الاثنين 26 مايو 2014 09:05 ص

ترجمة: الخليج الجديد

يرى الكاتب أن اقالة «بندر» جائت على خلفية الاخفاق في الملف السوري، ولتهدئة التوتر بين السعودية والولايات المتحدة. لكنّها أيضا تأتي لوضع حد للتراشق السياسي في البلاط الملكي، وسيكون الخلاف المتوقع التالي أغلب الظن بين الأمير «محمد بن نايف» وبين «مقرن». والسؤال هو ما إذا كان الملك «عبدالله»، ابن التسعين، قد ترك منذ الآن وصية تضم اسم الملك التالي.

 

بقلم: تسفي برئيل

المرسوم الملكي الذي أذيع مؤخرا باسم «عبدالله» ملك السعودية اكتفى، كالمعتاد، بتقرير موجز عن "إعفاء بناء على طلبه" لـ«بندر بن سلطان»، من منصب رئيس المخابرات واستبداله بالجنرال «يوسف الإدريسي». ظاهرا، هذا تغيير آخر في المناطق ينفذه الملك في السنتين الأخيرتين. كما أن التفسير هو الاخر عادي ظاهرا، وذلك لأن الأمير«بندر»، 65 عاما، يعاني عدة أمراض. وقد خضع في الأشهر الأخيرة لعلاج طبي في الولايات المتحدة وأمضى بعد ذلك فترة نقاهة في المغرب. ولكن «بندر» الذي عين قبل سنتين فقط في منصبه لم يتطوع للاستقالة ومشكوك أن يكون قد توقع البيان الملكي الذي أنهى، مؤقتا على الاقل، الدراما الجارية في البلاط الملكي منذ سنة.

في نهاية شهر مارس/آذار هبطت طائرة الرئيس «أوباما» في الرياض في محاولة لتحسين العلاقات مع المملكة التي بدأت تبرد منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول عندما كانت المفاوضات بين القوى العظمى الستة وايران في مسألة النووي على وشك الاختراق الذي أدى إلى الاتفاق المرحلي. وقد هزت قصة الغرام الأمريكية – الإيرانية المملكة التي ترى في إيران خصما ومنافسا سياسيا، دينيا وأيديولوجيا، ليس فقط في الشرق الأوسط بل وفي وسط آسيا أيضا.

الأمير «بندر»، ابن من كان ولي العهد، «سلطان» (الذي كان لنحو نصف يوبيل وزير الدفاع في السعودية وقائد الجيش في فترة حرب الخليج الاولى) أصدر عندها بيانا غير مسبوق جاء فيه أن السعودية ستنظر في انعطافة في سياستها تجاه الإدارة الأمريكية. فتأهبت واشنطن، حيث أن «أوباما» على علم جيد بخيبة الأمل السعودية من قراره عدم الهجوم في سوريا في أعقاب استخدام السلاح الكيميائي، كما أنه يعرف الإحباط السعودي من عجز الإدارة في معالجة النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، الإحباط الذي نجح في أن يهدىء قليلا منه بفضل نشاط وزير الخارجية «جون كيري». ولكن تبين للإدارة الأمريكية أغلب الظن أن الأمير «بندر» ينتقد سياستها بالذات على مسمع من الخصوم الجمهوريين، ويشجعهم على مهاجمة سياستها من على كل منصة ممكنة ولا سيما في الكونغرس.

بحسب تقارير في السعودية، كان الرئيس «أوباما» هو الذي طلب من الملك إقالة بندر من منصبه كي يهديء الالتهاب الذي اشتعل في علاقات الدولتين.

«بندر»، الذي خدم سفيرا للسعودية في واشنطن 22 سنة، وعاد الى وطنه في العام 2005  كان دوما رجل «بوش»– الاب والابن. بل إنه في واشنطن حظي بلقب "بندر بوش". وبين عائلة «بوش» والأسرة المالكة نسجت على مدى السنين علاقات تجارية واسعة ومنفعة متبادلة، شخصية وسياسية، جعلت السفير الملياردير وجه السعودية في الولايات المتحدة. وتمتعت السفارة السعودية في عهد ولايته بحماية دائمة من الجهاز السري، وكان لـ«بندر» قدرة وصول حرة في كل وقت الى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. وعندما وقعت عمليات 11 ايلول، كان «بندر» هو الذي نجح، بخلاف موقف مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، في نيل إذن خاص لنقل الطلاب السعوديين الى المملكة في الوقت الذي حل فيه حظر طيران في كل الولايات المتحدة. زوجة «بندر»، الأميرة «هيفاء»، اشتُبه بعلاقتها مع الوسيط ورجل الأموال اللذين عملا في خدمة القاعدة، لكن التحقيق توقف.

انتخاب «أوباما» لم يجمد العلاقات بين العائلتين، لكن البيت الأبيض أصبح غرضا مشبوها. ورغم أن التجارة بين الولايات المتحدة والسعودية تطورت، والسعودية التي تحتفظ بأرصدة عملة صعبة بنحو 650 مليار دولار، استثمرت مالا طائلا في سندات الدين الأمريكية، أثارت سياسة «أوباما» في الشرق الاوسط قلقا بلغ ذروته في ثورة 25 يناير في مصر. واعتبر تأييد «أوباما» غير متحفظ لحركات الاحتجاج ودعوته «مبارك» الى ترك كرسيه، في نظر السعودية كخيانة سواء على المستوى الشخصي أم على المستوى الأيديولوجي. ثورة أنصار الديمقراطية التي من شأنها أن تنتقل الى دول الخليج، هي آخر ما يتمناه الملك.

بعد أربعة أيام من بدء المظاهرات في مصر، حذر «عبدالله» «أوباما» من الضغط على «مبارك» للاعتزال، وطلب السماح له بأن يشرف على إجراءات التحول الديمقراطي في الدولة وأن يعتزل بعد ذلك فقط. وتعهد «عبدالله» أيضا بأنه اذا ما أوقفت الولايات المتحدة مساعدتها لمصر فان السعودية ستملأ مكانها. وتعاظم الضغط السعودي عندما حظي الاخوان المسلمون في الانتخابات الأولى للبرلمان المصري بعد الثورة بأغلبية بل وأكثر من ذلك عندما فاز «محمد مرسي» بالسباق الرئاسي. وسُمعت المدائح التي أطلقتها الإدارة الأمريكية في حينه عن المسيرة الديمقراطية في مصر بمثابة شتيمة في آذان السعودية. ويعد التأييد الأمريكي لحكم الاخوان المسلمين دعوة تشجيع للإسلاميين في المملكة والذين تدور ضدهم منذ بضع عشرات السنين معركة ضروس مضرجة  بالدماء والضحايا.

تنفست السعودية الصعداء عندما عزل «مرسي» في يوليو/تموز 2013 واستولى الجيش على الحكم، ولكن التلوي الأمريكي وموقف الكونغرس والإدارة ضد ما اعتبر بشكل غير رسمي انقلابا عسكريا، وحررت كل كوابح الإعلام السعودي حين غمر هذا المجال العام العربي بانتقاد لاذع للرئيس الأمريكي «باراك أوباما».

وبينما الخلاف مع واشنطن هو كالزيت في عظام «بندر»، فإن الجدال في البيت الأبيض بدأ يكثف السحب من فوق رأسه. «بندر»، كرئيس للمخابرات كان مسؤولا أيضا عن سياسة السعودية في سوريا. وكان هو الذي وجه المملكة نحو موقف حازم طالب بالتدخل العسكري، العربي والدولي. ومارس ضغطا سعوديا على الأردن كي يكون ليس فقط قاعدة لتدريب الثوار بل ومنطلق لهجوم عسكري ضد نظام «الأسد». ووجد «بندر» مصادر تسليح في أوكرانيا ودول اخرى، ونقل تمويلا سخيا لجماعات الثوار.

لكن في ذات المعركة شجع أيضا متطرفين سعوديين للخروج الى الجهاد ضد «الأسد». وطور في سوريا بعضا من الميليشيات المتطرفة التي يرتبط بعضها بعلاقات طيبة مع القاعدة. ونال «بندر» بالفعل اسنادا من الملك، ولا سيما أنه وعده بقرب هزيمة «الأسد».

أثارت رعاية الثوار السعوديين قلقا عميقا في قلب وزير الداخلية شديد القوة، الامير «محمد بن نايف»، الذي كان أبوه وزير الداخلية وقبل أن يموت كان أيضا بين المرشحين لخلافة الملك «عبدالله». «محمد»، مثل أبيه، أدار صراعا لا هوادة فيه ضد المنظمات المتطرفة في السعودية بل ونجح بقدر واضح في تقليص “الإرهاب الإسلامي” في الدولة لدرجة أن قيادة القاعدة السعودية اضطرت الى الهجرة وإقامة قاعدة لها في اليمن.

يتمثل تخوف «محمد بن نايف» في أن يعود أولئك السعوديون الذين يقاتلون في سوريا إلى وطنهم ليبثوا روح الحياة في "الإرهاب الاسلامي". وطالب بالكف عن إرسال المتطوعين بل وأصدر أمرا يحظر على أبناء السعودية الخروج الى الحرب في سوريا.

هكذا اصطدم جبهويا مع «بندر» – وانتصر. في شهر فبراير/شباط قرر الملك نقل “ملف سوريا” من يد «بندر» الى يد «محمد» الكفيل هو نفسه أن يكون المرشح لخلافة الملك. وفي نفس الوقت عين «عبدالله» الأمير «مقرن»، الابن الأخير للملك «عبدالعزيز»، ولي عهد لولي العهد الأمير «سلمان» المريض بـألزهايمر. كان «مقرن» هو رئيس المخابرات الذي حل «بندر» محله في يوليو/تموز 2012، التغيير الذي نبع أيضا من الإخفاق في إدارة السياسة السعودية في سوريا.

يبدو «مقرن» في هذه اللحظة بأنه المرشح المتصدر للخلافة، وإبعاد «بندر» يأتي لتهدئة تراشق الضربات السياسية في البلاط الملكي. وسيكون الخلاف المتوقع التالي أغلب الظن بين الأمير «محمد» وبين «مقرن»، والسؤال هو ما إذا كان الملك ابن التسعين قد ترك منذ الآن وصية تضم اسم الملك التالي.

ستكون هذه هي المرة الاخيرة التي يقرر فيها الملك خليفته. فالملك التالي سيضطر الى التشاور والى أن يحصل على تخويل لجنة البيعة التي تضم 35 عضوا، وكلهم من أبناء العائلة الملكية.

يمكن لواشنطن على الأقل أن تكون هادئة؛ فمعارضيها في البلاط الملكي قلوا، ويبدو أن الملك أيضا يفحص حلم اسقاط «بشار الاسد» بعينين مفتوحتين. وهي الآن تنتظر أيضا الخليفة آملة بأن يكون هذا هو الامير «محمد»، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة بها واصبح رجل سر «أوباما». ■

المصدر: هآرتس – 20/4/2014