الثلاثاء 9 يوليو 2019 07:48 م

في نهاية شهر مايو/ أيار، صدم رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" الإسرائيليين بدعوته لإجراء انتخابات عامة جديدة بعد فشله في تشكيل ائتلاف حكومي. وعلى الرغم من فشلها في الفوز بأغلبية في انتخابات أبريل/ نيسان، فلم يكن يبدو أن أحزاب المعارضة الإسرائيلية في الوسط واليسار كانت تريد إعادة الانتخابات حيث صوت معظم المشرعين المعارضين ضد الانتخابات الجديدة.

ومن المفارقات، أن الأحزاب اليمينية، التي حصلت على 65 مقعدًا (من إجمالي 120)، هي التي صوتت للإعادة حيث إنهم يعتقدون بوضوح أنهم يمكن أن يحصلوا على نتيجة أفضل. و

قد يكونون على حق فلأكثر من عقد من الزمن، أظهرت الاستطلاعات مرارًا وتكرارًا أن الناخبين من الوسط واليسار يشكلون أقل من نصف الناخبين الإسرائيليين. وفي استطلاع للرأي أجري قبل انتخابات أبريل/ نيسان، قال 41% من الناخبين بأنهم ينتمون إلى الوسط أو اليسار، بينما وصف 50% أنفسهم على أنهم يمينيون. ويشمل ذلك المواطنين العرب الفلسطينيين في (إسرائيل)، الذين يشكلون حوالي 20% من السكان ويصوتون في الغالب للأحزاب العربية أو اليسارية، ولكن نسب تصويتهم أقل بكثير من اليهود. لذلك، تعكس نتائج الانتخابات عمومًا الميل اليميني للناخبين الإسرائيليين اليهود.

باختصار، لا يوجد عدد كاف من ناخبي الوسط واليسار ليحلوا محل الائتلاف الحاكم لـ"نتنياهو". وحتى الموجة الصغيرة من النشاط بين معسكر المعارضة، مع العودة الأخيرة لرئيس الوزراء السابق المنتمي لحزب العمل "إيهود باراك"، والانتخابات الداخلية التي جلبت قادة جدد إلى كل من حزبي العمل وميرتس اليساريين، وإعادة توحيد اثنين من الأحزاب العربية، لن تجلب هذه الموجة إلا القليل من التغيير لأن ما سيحدث في الانتخابات المقبلة سيعتمد بالدرجة الأولى على الناخبين اليمينيين.

لكن التنبؤ بما سيفعله هؤلاء الناخبون هو أمر صعب حيث تدفع الانتخابات الإسرائيلية بشكل روتيني الأحزاب إلى الظهور والاندماج والانقسام والانهيار، مما يولد الكثير من أوجه عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بأي شيء بشكل موثوق قبل الموعد النهائي لوضع اللمسات النهائية على قوائم الأحزاب في 2 أغسطس/ آب. ولكن أفضل مكان للبدء هو تحديد معضلات الناخبين اليمينيين والأحزاب اليمينية.

معضلة اليمين

تعد معضلة اليمين الأولى معضلة استراتيجية، حيث أن 59% من البالغين اليهود يعتبرون من الجناح اليميني. ولكن يوجد عدد كبير من الأحزاب تمثل هذه الشريحة من الناخبين، ففي انتخابات أبريل/ نيسان تنافست ثمانية أحزاب يمينية مختلفة في الانتخابات أربعة منها كانت أحزاب دينية بشكل صريح، بما يشمل حزبين متشددين من الحريديم هما حزب شاس وحزب يهودية التوراة، وحزبين يمثلان الناخبين المتدينين غير الحريديم، وهما اليمين المتحد واليمين الجديد.

وتم إنشاء هذا الحزب الأخير من قبل وزيرين سابقين من حكومة "نتنياهو" هما "نفتالي بينيت" و"أيليت شاكيد"، اللذين انفصلا عن اليمين المتحد وقد طردهما "نتنياهو" من حكومته المؤقتة بعد فترة وجيزة من الدعوة لإجراء انتخابات جديدة. وكان لدى اليمينيين الأقل تدينا ثلاثة خيارات: ليكود نتنياهو؛ أو حزب كولانو، الذي أنشأه وزير المالية السابق "موشيه كحلون" عام 2015 (ويجذب كولانو أصواتا من الوسط أيضًا)؛ وأخيرا حزب إسرائيل بيتنا بزعامة وزير الدفاع السابق "أفيغدور ليبرمان"، وهو حزب يميني علماني يعتمد على قاعدة المهاجرين السوفيت الأكبر سنا. وقد تم تأسيس الحزب الثامن، زيهوت، من قبل موشيه فيجلين غريب الأطوار، الذي يؤيد تشريع الماريجوانا، والسياسات الاجتماعية التحررية، وخطة القومية الدينية المتطرفة لنقل الحكومة إلى ما يعرف بـ" جبل الهيكل"، أي الحرم القدسي، أكثر المواقع الدينية المتنازع عليها في المنطقة.

والآن يشعر الإسرائيليون اليمينيون من جميع المشارب بالتفتت السياسي فيما يتوقع كثيرون أن تتحد الأحزاب الصغيرة بحلول 2 أغسطس/ آب.

تسبب وجود كل هذه الخيارات في تفتيت الكتلة اليمينية في انتخابات أبريل/ نيسان، وأيد تكتل واضح من الناخبين اليمينيين حزب الليكود، الذي حصل على 35 مقعدًا، أي أكثر بحوالي 5 مقاعد من انتخابات عام 2015.

وفشل كل من زيهوت واليمين الجديد في تحقيق الحد الأدنى - 3.25%- اللازم لدخول الكنيست، حيث أهدر كل منهما أكثر من 100 ألف صوت، أو ما يعادل سبعة إلى ثمانية مقاعد مجتمعين. ولو فازت أحزاب يمينية أخرى بهذه الحصة لكان طريق "نتنياهو" أسهل في تشكيل ائتلاف.

يسعى الإسرائيليون اليمينيون من كل المشارب الآن لتجنب هذا التفتت ويتوقع الكثيرون أن تتحد الأحزاب الأصغر بحلول 2 أغسطس/ آب. لكن التغيير الوحيد حتى الآن صب في اتجاه المزيد من التشرذم، حيث انسحب فصيل واحد من قائمة اليمين المتحد المكونة من ثلاثة أحزاب من الأحزاب اليمينية حتى الآن.

ولا يعد اليمين نفسه متجانسا أيضا. وتعكس الانتخابات جملة من القضايا المختلف عليها بين اليمنيين المتشددين واليمينيين المعتدلين. ويُعرّف المعتدلون على أنهم علمانيون وأنهم أكثر التزامًا إلى حد ما بالقيم الديمقراطية الليبرالية، مثل الفصل بين الدين والدولة، وإن كان بدرجة أقل من الوسط واليسار. ويميل اليمين بشقيه إلى اتخاذ مواقف متشددة في قضايا الأمن ومستقبل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني حيث ترفض الغالبية العظمى من اليمينيين حل الدولتين ويدعمون المستوطنات.

وأسقط "ليبرمان" مفاوضات تشكيل الائتلاف الحاكم من خلال الإصرار على قانون كان من شأنه أن يجند الحريديم المتطرفين في الجيش، بعد أن تمتعوا بشكل أساسي بإعفاء شامل لعدة عقود. وأصبحت هذه القضية رمزا لرغبة العديد من الإسرائيليين في كسر قبضة الحريديم والمؤسسات الدينية اليهودية على الحياة العامة.

ويعتمد "ليبرمان" على هذه القضية للفوز بأصوات اليمينيين العلمانيين، بعيدا عن قاعدة دعمه التقليدية من اليهود الناطقين بالروسية. وتبقى مشكلة "ليبرمان" هي أن القليلين يعتقدون أن موقعه يصدر عن التزام أيديولوجي حقيقي، كما أن "نتنياهو" قام بمغازلة اليمينيين العلمانيين بتعيين وزير عدل مؤقت من المثليين. وتعد تلك سابقة في (إسرائيل) وكانت بمثابة تنكر لزعيم بارز من اليمين المتحد، وهو "بيزاليل سموتريتش" الذي كان يتطلع لهذا المنصب وهو معاد للمثليين جنسياً، وهي قضية أخرى تثير الانقسام داخل صفوف اليمين.

أزمة نتنياهو

يهتم اليمينيون مثلهم مثل جميع الإسرائيليين بالاقتصاد وبتكاليف المعيشة. وعلى الرغم من مستويات عدم المساواة يفخر ناخبو "نتنياهو"، حتى أولئك الذين يعانون شخصياً، بالمؤشرات الاقتصادية القوية في البلاد. وفي الحملة الجديدة، أعاد الليكود استقطاب "كولانو"، منافسه الرئيسي من الكتلة اليمينية في الموضوعات الاقتصادية، والآن يمكن لـ"نتنياهو" أن يطرح كل من إنجازاته الاقتصادية وسمعة السياسة الخارجية التي لا تضاهى لحشد الناخبين اليمينيين مرة أخرى.

ورغم ذلك، من المتوقع أن تخلط لائحة الاتهام الوشيكة التي وجهت لـ"نتنياهو" بتهم الفساد كل شيء. لكن بالنسبة للناخبين اليمينيين، فإن هذه النقطة هي موضع نقاش كبير. ووفقًا لمؤشر الديمقراطية الإسرائيلية لعام 2018، فإن أنصار اليمين أقل اهتمامًا بالفساد من جميع الناخبين الآخرين. ويجادل قادة الرأي من اليمين بلا هوادة بأن وسائل الإعلام والقضاء اليسارية (المفترضة) تضطهد "نتنياهو" والحكومة اليمينية لأنها لا تستطيع الفوز في صناديق الاقتراع. وتؤيد غالبية الناخبين اليمنيين إلغاء سلطة المحاكم على مراجعة التشريعين، وهي على سبيل المثال، خطوة يعتبرها تيار الوسط واليسار كارثية. ومع ذلك، فإن القضية هي الأخرى تقسم معسكر اليمين.

وهذا يترك القضية الدائمة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث يتبنى الجناح اليميني قناعات مختلفة تمامًا عن الإسرائيليين الوسطيين واليساريين. وهم لا يرون أي جدوى حل الدولتين ويعد الضم هو رؤيتهم لحل النزاع. وقبل أيام من انتخابات أبريل/ نيسان، أعلن "نتنياهو" عن عزمه ضم جميع المستوطنات، مغازلا الناخبين من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي طالبت بتمديد السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية لسنوات. ومع زيادة نفوذ الأحزاب الدينية الوطنية - جميعها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحركة المستوطنين - من المرجح أن يقود ذلك "نتنياهو" لتسريع السباق الخطابي نحو الضم.

ليس هناك شك في أن "نتنياهو" أصبح أكثر عرضة للفشل من أي وقت مضى، بعد فشله المذهل في تشكيل حكومة واتهامات الفساد التي تلوح في الأفق. ومع ذلك يبقى هو الرجل الذي فاز. ورغم موجة النشاط الأخير في الوسط واليسار، لم تستطع أحزاب المعارضة حتى الآن تغيير الهيكل السياسي وإعادة تشكيل الناخبين لصالحها، ولا تزال الاحتمالات ضدها. ولا يزال بإمكان "نتنياهو"، سيد السياسة الإسرائيلية، أن يحقق انتصارا آخر. لكن حتى ذلك الحين، فإن مشاكله القانونية - أو المزيد من مفاجآت المفاوضات الائتلافية - قد تضمن أن تكون انتصاراته قصيرة الأجل.

المصدر | فورين أفيرز