الأحد 30 يونيو 2019 01:06 ص

شكلت خسارة مدينة غريان الاستراتيجية بالنسبة للواء الليبي المتقاعد "خليفة حفتر" في حربه على طرابلس نكسة، أربكت كل حساباته داخليا وخارجيا. 

ورغم تعالي أصوات قادة قوات "حفتر"، مؤكدين قدرتهم على استعادة السيطرة على المدينة، لكنها تراجعت بشكل كبير.

وإثر خسارة "غريان"، أطلق المتحدث العسكري باسم قوات "حفتر"، "أحمد المسماري"، تهديدات باستهداف أي سفينة تركية تدخل إلى المياه الليبية، بل اعتبر المواطنين الأتراك في ليبيا رعايا دولة معادية. 

لكن وزارة داخلية حكومة الوفاق والمجلس الأعلى للدولة قلّلا من أهمية هذه التهديدات. 

واعتبرت الوزارة والمجلس في بيانين منفصلين، يوم الأحد، أن تهديدات "حفتر" لا قيمة لها، وأن حكومة الوفاق مستمرة في علاقاتها مع تركيا.

وأكد المجلس الأعلى للدولة من جهته، أن ليبيا وتركيا تربطهما علاقات مبنية على اتفاقات، وأي هجمات عدوانية ضد الأصدقاء، وعلى رأسهم تركيا، تعد إضراراً بالأمن القومي وسيتم الوقوف ضدها بكل حزم.

وطالب مجلس الدولة الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ إجراءات رادعة لوقف انتهاكات ميليشيات "حفتر" الإجرامية، بحسب البيان.

وجاء تهديد "المسماري" بعد عجز قيادته على إثبات تهم، أطلقتها بشأن تصفية عدد من جرحى قوات "حفتر" بمستشفى غريان، لكن الهلال الأحمر الليبي سلم 42 جثة لمقاتلي "حفتر" الجمعة الماضي لقيادة ميليشيات "حفتر" في بنغازي، ثبت مقتلهم في معركة غريان الأربعاء الماضي.

خسائر سياسية

ولم تكن خسائر "حفتر" على الصعيد العسكري فقط، بل كانت سياسياً أيضاً، فبعد حديث متزايد عن العثور على أسلحة خلّفتها ميليشيات "حفتر" داخل معسكر الثامنة في غريان، ثبت أن بعضها أمريكي الصنع ولا تمتلكه سوى دولة الإمارات، وأكد وزير الداخلية بالحكومة "فتحي باشاغا"، أن بعض الدول التي قدمت الدعم لـ"حفتر" "بدأت تتراجع"، مرجعا السبب إلى أن تلك الدول "وجدت مصلحتها مع حكومة الوفاق".

وأكد "باشاغا"، خلال تصريح لتليفزيون محلي ليل الجمعة الماضي، في ذات الوقت، أن تلك الدول "لم تعد مصدر ثقتنا".

ومثّل إعلان وزارة الخارجية الأمريكية بشأن اهتمامها الكبير بالتقارير التي أثبتت سوء استعمال الأسلحة الأمريكية في ليبيا، ضربة أخرى لـ"حفتر" بعد أشهر من محاولات وسائل إعلام محلية ودولية تسويق اتصال الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، بـ"حفتر" في العشرين من أبريل/نيسان الماضي، على أنه مباركة لهجومه على طرابلس.

وأكدت الخارجية الأمريكية، في بيان مساء أمس السبت، أنها تأخذ بجدية فائقة جميع التقارير عن سوء استعمال أسلحة أمريكية الصنع، مشددة على أن "السلامة والاستقرار في ليبيا لا يتحققان إلا عبر الحل السياسي".

وجاء البيان الأمريكي بعد تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، أكدت فيه أن وزارة الدفاع الأمريكية بدأت تحقيقاً في كيفية وصول "صواريخ جافلين" الأمريكية المضادّة للدبابات، إلى يد ميليشيات "حفتر" في ليبيا.

وكانت قوات حكومة الوفاق قد نشرت في بيانات، الجمعة والسبت، صوراً لصورايخ أمريكية الصنع عثر عليها في معسكر الثامنة في غريان، الذي كانت ميليشيات "حفتر" تتخذه معسكراً رئيسياً لقواتها المهاجمة لطرابلس، وذلك تزامناً مع تقارير إعلامية تفيد بأن الإمارات هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك هذا النوع من الصواريخ.

ويؤكد مراقبون أن استمرار قصف طيران "حفتر" لمعسكر الثامنة، محاولة منه لإخفاء أدلة ووثائق تركتها ميليشياته إثر هربها من المعسكر، بعد أن أكدت تقارير إعلامية العثور على وثائق تثبت استعانة "حفتر" بضباط ومقاتلين أجانب، منهم مرتزقة تشاديون في حربه على طرابلس.

ورغم إعلان "كتيبة صقور الصحراء لحماية الحدود" بالمنطقة العسكرية الجنوبية التابعة لـ"حفتر"، اليوم الأحد، عن توجهها من القطرون جنوباً إلى تخوم غريان، لــ"تحريرها"، وفق بيانها، لكن استعادة المدينة باتت أمراً صعباً بحسب المعطيات الجغرافية، فالمدينة الجبلية محصنة طبيعياً ولا يمكن الولوج إليها إلا عبر منفذ أبورشادة والهيرة، وكلاهما تسيطر عليه قوات الحكومة وتؤمنه بشكل كبير.

غضب وارتباك

فجرت هزيمة "حفتر"، في مدينة غريان الاستراتيجية غضبا وارتباكا في أوساط حلفاء "حفتر" الخارجيين، خاصة في كل من أبوظبي والقاهرة، كما أعادت فتح الحديث بشأن مدى أهلية "حفتر" لأداء دور الوكيل المحلي الليبي لتلك الدول.

وما زاد من الارتباك في أوساط حلفاء "حفتر" أن هزيمة غريان جاءت متزامنة مع رغبة ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" والرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" في حسم معركة طرابلس، وتحسين وضع "حفتر" بشكل نهائي، قبل انقضاء شهر يونيو/حزيران الحالي.

لكن هزيمة غريان تعد ضربة قوية لكل المحاولات التي يبذلانها لانتزاع مباركة أمريكية رسمية لتحركات "حفتر" قبل انعقاد قمة الدول السبع الكبرى "جي 7" المقررة في فرنسا في نهاية شهر أغسطس/آب المقبل.

ومنيت ميليشيات "حفتر" المدعومة من السعودية والإمارات ومصر وروسيا بهزيمة مفاجئة وثقيلة في مدينة غريان، الأربعاء الماضي، على يد قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، لتخسر قوات "حفتر" المدينة التي كان مقرا رئيسيا لإدارة عملياتها في الهجوم على العاصمة وخط إمداد رئيس لقواتها.

وأصدرت السلطات المصرية تعليمات لوسائل الإعلام بعدم التعاطي مع أنباء هزيمة غريان، وركزت على مزاعم ميليشيات "حفتر" من أن الوضع في غريان ما زال تحت السيطرة، وأنها منطقة حرب وسيتم تكثيف القصف الجوي لأهداف حكومة الوفاق.

ولفتت مصادر مصرية إلى أن هذه البيانات والتناول الإعلامي "لا يعدو كونه محاولة لتوجيه رسائل للخارج على غير الحقيقة، لتجديد ثقة العواصم الكبرى بأن حفتر متماسك وقادر على استكمال مهامه، الأمر الذي يبدو مشكوكاً في صحته بقوة حالياً".

وتحاول القاهرة حشد دعم لقوات "حفتر" بكل قوة، حتى لا يفقد سيطرته على مدينة ترهونة، وهي القاعدة الثانية والأخيرة التي تقهقرت لها قواته بعد هزيمة غريان.

ويرى "السيسي" أن غياب الحسم الأمريكي للموقف من التطورات الميدانية التي تحصل في ليبيا، هو سبب تفرق الموقف الأوروبي واختلاف السياسات، لذلك يأمل في بناء موقف أمريكي مؤيد لـ"حفتر" يضمن موقفا عالميا مؤيدا له.

لكن إدارة "السيسي" تتخوف من أن يؤدي التقهقر الميداني لـ"حفتر" إلى إضعاف موقف مصر التفاوضي مع واشنطن والعواصم الأوروبية.

ويكاد "السيسي" يكون "الطرف الإقليمي الوحيد الذي يؤمن بضرورة بقاء "حفتر" وعدم الرهان حالياً على شخص آخر، ليس فقط باعتباره "صنيعة استخباراتية مصرية"، لكن لأنه يرى أن الوسط السياسي الليبي يخلو من الشخصيات التي يمكن الاعتماد عليها، وأن مجموعة "حفتر" نفسها ليس فيها من يمكن الرهان عليه.

لكن الدعم الإماراتي السعودي ليس مطلقا، إذ يبدو أن "المعركة المرتقبة في ترهونة، سواء طال أم قصر أجل انتظارها، سوف تكون حاسمة في ملف الدعم الإماراتي والسعودي لحفتر".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات