الخميس 17 أكتوبر 2019 09:49 م

"20 سجينا في غرفة واحدة صغيرة، أيديهم مكبلة، ورؤوسهم محلوقة، وتتم مراقبة كل خطواتهم بواسطة كاميرات بالسقف، بينما المرحاض ليس سوى دلو في الزاوية".. هكذا وصفت  المدرسة "ساراجول ساويتباي" ما شاهدته في معسكرات الاعتقال التي يرزح بها نحو مليونين من الإيغور، وتسميها الحكومة الصينية بمعسكرات "إعادة التأهيل"، مشيرة إلى خضوعهم قسرا لتجارب يجريها باحثون طبيون.

يبدأ الروتين اليومي بهذه المعسكرات في الساعة 6 صباحًا، ويتلقى فيها النزلاء دروسا لتعلم اللغة الصينية، وحفظ أغاني الدعاية الخاصة بالحزب الشيوعي الصيني، بينما لا تزيد وجباتهم على الحساء وشريحة خبز، وفقا لما نقله موقع صحيفة "هآرتس" بنسخته الإنجليزية.

وتؤكد "ساراجول"، التي هربت من الصين وحصلت على حق اللجوء بالسويد، أن المعتقلين بالمعسكرات يعانون كل أنواع التعذيب، التي تشمل خلع الأظافر والصدمات الكهربائية، إضافة إلى إجبارهم على الحقن وتناول الحبوب الخاصة بالتجارب الطبية.

ويصل حد التعذيب أحيانا إلى تعقيم الرجال، كما أن اغتصاب النساء في المعسكرات بشكل روتيني، حسب المدرسة ذات الأصل الكازاخي.

نجح عدد قليل من سجناء "إعادة التأهيل" في الخروج ورواية قصتهم، لكن شهادة "ساراجول" تعد استثنائية، لأنها اضطرت للعمل كمعلمة خلال سجنها بأحد هذه المعسكرات.

منحت السويد "ساراجول"، ذات الـ 43 عاما، حق اللجوء؛ لأن تسليمها للصين في أعقاب شهادتها، يعني تعرضها حتما لخطر الإعدام، إذ تسوق الصين لمعسكرات إعادة التأهيل إعلاميا باعتبارها أماكن للبرامج التعليمية وإعادة التدريب المهني.

وأنشأت بكين عددا كبيرا من هذه المعسكرات في إقليم شينغيانغ على مدار العامين الماضيين، كجزء من مكافحة النظام لما يسميه "الشرور الثلاثة": الإرهاب والانفصالية والتطرف.

ورغم أن "ساراجول"، كانت في وضع مستقر، إلا أنها ظلت تخطط وزوجها لسنوات من أجل مغادرة الصين مع طفليهما والانتقال إلى كازاخستان المجاورة، وتمكن زوجها من المغادرة فعلا عام 2012 مع الطفلين، لكن سفرها هي واجه تعطلا بسبب عدم حصولها على تأشيرة خروج، وفي عام 2014 بدأت السلطات في جمع جوازات سفر موظفي الخدمة المدنية.

وظلت الأم غير قادرة على اللحاق بزوجها وابنيها حتى نهاية عام 2016، عندما بدأت الشرطة الصينية في إلقاء القبض على أعداد كبيرة من الإيغور سرا، وشنت حملة أمنية شملت أخذ عينات من الحمض النووي لجميع أفراد الأقليات بالمنطقة.

وفي أحد أيام الحملة، دعت السلطات "ساراجول" لاجتماع ضم كبار موظفي الخدمة المدنية، بينهم موظفون في المستشفيات والمدارس، أعلن ضباط الشرطة فيه أن مراكز لإعادة تثقيف السكان ستفتح قريبا، من أجل "استقرار الوضع في المنطقة".

ويشير الصينيون بالاستقرار إلى ما يعتبرونه صراعًا انفصاليًا طويلًا مع أقلية الإيغور، يعود تاريخه إلى التسعينيات وأوائل القرن العشرين.

وفي يناير/كانون الأول 2017، بدأت السلطات الصينية اعتقال من لهم أقارب بالخارج من الإيغور، ومنهم "ساراجول"، التي وجدت رأسها ذات ليلة في كيس أسود قبل نقلها إلى مكان يشبه السجن.

وهناك تعرضت "ساراجول" للاستجواب من قبل ضباط الشرطة الذين أرادوا معرفة مكان زوجها وأطفالها، ولماذا ذهبوا إلى كازاخستان.

وفي نهاية الاستجواب، طُلب الضباط من "ساراجول" أن تطلب من زوجها العودة إلى الصين، وحذروها من ذكر خضوعها للاستجواب، ولما علمت بحالات مماثلة لاعتقال من عادوا إلى الصين وإرسالهم إلى معسكرات إعادة التأهيل المزعومة، قطعت الاتصالات مع زوجها وأطفالها بعد إطلاق سراحها.

مر الوقت ولم تعد الأسرة، لكن السلطات الصينية لم تستسلم، إذ نقلت "ساراجول" مرارًا وتكرارًا للاستجواب، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، غطى الشرطيون رأسها مرة أخرى، وبعد رحلة استغرقت ساعة واحدة، وصلت إلى مكان غير مألوف، عرفت لاحقا أنه أحد معسكر "إعادة التأهيل".

 قيل لها، إنها أُحضرت إلى هناك لتعليم اللغة الصينية، وأُجبرت على الفور على توقيع وثيقة تحدد واجباتها وقواعد المعسكر.

وتضمنت الوثيقة استحقاق "ساراجول" لعقوبة الإعدام في حال عدم وفائها بمهمتها أو عدم طاعتها لقواعد المعسكر، ولذا كانت خائفة للغاية من التوقيع عليها.

ومن هذه القواعد منع التحدث مع السجناء، أول الإجابة على أسئلة من أي شخص، وفي النهاية وجدت "ساراجول" نفسها مضطرة للتوقيع، لأنه لم يكن لديها أي خيار آخر.

استلمت "ساراجول" زي المعسكر واقتيدت إلى غرفة نوم صغيرة بها سرير خرساني ومراتب رقيقة، ولاحظت وجود 5 كاميرات بالسقف، واحدة في كل زاوية، والأخرى في الوسط.

أما السجناء الآخرون، الذين لم يتحملوا عبء واجبات التدريس، فقد تحملوا ظروفًا أكثر صرامة. فكان ما يقارب الـ 20 منهم في غرفة مساحتها 16 مترًا مربعًا فقط، لا تحوي سوى دلو واحد لقضاء حاجتهم جميعا.

ولكل سجين في الغرفة دقيقتين فقط لاستخدام الدلو، ولا يتم إفراغها إلا مرة واحدة يوميًا، وحتى إذا امتلأ يجب على السجناء الانتظار حتى اليوم التالي لإفراغه.

وتصف "ساراجول" مشاهد رؤيتها لهؤلاء السجناء، قائلة: "كانوا يرتدون الزي الرسمي وقد حلقوا رؤوسهم، وكانت أيديهم وأرجلهم مقيدة طوال اليوم، إلا عندما يضطرون للكتابة، وحتى أثناء النوم كانوا مقيدين".

أما خلال اليوم، فإن السجناء، من الإيغور أو الكازاخستانيين، مجبرون على تعلم أغاني الدعاية الخاصة بالحزب الشيوعي الصيني واللغة الصينية وترديد شعارات منها: "أنا أحب الصين" و "شكرًا للحزب الشيوعي" و "أنا صيني" و "أنا أحب شي جين بينغ"، رئيس الصين.

وتخصص ساعات ما بعد الظهر لتفكير السجناء بخطاياهم وتسليم صحيفة اعتراف بها، مثل الممارسات الدينية المختلفة وعدم معرفة اللغة أو الثقافة الصينية، إلى السلوك غير الأخلاقي، على أن يعاقب من يمتنعون عن ذلك.

ولا تعرف "ساراجول" مكان وجود المعسكر الذي كانت فيه، إذ لم يُسمح لها بمغادرته ولو مرة واحدة، لكنها تعتقد أنه مبنى جديد؛ لأنه يحتوي على قدر كبير من الخرسانة المكشوفة.

يفصل  المعسكر بين الرجال والنساء في أماكن المعيشة، لكن خلال اليوم يدرسون معًا، ويشرف رجال شرطة على كل شيء في المكان.

أما وجبات الطعام، فتشمل الحساء وشريحة صغيرة من الخبز الصيني، ولاتشمل اللحم إلا يوم الجمعة، بشكل استثنائي، لكنه لحم خنزير يتم إجبار السجناء على أكله حتى لو كانوا ملتزمين دينيا، والعقوبة حاضرة لمن يرفض.

ويواجه السجناء هذه العقوبات فيما يعرف بـ"الغرفة السوداء" داخل المعسكر، والتي يتعرضون لمختلف أنواع التعذيب، ومنها تعليقهم على الحوائط وضربهم بالعصيان المكهربة، وإجبارهم على الجلوس على كرسي مغطى بالمسامير وخلع أظافرهم.

وكانت نتيجة كل ذلك أن تحول السجناء بالمعسكر إلى جثث بلا روح، حسب تعبير "ساراجول"، التي وصفت تعرضها للعقوبة ذات مرة قائلة: "في إحدى الليالي، تم إحضار حوالي 70 سجينًا جديدًا إلى المخيم، بينهم امرأة كازاخستانية مسنة طلبت مساعدتي وتوسلت لي أن أخرجها واحتضنتني. لم أقابلها بالمثل، لكنني عوقبت على أي حال. تعرضت للضرب والحرمان من الطعام لمدة يومين ".

وتتذكر "ساراجول" امرأة شابة كانت مصابة بمرض السكري، وكانت ممرضة قبل إلقاء القبض عليها، وات مرضها أكثر حدة، ولم تعد قوية بما يكفي للوقوف كما لم تكن قادرة على تناول الطعام. ومع ذلك لم تحصل على أي مساعدة أو علاج.

النساء بالذات كن يعانين بشدة في المعسكر، حتى إن رجال الشرطة كانوا يأخذون الفتيات الجميلات معهم، ولا يعودون إلى الغرف طوال الليل، وكانت هناك حالات اغتصاب جماعي.

غير أن دموع "ساراجول" تنهمر تلقائيا بمجرد تذكرها للقصة الأكثر فظاعة بالمعسكر، قائلة: "في أحد الأيام، أخبرتنا الشرطة بأنها ستقوم بالتحقق لمعرفة ما إذا كان إعادة تثقيفنا ناجحًا، وما إذا كنا نتطور بشكل صحيح. أخذوا 200 سجين في الخارج، رجالاً ونساء، وأمروا إحدى النساء بالاعتراف بخطاياها. وقفت أمامنا وأعلنت أنها كانت شخصًا سيئًا، ولكن الآن بعد أن تعلمت اللغة الصينية أصبحت شخصًا أفضل. وبينما كانت تتحدث، أخذها رجال الشرطة واغتصبوها واحداً تلو الآخر أمام الجميع".

وتضيف: "بينما كانوا يغتصبونها، فحصوا ليروا كيف كان رد فعلنا. الأشخاص الذين أداروا رؤوسهم أو أغلقوا أعينهم، وأولئك الذين بدوا غاضبين أو مصدومين، نُقلوا ولم نرهم مرة أخرى. لن أنسى أبدًا الشعور بالعجز وعدم القدرة على مساعدتها. بعد ذلك، كان من الصعب علي النوم ليلاً ".

أخذت قصة ساراجول سويتباي منعطفًا مفاجئًا في مارس/آذار 2018، عندما تم إبلاغها بإطلاق سراحها دون إعلان مسبق، لتجد رأسها مغطاة، مرة أخرى، بكيس أسود، لكن هذه المرة تم نقلها إلى المنزل.

وكانت الأوامر لـ "ساراجول" واضحة، وهي أن لا تتفوه بكلمة حول ما مرت به.

وفي ثالث أيام عودتها للعمل في مدرسة ابتدائية تم فصلها واستدعائها للاستجواب مجددا، وتوجيه اتهامات لها بالخيانة والاحتفاظ بعلاقاتها مع أقاربها بالخارج، وهو ما يقتضي عودتها إلى المعسكر، لكن لتكون معتقلة هذه المرة لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات.

وتصف مشاعرها آنذاك بقولها: "لم أر أبنائي منذ عامين ونصف، كنت أعرف أنني سأموت هناك، ولم أتمكن من قبول ذلك. فأنا بريئة، لم أفعل شيئًا سيئًا، لماذا يجب أن أعاقب؟ لماذا يجب أن أموت هناك؟"

وأضافت: "قلت لنفسي: "ما دمت سأموت فعلي محاولة الفرار على الأقل. كان رجال الشرطة متمركزون خارج شقتي، ولم يكن عندي جواز سفر، لكني حاولت رغم ذلك.. خرجت من النافذة وفررت إلى منزل الجيران،  ومن هناك ركبت سيارة أجرة إلى الحدود مع كازاخستان وتمكنت من التسلل عبرها".

وفي كازاخستان وجدت "ساراجول" عائلتها، وتحولت أحلامها إلى حقيقة، لكن قصتها لم تنته عند هذا الحد، إذ تم اعتقالها من قبل جهاز المخابرات وسجنها لمدة 9 أشهر لأنها عبرت الحدود بشكل غير قانوني.

قدمت طلب لجوء 3 مرات، قوبلت جميعها بالرفض، وواجهت خطر التسليم إلى الصين، لكن بعد اتصال الأقارب بالعديد من وسائل الإعلام، تدخلت عناصر دولية، وفي النهاية مُنحت حق اللجوء في السويد.

وتؤكد "ساراجول" أنها لن تنسى أبدًا ما شاهدته في المعسكر، قائلة: "لا يمكنني أن أنسى أعين السجناء، وأتوقع أن أفعل شيئًا لهم. إنهم بريئون. يجب أن أحكي قصتهم، وأتحدث عن الظلام الذي يعيشون فيه، وعن معاناتهم. يجب أن يجد العالم حلاً حتى يتمكن شعبي من العيش في سلام. يتعين على الحكومات الديمقراطية أن تبذل قصارى جهدها لجعل الصين تتوقف عن فعل ما تفعله في شينغيانغ. "

المصدر | الخليج الجديد + هآرتس