الأحد 2 يونيو 2019 12:06 م

"لا توجد لحظة في اليوم لا أفكر خلالها في المراقبة".. بتلك الكلمات عبر الناشط السياسي المصري المفرج عنه مؤخرا "علاء عبدالفتاح"، عن تذمره من نظام المراقبة الأمنية الموقعة عليه.

وتتسم أيام وليالي "عبدالفتاح" بإيقاع غير معتاد، إذ يفرج عنه كل صباح ليعود إلى السجن مع غروب الشمس.

ويرغم هذا الروتين القاسي "عبدالفتاح" (37 عاما) على أن يقيس حياته بالساعات خلال السنوات الخمس المقبلة كونه يخضع لرقابة صارمة منذ أن أطلق سراحه من السجن في مارس/آذار الماضي.

وبعد أن أمضى عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات بسبب مشاركته في تظاهرة احتجاجا على قانون يقيد حق التظاهر في عام 2013، يتعين على "علاء" الآن تمضية خمس سنوات تحت مراقبة الشرطة.

وتقضي هذه المراقبة بأن يسلّم نفسه في السادسة مساء كل يوم الى قسم الشرطة الأقرب الى منزله ليمضي الليلة محبوسا في زنزانة حتى السادسة صباحا، موعد خروجه مجددا.

ويمضي "عبدالفتاح" وقته صباحا مع ابنه "خالد" ويصحبه إلى تدريبات السباحة أو إلى الحضانة. 

ويحاول المبرمج المعلوماتي والمدون أن يخصص بعد ذلك بعض الوقت لإنجاز مشاريع يعمل عليها.

وبين هذه الالتزامات وتلك، يلتقي "عبدالفتاح" محاميه وأصدقاءه، ويكتب شكاوى احتجاجا على المعاملة التي يحصل عليها، وفقا لحوار له مع "فرانس برس".

واعتبارا من الرابعة عصرا، يبدأ بالاستعداد للعودة الى المنزل وسط الزحام الشديد الذي تشهده في هذا الوقت العاصمة المصرية التي يقطنها قرابة عشرين مليون نسمة.

ويروي قائلا: "أحاول أن أحدّد لنفسي كل يوم مهمات صغيرة حتى أستطيع أن أقول لنفسي يوميا أن لدي قدرة على الإنجاز وأنجزت هذا الشيء أو ذاك".

ويتابع: "أحاول أيضا أن أنهي كل الوظائف البيولوجية (قبل العودة الى قسم الشرطة) لأن ليست هناك دورة مياه نظيفة متوفرة في ساعات المراقبة".

وتترك هذه الحياة المزدوجة كرجل حرّ نهارا وسجين في حبس انفرادي ليلا، تأثيرا سلبيا عليه.

ويوضح "عبدالفتاح" أن "هناك مهانة شديدة جداً في فكرة انتي أتعاون مع الدولة في عملية تدمير حياتي يوميا، يوميا، يوميا"، مضيفا: "هذا في حدّ ذاته ضغط نفسي رهيب جداً على المرء".

وأثرت تلك الحياة الموزعة ما بين الحرية والحبس على أسرة "عبدالفتاح"، التي تخشى على سلامته في مركز الشرطة حيث لا يمكن الاتصال به بمجرد وصوله وممنوع عليه أن يحتفظ بهاتفه المحمول أو بجهاز لابتوب أثناء وجوده في سجنه ليلا.

وتؤكد شقيقته "منى سيف" التي سبق أن سجنت بسبب نشاطها في الدفاع عن حقوق الإنسان، أنها لا تزال غير قادرة على استيعاب فكرة حبس شقيقها ليلا يوميا. 

وتصرّ على المضي في الاحتجاج على هذه المراقبة "الظالمة" له ولناشطين معارضين آخرين.

وتقول: "شيء عجيب جدا الإحساس أنني أرى أخي يسجن تكرارا… شيء يثير الانقباض.. قسم الشرطة على بعد عشر دقائق فقط من المنزل".

وتضيف: "أعتقد جديا أن حلمهم هو أن يتم إقفال الباب (باب الزنزانة) على علاء لتنقطع أي صلة له أو لعائلته أو لمحاميه بالعالم حتى الصباح".

وتنتقد "ليلى سويف"، وهي نفسها ناشطة مدافعة عن حقوق الإنسان منذ عقود، تطبيق قانون قديم يعود للعام 1945 لفرض هذه المراقبة على ابنها.

وتروي كيف أنها اضطرت أن تخوض معركة لمجرد أن يتم السماح لابنها بأن يتناول وجبة الإفطار مع أسرته خلال شهر رمضان في نهاية أبريل/نيسان الماضي.

ويحين موعد الإفطار هذا العام بعد ميعاد ذهاب "علاء عبدالفتاح" إلى سجنه الليلي، وفي بداية الشهر، كان يقضي وقت الإفطار في الزنزانة.

ولكن "سويف" وأسرة "عبدالفتاح" وأصدقاءه قرروا احتجاجا، تناول الإفطار يوميا أمام قسم الشرطة.

وعمد أحد الضباط الى أخذ طبق بسبوسة كانت الأم جلبته معها لابنها، بحسب ما تقول "ليلى"، ولكن ذلك لم يؤثر فيها. 

وتقول: "هل يتصور أي ضابط أننا سنغادر المكان لأنه أخذ طبق البسبوسة؟ هذا غير معقول".

التهديد بالسجن

ويعتبر "علاء عبدالفتاح" واحدا من "أيقونات الثورة" التي أسقطت الرئيس المخلوع "حسني مبارك" في عام 2011. وهو يواصل الكتابة احتجاجا على القمع على حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويدافع علاء كذلك عن آخرين مرغمين على المبيت كل ليلة في الحبس مثل المصور الصحفي "محمود أبو زيد" المعروف بـ"شوكان" أو مؤسس حركة 6 أبريل "أحمد ماهر".

ويقول "عبدالفتاح" أن ضباطا من جهاز الأمن الوطني هددوه مرتين بأنه سيعاد إلى السجن ليبقى فيه مدى الحياة إذا لم يكف عن الحديث علنا حول المراقبة والحبس الليلي اليومي.

وانتقدت منظمات حقوق الإنسان تطبيق مصر لقانون المراقبة هذا، معتبرة أنه يُستخدم لمعاقبة وإسكات المعارضين.

ويقول "عبدالفتاح"، "هم (السلطات) غالباً لا يتعاملون معنا على أننا بشر، ولكن على أننا كائنات سياسية تسبب لهم صداعا".

إعادة بناء الحياة

وخلال العقد الأخير، دخل "علاء عبدالفتاح" السجن في عهد "حسني مبارك"، وفي عهد الرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي".

ولكنه الآن لا يفكر بالمرة في السياسة، إنما يحاول أن يعيد بناء ما يشبه الحياة الطبيعية رغم صعوبة ذلك بسبب المراقبة.

ويقول: "أنا الآن لا أمارس أي نشاط سياسي ولست مهيئا للعب أي أدوار ولكن هذا بالنسبة لهم غير كاف".

ويتابع: "يريدونني أن أكون مقهورا لدرجة أن أتلاشى تقريبا، وحقيقة لا أعرف كيف سينتهي هذا الأمر".

والشهر الماضي، قدم "عبدالفتاح" شكوى للمجلس القومي لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالتعنت في تنفيذ المراقبة الأمنية الموقعة عليه.

وفي 29 مارس/آذار الماضي، أطلقت السلطات المصرية، سراح "علاء عبدالفتاح"، بعد 5 سنوات قضاها في محبسه، بعد إدانته بالتظاهر دون تصريح، احتجاجا على محاكمات عسكرية لمدنيين، خلال مناقشة مسودة الدستور الحالي للبلاد.

ويعد "علاء عبدالفتاح"، أحد أبرز المدونين والناشطين المصريين، في الفترة التي أعقبت عام 2005، وباعتباره مبرمجا، فقد كان مشاركا في إدارة العديد من المنصات التي كانت تنادي بحرية التعبير وفتح المجال العام.

ويوصف "علاء"، أيضا بأنه أحد رموز ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وعلى الرغم من عدم وجوده في مصر لحظة اندلاع المظاهرات، إلا أنه شارك في الاحتجاجات التالية حتى الإطاحة بالرئيس المصري السابق "حسني مبارك".

واعتقل "عبدالفتاح" في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2011، على خلفية اتهامه بالتحريض والاشتراك في التعدي على أفراد القوات المسلحة وإتلاف معدات تخص القوات المسلحة والتظاهر والتجمهر وتكدير الأمن والسلم العام في "أحداث ماسبيرو"، قبل أن يفرج عنه لاحقا.

وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، اعتقل "عبدالفتاح" مرة أخرى بتهمة التحريض على التظاهر ضد الدستور الجديد أمام مجلس الشورى.

وحينها قام 20 من رجال الشرطة باقتحام منزله، وكسر الباب، ومصادرة أجهزة الحاسب الخاصة والتليفونات المحمولة الخاصة بالعائلة.

وفي 23 فبراير/شباط 2015، حكم على "عبدالفتاح"، بالسجن لمدة 5 سنوات ومثلهم للمراقبة الشرطية، قبل أن تؤيد محكمة النقض الحكم في 2017.

وينتمي "عبدالفتاح"، لعائلة معروفة بنشاطها السياسي، فوالده هو المحامي الحقوقي الراحل "أحمد سيف الإسلام"، ووالدته الناشطة اليسارية "ليلى سويف"، وشقيقته "منى" مؤسسة حملة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين".

وتزايدت القضايا المقترنة أحكامها بنظام المراقبة المساوية لحكم السجن في أغلب الأحكام.

ومن أشهر القضايا التي اقترنت بأحكام المراقبة قضية "أحداث مسجد الفتح" التي حكم فيها على بعض المتهمين بـ"5 سنوات سجن" يقابلها "5 سنوات مراقبة"، والحكم على متهمي قضية "أحداث مجلس الشورى"، حيث قررت المحكمة 5 سنوات مراقبة للناشط السياسي "علاء عبدالفتاح" واثنين آخرين، و3 سنوات لباقي المتهمين.

ويرى مراقبون وحقوقيون أن نظام "المراقبة" في مصر تحول لوسيلة للانتقام من المعارضة السياسية كالاعتقال ومدد الحبس الاحتياطي المفتوحة دون محاكمة. (طالع المزيد)

المصدر | الخليج الجديد + أ ف ب