في الوقت الذي تزيد فيه قضية "جمال خاشقجي"، والحرب المستمرة في اليمن، من حجم النقد الذي يتلقاه ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" في الدول الغربية، فقد شرع هذا الشهر في جولة ثلاثية في آسيا، مع التوقف في باكستان والهند والصين. وكان الهدف الرئيسي لولي العهد هو تأمين دعم آسيوي أكبر لـ"رؤية 2030"، أجندة الإصلاح الاقتصادي الكبرى في السعودية. كما جاءت رحلته على خلفية تراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وسياسة إدارة "ترامب" الخارجية غير المترابطة. ودفعت مثل هذه العوامل المملكة، وجميع حلفاء واشنطن العرب تقريبا، إلى تبني توجه "التطلع نحو الشرق" في السياسة الخارجية، سعيا إلى توثيق العلاقات مع الصين والدول الآسيوية الأخرى ذات النفوذ الاقتصادي.

وبينما كان "بن سلمان" في الصين، وقعت "أرامكو" السعودية على صفقة بقيمة 10 مليارات دولار في مشروع  بناء مجمع تكرير وبتروكيماويات في "بانجين"، في مقاطعة "لياونينغ". وكذلك وقعت المملكة 35 اتفاقية تعاون اقتصادي مع بكين بقيمة 28 مليار دولار. وتهتم الرياض بشكل متزايد بتعميق مشاركة المملكة في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وجذب المزيد من الاستثمارات الصينية، ووضع المملكة كمركز تجميع للاستثمارات الصينية في أفريقيا. وربما دفعت هذه الزيارة الرياض إلى الاقتراب من إدراج أسهم "أرامكو"، وهو ما تأخر طويلا؛ حيث قد يتم إدراجها في بورصة "هونج كونج" بدلا من نيويورك أو لندن.

وبينما كان "بن سلمان" في بكين، وقع المسؤولون السعوديون والصينيون اتفاقا يتضمن إدخال اللغة الصينية إلى المناهج الدراسية في جميع أنحاء المملكة الخليجية الغنية بالنفط. وتعد هذه الاتفاقية مهمة للغاية في توضيح كيف يرى السعوديون الصين ومستقبل العلاقات الثنائية. وسوف تنجذب الأجيال المستقبلية من السعوديين، الذين يجيدون اللغة الصينية، نحو العمل مع الصين، وليس الولايات المتحدة.

محنة الأويغور

وفي الفترة التي سبقت زيارة "بن سلمان" للصين، كانت مجموعات "الأويغور" العرقية المسلمة المضطهدة في الصين، يحدوها الأمل في أن يتدخل "ولي العهد" لإنهاء محنتهم مع القيادة في بكين. ومع ذلك، وبعد وقت قصير من وصوله إلى بكين، أعرب "بن سلمان" عن تأييده لـ"حملة التطهير الديني" في منطقة "شينغيانغ"، المتمتعة بالحكم الذاتي شمال غرب الصين؛ حيث يتم احتجاز أكثر من مليون مواطن صيني مسلم، معظمهم من أقلية الأويغور في "معسكرات إعادة التثقيف". وقال "بن سلمان" إن "الصين لديها الحق في القيام بأعمال مكافحة الإرهاب من أجل أمنها القومي". وقال الرئيس الصيني "شي جين بينغ" لـ"بن سلمان" إن بكين والرياض يجب أن يعملوا معا "لمنع تسلل وانتشار الفكر المتطرف".

وكانت السعودية تاريخيا، حتى ولو بشكل رمزي في المحافل الدبلوماسية، تدافع عن المسلمين الذين تضطهدهم حكومات غير مسلمة. ويوضح تشجيع "بن سلمان" لسياسات الصين تجاه "الأويغور" كيف يحدد ولي العهد شكل قيادته على المسرح الدولي. ومثلما اقتربت السعودية مؤخرا من (إسرائيل)، دون أي احترام حقيقي لحقوق ومصالح الفلسطينيين، تأتي مقاربة ولي العهد السعودي في العلاقات السعودية الصينية مدفوعة بالسعي وراء المصالح الجيوسياسية الخاصة. وببساطة، ومع الوضع بالاعتبار الفوائد التي قد تعود من التقارب مع الصين بوزنها الجيواقتصادي، كان توجيه انتقادات لحملة القمع التي تنتهجها الصين في "شينغيانغ" خطيرا للغاية من وجهة نظر الحكومة السعودية، في حين كانت إدانة القيادة السعودية لسياسة "القمع" من قبل حكومة ميانمار لـ"الروهينغا" خلال عام 2017 تشير إلى أن "ميانمار" تفتقر إلى مثل ذلك النفوذ على المملكة.

ويوحي صمت المملكة عن محنة "الأويغور" والتصريحات الأخيرة لـ"بن سلمان" عن تصرفات الحكومة الصينية في "شينغيانغ"، بأن بكين اشترت الكثير من الولاء في الرياض. وفي تناقض صارخ مع الحكومات الغربية، لم تنتقد الحكومة الصينية "بن سلمان" في اغتيال "خاشقجي"، وهو ما أعطى ولي العهد حافزا أكبر للرد بالمثل من خلال عدم تقديم أي مطالب للمسؤولين الصينيين بشأن "شينغيانغ".

ومع ذلك، يبقى لدى ملكيات الخليج مخاوف أمنية حقيقية حول المتشددين من الأويغور. فقبل نحو عقد من الزمان، تآمر 2 من الأويغور من شينغيانغ، كانا ينتميان لحركة "تركستان الشرقية الإسلامية"، لتنفيذ هجوم في دبي. ولقد سعيا لاستهداف مجمع التجزئة الصيني "دراجون مارت" بالمتفجرات، التي كانا قد اختبراها بنجاح. وترغب الحركة في زيادة الوعي بمحنة "الأويغور" عبر شن هجمات خارج الصين، لتخويف البلدان التي تتعامل مع الصين لتعتقد بأنها معرضة لحملة العنف التي ترتكبها الجماعة.

الشرعية الإسلامية والعامل التركي

وبينما تشجع المملكة ما أسمته "الحرب على الإرهاب" في شينغيانغ بسبب الرغبة في إقامة علاقة أفضل مع الحكومة الصينية، تواجه المملكة تحديات لشرعيتها كقائدة إسلامية من مصادر أخرى. وقد دعت القيادة التركية الصين مؤخرا إلى استيعاب الأويغور وإنهاء محنتهم. وفي 25 فبراير/شباط، تناول وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" إساءة معاملة الصين لـ"الأويغور" أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، معربا عن دعمه لـ"حق بكين في مكافحة الإرهاب"، لكنه طالب أيضا الحكومة الصينية باتخاذ إجراءات لحماية حرية الدين والهويات الثقافية لمجموعات المسلمين في الصين.

وفي الوقت الذي تتنافس فيه أنقرة والرياض على النفوذ في العالم الإسلامي السني الكبير، يوفر تأييد السعودية المعلن لحملة "مناهضة التطرف" الصينية في شينغيانغ لتركيا أرضية لتحدي "بن سلمان" بشأن الشرعية الإسلامية. وتوضح إدانة الرئيس "رجب طيب أردوغان" للحصار الذي قادته السعودية ضد دولة قطر، على أنه "غير إسلامي"، وتعبيراته عن التضامن مع "الإخوان المسلمين" المصريين في أعقاب الانقلاب المدعوم من السعودية والإمارات عام 2013، توضح الأبعاد الدينية والأيديولوجية لأنقرة، ومنافستها للرياض على النفوذ الإقليمي.

وتدخل السياسة الداخلية أيضا في المعادلة. ولا تشعر القيادة السعودية فعليا بأي ضغط من مواطني المملكة بشأن تحدي حكومة الصين في مثل هذه القضايا، بخلاف تركيا؛ حيث يبقى الرأي العام أكثر تأثيرا في سياسات الحكومة المنتخبة ديمقراطيا. علاوة على ذلك، وبينما يسعى "بن سلمان" إلى دق إسفين بين الصين وإيران، تشير القيادة في الرياض إلى أنه من الحكمة تجنب انتقاد السلطات الصينية بسبب انتهاكاتها للحقوق الأساسية في "شينغيانغ".

النموذج الصيني

ومع كون كل من الصين والسعودية دولا استبدادية، فإن لديهما فهما مشتركا لبعض القضايا التي غالبا ما تضعهما في نفس القارب. وحسب الرواية الرسمية لبكين، تتعلق "حملة إعادة التثقيف" في شينغيانغ بتأمين الصين من تهديد الإسلاميين المتشددين. وعبر التركيز على الاستقرار الاجتماعي، بدلا من حقوق الأفراد، تتعامل الحكومة في بكين مع مسائل الأمن الداخلي بطريقة تتناسب مع اهتمام "بن سلمان" بالحفاظ على النظام في المملكة على حساب حرية التعبير والحريات المدنية للأفراد.

وفي الواقع، تحاول القيادة السعودية تعلم دروس من النظام القانوني الصيني؛ حيث وقعت الرياض وبكين مؤخرا مذكرة تعاون لتبادل المعلومات والخبرات القضائية. وفي عالم تستخدم فيه الحكومات تكنولوجيا المراقبة بشكل متزايد من أجل محاسبة المواطنين على الجرائم، ترى الدول السلطوية، مثل السعودية وغيرها من مشايخ الخليج، أن الحكومة في بكين هي نموذج يحتذى به في العديد من الأمور المتعلقة بسياسات الأمن الداخلي. وتعد الصين، كما قال أحد المحللين، "نموذج أولي مثالي" للمملكة؛ "لأن الناس هناك يختارون الثروة على الحرية".

وعلى الرغم من تضارب المصالح بين الصين والسعودية حول إيران، إلا أن كلتيهما ملتزمتان بالاستفادة من العلاقة التي بدأت تنمو منذ عقود مضت. وحفظ "بن سلمان" جيدا تلك الحكومات التي أدانته بسبب قضية "خاشقجي"، وفي المقابل فإنه سيكافئ الذين دعموه خلال تلك الضجة. علاوة على ذلك، تعد الصين حاسمة لنجاح "رؤية 2030" ومستقبل المملكة؛ حيث تعد الشريك الرئيسي للصادرات في المملكة، مع وصول التجارة السعودية الصينية إلى ما يقدر بنحو 63 مليار دولار في عام 2018. وما دامت هذه العوامل لا تزال قائمة، لن يجد "الأويغور" في "بن سلمان" حليفهم المنشود. فلن تسمح المملكة بأن تتسبب محنة المسلمين المضطهدين في غرب الصين في إلحاق الضرر بالشراكة المتنامية بين الرياض وبكين.

المصدر | جورجيو كافييرو - لوب لوج