الثلاثاء 28 مايو 2019 01:05 ص

في كل العالم، يأتي شهر رمضان المبارك بأجواء احتفالية وشعائرية للمسلمين، لكن في الصين، يجلب رمضان الحالي المزيد من المعاناة للمسلمين الذين يتعرضون بالفعل لضغوط لا هوادة فيها.

ويقول ناشطون إن السلطات الصينية تجبر أعضاء جماعة أقلية "الإيغور" المسلمة على تناول الطعام والشراب قبل غروب الشمس، في انتهاك للقواعد الإسلامية لشهر رمضان، مع التهديد الضمني بالعقاب إذا لم يفعلوا ذلك.

وقال "دولكان عيسى"، رئيس "مؤتمر الإيغور العالمي"، وهو منظمة للدفاع عن "الإيغور" مقرها ميونخ: "إنه أمر محزن، وهو إهانة لكرامتنا".

ووصف "دولكان" كيف تم إجبار المطاعم التي يديرها المسلمون في منطقة "شينجيانغ" الصينية الغربية على فتح أبوابها خلال اليوم، وكيف يتعرض عمال "الإيغور" للمضايقة لإجبارهم على تناول الطعام والشراب أثناء استراحات الغداء في أماكن عملهم التي يديرها الصينيون.

ويقول: "كيف يمكن لأي شخص أن يرفض؟".

الصمت السعودي

لكن الدول ذات الغالبية المسلمة ظلت صامتة تقريبا، على ما يبدو كجزء من السياسات المحسوبة لتجنب غضب الصين، على الرغم من الإدانات واسعة النطاق من جانب الغرب وجماعات حقوق الإنسان للتمييز العرقي ضد مسلمي الإيغور.

وعلى النقيض، قدمت المملكة العربية السعودية، التي تتمتع بنفوذ اقتصادي وديني في العالم الإسلامي، الكثير من المدح للصين.

ويحمل ملك السعودية لقب "خادم الحرمين الشريفين"، في إشارة إلى أقدس موقعين في الإسلام، والمملكة هي أيضا قطب اقتصادي مهم في الشرق الأوسط، ويساعد نفطها في تعزيز نمو الصين.

وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الصيني "شي جين بينغ" هذا الشهر، قال العاهل السعودي الملك "سلمان" إن المملكة "مستعدة لتعزيز التبادلات مع الصين على جميع المستويات"، حسبما ذكرت وكالة أنباء "شينخوا".

وتغاضى نجل الملك وولي العهد "محمد بن سلمان"، الحاكم الفعلي للمملكة، عن الحديث عن معاملة الصين للمسلمين الإيغور عندما زار الصين هذا العام.

ونقلت وسائل الإعلام الصينية عن "بن سلمان" قوله: "إننا نحترم ونؤيد حقوق الصين في اتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الإرهاب والتطرف لحماية أمنها القومي".

ويوجد ما يصل إلى 3 ملايين مسلم من عرقية "الإيغور" مسجونين في معسكرات اعتقال ضخمة في شينجيانغ، حسب تقدير مسؤول في البنتاغون مؤخرا.

وتقول الحكومة الصينية إن هذه المعسكرات عبارة عن مراكز "تدريب مهني" تهدف إلى القضاء على الإرهاب.

ويقول أفراد أسر المعتقلين، والحكومات الغربية، والمدافعون عن حقوق الإنسان، إنها محاولة منهجية لقمع الأقلية العرقية والدينية و"نزع إسلامها".

ويتم إجبار الرجال على حلق لحاهم، ويتم حظر ارتداء النساء للحجاب، ويجري تدمير المساجد، وتخضع مدن بأكملها للمراقبة على مدار الساعة، وزادت الانتهاكات في رمضان هذا العام.

الضغط الصيني

ويعد قبول السعودية للأمر ثمرة لحملة لا هوادة فيها من جانب الصين لمنع أي انتقاد من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

وخلال الأشهر الـ6 الماضية، ركزت الحملة على أعضاء منظمة التعاون الإسلامي، وكانت الحملة قوية للغاية، حيث ضمت مجموعة من الدبلوماسيين الصينيين وشملت الإغراءات الاقتصادية والتهديدات، حتى إن بعض الدول الأعضاء في المنظمة، البالغ عددها 57 دولة، اعتبرت معسكرات الاعتقال الصينية مسألة أمنية وطنية، وفقا لأشخاص مطلعين على جهود الضغط التي تبذلها بكين.

واعتمدت الصين بشدة على السعودية، وحليفها الرئيسي والمؤثر الإمارات العربية المتحدة، ووجهت نداءات مباشرة إلى قيادات هذين البلدين، وراهنت على أنهم سيكونون قادرين على المساعدة في التأثير على الدول الإسلامية الأخرى.

وسلط موقف السعودية الضوء على التحولات المثيرة في سياسات المملكة تحت قيادة ولي العهد، الذي سعى لمواجهة المحافظين الدينيين السعوديين أو تحييدهم، ويسعى "بن سلمان" إلى صياغة هوية سعودية جديدة تميل إلى القومية أكثر من الدين.

وفي الممارسة العملية، كان هذا يعني التخلي عن بعض سياسات المملكة القديمة، بما في ذلك دورها القيادي في إدانة كراهية الإسلام والتمييز ضد الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم.

ولم تكن السعودية وحدها التي قللت من محنة الإيغور، فقد كانت الدول الأخرى ذات الأغلبية المسلمة، بما في ذلك باكستان وإيران ومصر، هادئة بشكل واضح.

لكن محللين قالوا إن صمت السعودية كان أكثر بروزا، بالنظر إلى ادعاءاتها التقليدية بالزعامة في العالم الإسلامي.

وقال "جون كالابريس"، مدير مشروع الشرق الأوسط وآسيا في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: "يعد أحد أركان الشرعية السعودية هو أن السعوديين هم الأوصياء على الأماكن المقدسة، ويتوقع الآخرون منهم أن يتخذوا موقفا منحازا لمصالح المسلمين بسبب هذا".

وتعد الصين حساسة بشكل خاص لرد فعل الدول ذات الأغلبية المسلمة، وفقا للدبلوماسيين في بكين.

وقال دبلوماسي مقيم في بكين تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: "تشعر العديد من الدول الإسلامية بالقلق إزاء هذا، لكنهم يخشون أن يأخذوا زمام المبادرة"، حيث من المحتمل أن يعرضوا مليارات الدولارات المحتملة من الاستثمارات الصينية للخطر.

وتنفق الصين 200 مليار دولار عبر 60 دولة من خلال برنامجها العالمي للبنية التحتية المعروف باسم "الحزام والطريق"، وتعد الدول الإسلامية من بين المستفيدين.

وتقوم الصين ببناء خط سكة حديد ومشروعات تطوير عقاري في ماليزيا، وخط قطار فائق السرعة في إيران، وموانئ ومحطات للطاقة في إندونيسيا، كما أبدت مصر والعراق حماسا للمشاركة في مشاريع "الحزام والطريق".

الخطة تجدي

وتجدي تلك الاستراتيجية بالنسبة للجزء الأكبر من البلدان المسلمة.

وادعى رئيس وزراء باكستان، "عمران خان"، مرتين في مقابلات إعلامية، عدم معرفة أي شيء عن وضع المسلمين في الصين، وفي إندونيسيا، قالت الحكومة علنا إنها "لن تتدخل" في "الشؤون الداخلية للصين".

وبعد فترة من الصمت انتقدت الحكومة التركية علنا في فبراير/شباط "التعذيب وغسل العقول" في مراكز التلقين، ودعت الصين إلى إغلاقها، ويعد "الإيغور" شعبا ذا أصول تركية.

وفي حين لا تحتاج السعودية الغنية بالنفط إلى الصين لبناء الطرق ومراكز المؤتمرات، لكن هناك الكثير مما يربط الدولتين.

وقال "دون ميرفي"، الأستاذ المساعد في دراسات الأمن الدولي إن "الاهتمام الأساسي الأول للسعودية هو الاقتصاد، أي بيع النفط".

وتعد الصين أكبر مستورد للنفط السعودي في العالم، حيث تفوقت على الولايات المتحدة عام 2009، واشترت الصين منتجات بقيمة 46 مليار دولار من المملكة في عام 2018، وهو العام الذي زادت فيه التجارة الثنائية الإجمالية بنسبة 33% وصولا إلى 63 مليار دولار.

لكن السعودية تعد أيضا سوقا حرجة للصين، وهي أكبر سوق في الشرق الأوسط للسلع الصينية والخدمات التعاقدية مثل البناء. 

وأصبحت العلاقة الاقتصادية بين البلدين أكثر عمقا منذ تولي "شي جين بينغ" الحكم عام 2013، وفي عام 2016، قامت الصين والسعودية بترقية علاقتهما إلى "شراكة استراتيجية شاملة".

وتتلاءم مبادرة "شي"، الحزام والطريق، لبناء البنية التحتية والنفوذ في جميع أنحاء العالم مع رؤية ولي العهد الطموحة "رؤية 2030"، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي.

ويوجد بين البلدين أيضا حالة من التعايش السياسي، وقال "ميرفي" إن الصين لديها سياسة رسمية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهذه "قيمة مشتركة" مع النظام السعودي.

وتم اختبار علاقة السعودية التقليدية مع الولايات المتحدة بشكل ملموس بعد مقتل "جمال خاشقجي"، كاتب العمود في صحيفة "واشنطن بوست"، الذي تم قتله داخل القنصلية السعودية في إسطنبول العام الماضي، وقالت تركيا وآخرون إن القيادة السعودية لها دور في إصدار الأمر بقتل "خاشقجي".

وقالت "وين بينغ"، الباحثة في معهد دراسات غرب آسيا وأفريقيا في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إن وجود علاقة أقوى مع الصين قد يساعد المملكة في التغلب على العزلة الدبلوماسية المتزايدة، ويساعد في إعادة تأهيل صورتها بعد قتل "خاشقجي".

وكتبت في صحيفة "غلوبال تايمز": "يمكن للرياض أيضا إعادة تأسيس نفوذها في جميع أنحاء العالم، والتغلب على المعضلات الدبلوماسية والأمنية الناجمة عن افتقار الثقة بالولايات المتحدة".

وقال محللون إن الرياض تقدر صمت بكين بشأن مقتل "خاشقجي"، خاصة وسط الاحتجاجات من قوى عالمية أخرى.

وأوضحت بكين أنها لا تهتم بقضية "خاشقجي"، وقال "جورجيو كافييرو"، من "جلغ ستيت أنالتيكس"، وهي شركة استشارية في مجال المخاطر الجيوسياسية، إن "بن سلمان حصل على كامل الاحتفاء عندما جاء إلى الصين"، والآن، تعمل السعودية على رد الجميل عن طريق التزام الصمت حيال "شينجيانغ".

وقال "كافييرو": "يتمتع البلدان بحساسية تجاه الانتقادات لسياساتهما الدولية، ولدى كل من الصين والسعودية سجلات فظيعة في مجال حقوق الإنسان، ولا تريدان أي تسليط للضوء عليها".

المصدر | آنا فيفلد وكريم فهيم - واشنطن بوست