلها.

في موضوع الملف النووي الإيراني، لم يكن من السهل التوصل إلى حل الأزمة، بين إيران والمعارضين لبرنامجها النووي قبل هذه المرحلة، رغم فرض حصار قاس على حكومة طهران. فقد كان الغرب من جانبه، يطالب إيران بوقف العمل في هذا البرنامج، من غير تقديم محفزات. ومن جانبها تمسكت طهران بهذا البرنامج، ولم تقدم أية تنازلات. واندفعت في بناء تحالفاتها الدولية، وبشكل خاص مع روسيا الاتحادية والصين الشعبية، بما يضمن لها الاستمرار في استكمال برنامجها.

راهنت إيران، في رفضها الانصياع للضغوط الغربية، خلال أكثر من حقبة من الزمن على أوراق قوية، منها موقعها الجغرافيا، الواقع بين المياه الدافئة بالخليج العربي، وروسيا الاتحادية، وكونها المعبر البري الرئيسي للعبور إلى آسيا شرقاً. ومنذ احتلال أفغانستان والعراق، في مطالع هذا القرن، أضافت إيران ثقلاً جديداً إلى أوراقها التفاوضية. فقد قاد حلفاؤها بالبلدين، وبشكل خاص في أرض السواد، العملية السياسية التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للبلدين.

ولا شك أن علاقتها الاستراتيجية بالحكام الجدد في العراق، قد مكنتها من مد عمقها الاستراتيجي غرباً، لتصل إلى حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان لذلك أيضاً ثقله السياسي، على جملة الأوراق التي في حوزتها. فالأمريكيون استثمروا كثيراً في أفغانستان والعراق، ولم يكن لهم أن يحققوا نجاحاً نسبياً في البلدين من غير التنسيق وتكامل الاستراتيجيات مع طهران.

أما الغرماء، فقد راهنوا على أوراق لا تقل أهمية عن أوراق إيران. وكان الأقوى بين تلك الأوراق، هو التلويح المستمر بالحرب، والاعلان المتواصل عن النية في تدمير المفاعلات النووية الإيرانية، بالقوة العسكرية. وكان الكيان الصهيوني، الذي كان حريصاً على التفرد بامتلاك السلاح النووي في المنطقة بأسرها، هو الأكثر حماسة للضربة العسكرية.

يضاف إلى ذلك، أن إيران تعرضت بسبب تمسكها ببرنامجها النووي لحصار قاس اقتصادي ومرير، شمل حرمانها من استيراد ما تحتاج إليه لتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية. وقد حالت العقوبات الاقتصادية دون تمكينها ليس من زيادة صادراتها النفطية فقط، بل حتى تصدير حصتها من النفط، التي أقرتها منظمة الدول المنتجة للنفط «أوبك». وكان من نتائج ذلك أن عاشت عزلة دولية قاسية.

توصل الدول الست الكبرى وإيران، إلى اتفاق إطار بشأن الملف النووي بعد مفاوضات في مدينة لوزان السويسرية، يطرح سؤالاً جوهرياً عن الأسباب التي دفعت بإيران وغرمائها، إلى تخطي المعوقات التي ظلت قائمة أكثر من عقد، والتوصل في هذه اللحظة بالذات إلى هذا الاتفاق.

صيغة الاتفاق التي تم بين المتفاوضين، تؤكد أن نتيجته لم تكن حاسمة ربحاً أو خسارة، بل كانت وسطاً بينهما بالنسبة لكل الفرقاء. وهو ما يشي بأن أوراق التفاوض بين الفريقين تقترب لمستوى التعادل، على الأقل حتى هذه اللحطة. فالاتفاق استند إلى أساس تخفيض طهران من قدرتها على تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها، كما ترى طهران، والرفع التدريجي لهذه العقوبات، كما يراه المفاوضون من الطرف الآخر.

من وجهة النظر الإيرانية، وكما أعلن الرئيس روحاني، فإن الاتفاقية تفتح صفحة جديدة في العلاقات مع العالم وتسهم في إنهاء النزاعات في المنطقة. كما أنها تحفظ حقوق إيران النووية.

أما الدول الست، التي فاوضت إيران، فترى أن اتفاق لوزان يقيد أنشطة إيران النووية التي ستسخر للاستعمالات المتعلقة بالأغراض السلمية فقط. ووافقت إيران في مفاوضاتها مع مجموعة (5+1)، على تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها في تخصيب اليورانيوم.

ولذلك تم وصف هذا الاتفاق من قبل مختلف الغرماء، بالتاريخي وبأنه يمهد الطريق للتوصل إلى اتفاق نهائي نهاية شهر يونيو/حزيران برعاية مجلس الأمن الدولي.

هناك أسباب عدة، دفعت بإيران وغرمائها للعمل على إغلاق ملف الأزمة. لعل أهمها رغبة الغرب في تحييد طهران في التشكل الدولي الجديد الذي يشرف على الانبثاق، مع عودة روسيا بقوة إلى المسرح الدولي، والنمو الكاسح للاقتصاد الصيني. وليس أدل على ذلك من التزاحم الملحوظ للشركات الأمريكية، للمشاركة في بناء الاقتصاد الإيراني، حتى قبل إعلان إنهاء العقوبات الاقتصادية عن طهران.

إن الأوضاع السياسية المتردية في العراق، تتطلب مزيداً من التنسيق بين البلدين. ولن يكون ذلك ممكناً على أحسن وجه، في ظل حالة توتر العلاقات بين أمريكا وحلفائها من جهة، وطهران من جهة أخرى. إن ذلك يعني أن الأيام القادمة ستشهد تنسيقاً أعلى بين البلدين لمواجهة تنظيم «داعش» في العراق، وربما يصل ذلك إلى التنسيق فوق الأراضي السورية، خاصة بعد التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري عن حتمية التنسيق الأمريكي مع القيادة السورية، وتلويحات أوروبية أخرى مماثلة.

يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي حمل برنامجه الانتخابي مشروع التخلي عن الحروب والانسحاب من أفغانستان والعراق، يطمح إلى إنهاء دورته الانتخابية الثانية، بحدث تاريخي، يجعله بطلاً للسلام، ويؤهله لحيازة جائرة نوبل، وزعيماً أنهى أزمة في بقعة هي من أكثر مناطق التوتر في العالم.

أما القيادة الإيرانية، فإنها تشعر أنها خسرت كثيراً بالحصار الاقتصادي المفروض عليها. وأن مسؤولياتها المالية في المنطقة قد تضاعفت، وأصبحت عبئاً عليها. وأنها بهذا الاتفاق، ستتمكن من حل أزمتها الاقتصادية، وستحافظ على منشآتها النووية السلمية، من التدمير وتتجنب حافة الحرب، وتحافظ على مكاسبها الاستراتيجية في عموم المنطقة.

ويبقى الموضوع بحاجة إلى مزيد من القراءة والتحليل...