الجمعة 17 مايو 2019 07:05 ص

مر عام كامل على نقل الولايات المتحدة سفارتها من تل أبيب إلى القدس، كما مر 71 عاما على يوم النكبة الذي يوافق ذكرى قيام دولة (إسرائيل) عام 1948 ونفي 700 ألف فلسطيني على الأقل من وطنهم. ويتوافق ذلك مع مرور شهر واحد على إعادة انتخاب "بنيامين نتنياهو" لولاية خامسة لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهو حدث يصبح معه حلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة بعيدًا أكثر من أي وقت مضى.

ويعد "نتنياهو" أطول القاعدة حكما في تاريخ (إسرائيل)، وقد نجح في الحصول على الأغلبية اللازمة للبقاء في السلطة لفترة أخرى. وكان ذلك خبرا سيئا للفلسطينيين حيث قالت المتحدثة باسم السلطة الفلسطينية "حنان عشراوي" إن "الإسرائيليين اختاروا ترسيخ وتوسيع نظام الفصل العنصري". فيما قال كبير المفاوضين الفلسطينيين "صائب عريقات"، إن "(إسرائيل) قالت لا للسلام ونعم للاحتلال".

تلاشى الأمل

وقد تخلى "نتنياهو" منذ فترة طويلة عن المفاوضات الثنائية وعملية أوسلو للسلام التي طال أمدها، وعن إمكانية حل الدولتين. وقبل 3 أيام من الانتخابات، كان أكثر صراحة عندما وعد للمرة الأولى بضم جميع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة.

وسيؤدي هذا الإجراء إلى تقسيم المنطقة إلى خليط من المدن والبلدات الفلسطينية المفصولة بشبكة من المستوطنات الإسرائيلية. على الرغم من أن سفير (إسرائيل) لدى الأمم المتحدة صرح أن حكومته لن تضم مدن الضفة الغربية، إلا أن الخطة الإسرائيلية تكمن في قطع الأراضي الفلسطينية وتطويقها، مما يجعل الدولة الفلسطينية مستحيلة فعلياً.

وسيؤدي ذلك حتما إلى تعزيز سيطرة (إسرائيل) على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة دون منحهم حقوقاً متساوية. وقد يكون هذا أيضًا بداية لضم كامل وتأكيد لدولة الفصل العنصري الإسرائيلية الكاملة وغير الديمقراطية.

في الوقت الحالي، يبدو أن المسؤولين الفلسطينيين ليس لديهم وسائل عملية لمنع هذا الضم. وفي حين احتفل أنصار "نتنياهو" بتاج "الملك بيبي" الجديد، إلا أن إعادة انتخابه أصابت العديد من الفلسطينيين بموجة من اليأس. فأولئك الذين تحملوا عقوداً من التقييد والعنف والتمييز مقابل وعود السيادة يجدون أنفسهم مجبرين على التفكير في مستقبل دون دولة فلسطينية.

المزيد من الشيء نفسه

ورغم ذلك لم يكن فوز "نتنياهو" مفاجئًا تمامًا. ولا يمكن للفلسطينيين البالغ عددهم نحو 5 ملايين في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة التصويت لاختيار القادة الإسرائيليين الذين يقررون مصير حياتهم إلى حد كبير. ويستطيع المواطنون الفلسطينيون في (إسرائيل)، الذين يشكلون 20% من السكان، التصويت، لكن حكومة "نتنياهو" سعت إلى قمع إقبالهم المتدني أصلاً.

وكما كتبت الباحثة "هنا الشيخ": "لا يبدو أن هناك وسيلة مقبولة لمطالبة الفلسطينيين بالحقوق السياسية وحقوق الإنسان.. هناك شعور واسع النطاق بأن الانتخابات الإسرائيلية لا تحدث فرقًا كبيرًا في حياتهم".

وكان القائد السابق للجيش الإسرائيلي "بيني غانتز"، منافس "نتنياهو" الرئيسي على مقعد رئاسة الوزراء. وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، كان المرشحان وجهان لعملة واحدة، حيث قال المسؤول الفلسطيني البارز "نبيل شعث" إن "التنافس بين الأطراف الإسرائيلية كان حول من يمكنه قمع الفلسطينيين أكثر". ولعب "غانتز" لعبة وعد الإسرائيليين "بالأمن"، متفاخرًا بإمكانية قصف غزة مرة أخرى وإعادتها "إلى العصر الحجري" كما فعل خلال فترة ولايته كقائد عسكري.

أقصى اليمين

فاز حزب الليكود بزعامة "نتنياهو" بمقعد واحد فقط أكثر من حزب "غانتس" وهو تحالف "الأزرق والأبيض" لكن الكتلة اليمينية اكتسبت أغلبية بفارق 10مقاعد. وفي حين لم يفز أي حزب لوحده بأغلبية مطلقة في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، لذلك فإن بناء التحالفات يعد حيويا لتشكيل الحكومة.

وعلى الرغم من أنه يميني بالفعل، فقد أمضى "نتنياهو" حملته في محاولة اجتذاب لفصائل الأكثر تطرفًا، بما في ذلك حزب القوة اليهودية العنصري وهو حزب متطرف مناهض للعرب ومصنف كمنظمة إرهابية أمريكية.

ومن المحتمل أن يكون رئيس الوزراء، الذي يواجه 3 تهم بالفساد، قد وعد بضم الضفة الغربية مقابل الحماية القانونية من حلفائه في اليمين. وتجعل هذه الصفقة السيادة الفلسطينية، أو حتى الحقوق الأساسية للفلسطينيين بعيدة المنال.

تلاشى الدعم للفلسطينيين

وعلى الرغم من أن ضم الضفة يعد خطوة عدوانية، فإنها ربما تحظى بدعم من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، فيما أشاد "نتنياهو" بنفسه بسياسات "ترامب" بشأن القدس ومرتفعات الجولان وتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

ووعد سفير (إسرائيل) لدى الأمم المتحدة بأن قرار جديد بضم الأراضي سينتظر حتى تصدر إدارة "ترامب" خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية في الأشهر القليلة المقبلة. لكن رئيس الوزراء الجديد للسلطة الفلسطينية، "محمد اشتية"، قال إن أي خطة تستثني القدس من فلسطين ستكون "ميتة من البداية" ولن تتلقى أي دعم فلسطيني.

وتضاءل دعم الدولة الفلسطينية داخل (إسرائيل) بوضوح. وبالكاد ناقشت الأحزاب الإسرائيلية اليسارية قضية الدولة الفلسطينية في حملاتها. وفاز حزب "ميرتس"، المعارض الصريح للاحتلال، بـ 4 مقاعد فقط.

ولدى أحزاب (إسرائيل) العربية الأربعة الآن 10 مقاعد فقط .

وتتخلى العديد من الدول العربية عن التزامها تجاه الدولة الفلسطينية، وتعزز علاقاتها مع "نتنياهو" بدلا من ذلك.

مجتمع منقسم

وأعرب رجل فلسطيني لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن أسفه أن المجتمع الفلسطيني الذي دمرته عقود من الصراع مع احتمالات قاتمة، منقسم على نحو خطير، وأن فجوات الثروة آخذة في الاتساع، وأن أنصار "فتح" و"حماس" في صراع مع بعضهم البعض، ولا يوجد إجماع حول كيفية المضي قدماً. وقال: "لقد فقدنا تماسك نسيجنا الاجتماعي".

ويناقش الفلسطينيون داخل العائلات بين قبول السيطرة الإسرائيلية وبين القتال من أجل دولة ذات سيادة. 

ولا يشعر الشباب الفلسطيني بالتمثيل ولكنهم لم يتحدوا في ظل حركة سياسية لها مطالب واضحة. ويخشى بعض الشيوخ الفلسطينيين من أن تؤدي المزيد من القيود في ظل حكم "نتنياهو" إلى انتفاضة ثالثة، تكرر الانتفاضات العنيفة السابقة التي خلفت العديد من القتلى.

لكن لا يزال هناك أمل لدى الكثير من الفلسطينيين أن يتوحد الشعب الفلسطيني أخيرا لمواجهة خطط "نتنياهو".

وبعد أيام من الانتخابات الإسرائيلية، شكلت السلطة الفلسطينية حكومة جديدة. وقال رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس": "لدينا العديد من المهام الصعبة والمعقدة.. سنبقى صامدين وسنقاوم الاحتلال بكل الوسائل المشروعة لإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967".

ومع ذلك، مع قوة "نتنياهو" التي عززتها نتائج الانتخابات الإسرائيلية وبدعم الولايات المتحدة الثابت، أصبح الحلم الفلسطيني بدولة مستقلة أبعد من أي وقت مضى.

المصدر | سباستيان بوكنيت - إنسايد أرابيا