الثلاثاء 9 يوليو 2019 03:52 م

أثار قرار تركيا شراء منظومة "إس-400" الدفاعية الصاروخية من روسيا جدلا كبيرا في الولايات المتحدة حول تأثير ذلك على العلاقات التركية الأمريكية وعلاقات تركيا مع "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، وتغير التوجه الدولي لتركيا، والضرر المحتمل لقطاعات الدفاع والاقتصاد فيها. وبالنظر إلى هذه المخاطر، ليس من الواضح تماما سبب رغبة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في شراء نظام الأسلحة الروسي. ومن المحتمل أن تكمن الأسباب في بنية الدولة الجديدة، والعامل الكردي، والتحول نحو العسكرة في السياسة الخارجية والأمنية.

  • بنية الدولة الجديدة

يتمتع "أردوغان" بالسيطرة على جميع مؤسسات الدولة المختصة بالسياسة الخارجية والأمنية، وصممت المراسيم الرئاسية آليات النظام الجديد، بما في ذلك جهاز السياسة الخارجية مع مجالسه ومكاتبه الجديدة. ويكشف تعيين عدد متزايد من السفراء من خارج السلك الدبلوماسي في هذه المكاتب والمناصب العليا في وزارة الشؤون الخارجية عن استراتيجية "أردوغان". وفي هذا التصميم الجديد، يظل العمل اليومي للسياسة الخارجية والأمنية في أيدي البيروقراطيين المهنيين بينما تحدد الكوادر السياسية الحاكمة الأطر المستقبلية للسياسة الخارجية. ويعد "أردوغان" في وضع يسمح له باستخدام كل هذه المؤسسات لتنفيذ رؤيته للسياسة الخارجية. ومع كل هذه القوى، رغم أن "أردوغان" يعد أول قائد مدني حقيقي لتركيا، فإنه ينفذ سياسة شبه عسكرية مدفوعا بالتنافسات السياسية الداخلية والتحديات الأمنية الإقليمية والوضع الدولي.

  • العامل الكردي

تم اختبار التحول العسكري لـ"أردوغان" في السياسة الخارجية في سوريا خلال عدد من العمليات في الشمال هدفت لاحتواء قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والقضاء على الدولة الإسلامية (ISIS) على طول الحدود التركية. ومنحت التجربة السورية درسين لصانعي السياسة الخارجية الأتراك. أولهما هو الحاجة إلى نظام دفاع صاروخي بالنظر إلى صعوبات ترتيب المساعدة من الحلفاء. ثانيًا، حتمية وجود خط للسياسة الخارجية تتمتع بالاستقلالية والاعتماد على الذات بعد الفشل في إقناع الولايات المتحدة بعدم التعاون مع "حزب الاتحاد الديمقراطي" في سوريا، الذي يعد بمثابة نقطة انطلاق لحزب العمال الكردستاني في تركيا، حيث كان العامل الكردي حاسما في المسار المحلي والإقليمي لتركيا خلال هذه الفترة.

ولا يعقل أن تبحث تركيا عن دور عسكري في منطقتها أو خارجها بدون نظام دفاع صاروخي وطني، ولم تكن الحجة الأمريكية حول إمكانية تغطية أنظمة الناتو لتركيا مقنعة في أنقرة؛ حيث مثل الطريق المسدود في المحادثات لشراء صواريخ باتريوت خيبة أمل أخرى للجانب التركي. ويعد تحول تركيا الاستراتيجي المفاجئ إلى روسيا وعزمها على التعاون مع إيران في سوريا، على الرغم من الاختلافات في خطوط السياسة، هو نتيجة الرغبة في الحصول على نظام صاروخي وبناء نهج متعدد الأبعاد في السياسة الخارجية.

  • عسكرة السياسة الخارجية

يمكن ملاحظة الدور العسكري في السياسة الخارجية التركية في 3 مبادرات مختلفة. أولا: العمليات العسكرية في سوريا والعراق من خلال سردية مكافحة الإرهاب، حيث التحول من العزلة العسكرية الصارمة إلى التدخل العسكري المباشر. ثانيا: إنشاء قواعد عسكرية خارج البلاد مثل القاعدة العسكرية التركية في قطر وقاعدة التدريب العسكري التي تديرها أنقرة في الصومال، وهناك أيضًا محاولات لإنشاء محاولات جديدة، على سبيل المثال في السودان، مع التركيز على الانفتاح على الفرص الجيوسياسية الجديدة لتأمين التحالفات وردع المنافسين المحتملين.

ثالثا: يريد "أردوغان" أيضا أيضا إنشاء صناعة دفاع طموحة كأداة للتنمية العسكرية والاقتصادية، وتريد تركيا بناء قدراتها الإنتاجية المحلية لتقليل الاعتماد على الآخرين والحصول على قاعدة عملاء لمنتجاتها الدفاعية. وكانت صادرات تركيا الدفاعية التقليدية عبارة عن مركبات أفراد مدرعة، لكن هناك الآن منتجات تركية أكثر تعقيدا معروضة في السوق، مثل الفرقاطات وطائرات الهليكوبتر الهجومية والطائرات بدون طيار المسلحة.

في ضوء ذلك، فإن قرار "أردوغان" بشأن شراء "إس-400" رغم التهديدات الأمريكية، واحتمالية استبعاد تركيا من برنامج الطائرة المقاتلة "إف-35"، واستياء "الناتو"، يعد منطقيا وفقا لهذا التحول القوي في السياسة الخارجية. وسيختبر الرئيس التركي حدود الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بينما يعبر عن تحفظاته على النظام العالمي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. ووفقا لـ"أردوغان"، فإن السياسة الخارجية الجديدة، بعناصرها العسكرية، سترفع مكانة تركيا الإقليمية والدولية إلى مستوى جديد. وفي حين لا يعتقد "أردوغان" أن الرئيس "ترامب" سيفرض عقوبات على تركيا، لكنه لم يتردد أيضًا في التحذير من الانتقام في حالة هذه العقوبات. وفي ضوء ذلك، ستكون صفقة "إس-400" اختبارا واقعيا لاستدامة سياسة "أردوغان" في الأشهر المقبلة.

وبغض النظر عن الاتجاه التطوري لهذه السياسة الجديدة، سيستمر التأثير الرئاسي القوي على قرارات السياسة الخارجية. إضافة إلى ذلك، سيلعب الجيش والمخابرات دورا في الخط الجديد للسياسة بدعم من المؤسسة الأمنية. بخلاف ذلك، يدعم الائتلاف الحاكم الجديد لـ"أردوغان" مع حزب "الحركة القومية" السياسة الخارجية الناشئة القوية. وبناءً على ذلك، أصبح التوجه الغربي التقليدي لتركيا شيئًا من الماضي، ويعد قرار شراء منظومة "إس -400" المدعوم سياسيا ومؤسساتيا وأمنيا جزءا من سياسة الدولة التركية، وليس مجرد خيار سياسي يمكن عكسه بسهولة في أي وقت.

المصدر | بولنت أراس - لوب لوغ