الثلاثاء 9 يوليو 2019 09:07 م

استجابة للأزمة الأخيرة الناتجة عن الهجمات المرتبطة بإيران في الخليج العربي، وضعت الولايات المتحدة مبادرة لتأمين حركة ناقلات النفط في المنطقة، مع توفير رؤية أفضل لأي حوادث مستقبلية. وتتضمن العملية "سينتينل" أو "الحارس"، نشر سفن حربية وطائرات دوريات بحرية إضافية، بالإضافة إلى وضع كاميرات وأجهزة مراقبة أخرى على السفن الحاملة للنفط التي تمر عبر المنطقة.

وللمساعدة في تخفيف الضغط على الموارد الأمريكية، يحاول البيت الأبيض الحصول على دعم كل من الحلفاء الإقليميين والعالميين الذين يتعرضون أيضا لخطر تعطيل إمداداتهم النفطية بسبب الهجمات الإيرانية. لكن القيام بذلك لن يكون بالأمر السهل، حيث أدى نهج واشنطن الصارم تجاه إيران خلال العام الماضي إلى عزل شركائها الأقرب. ومع ذلك، حتى لو تمكنت الولايات المتحدة من إنشاء مثل هذا التحالف بنجاح، فلن يكون ذلك كافيا للتخفيف من مخاطر الهجمات على الناقلات في المستقبل، والتهديد اللاحق الذي تتعرض له تدفقات الطاقة في العالم.

حروب الناقلات

وليست هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الولايات المتحدة وإيران أزمة في الخليج العربي بشأن مسألة تأمين حركة ناقلات النفط عبر المنطقة. ووقعت سلسلة مماثلة من الهجمات أثناء الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينات، حيث استهدفت كل من طهران وبغداد صادرات الطاقة لكل منهما. كما استهدفت إيران عددا كبيرا من ناقلات النفط الكويتية، وغيرها من ناقلات دول الخليج التي ساعدت في نقل النفط العراقي. وتصاعدت الهجمات باطراد، ما دفع الولايات المتحدة في نهاية المطاف للرد، حيث كانت تشعر بالقلق إزاء تهديد وارداتها النفطية من المنطقة.

وفي عام 1987، أطلق الرئيس "رونالد ريغان" "عملية الإرادة القوية"، أكبر عملية بحرية في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ونشرت واشنطن حينها العشرات من السفن الحربية والطائرات المقاتلة في الخليج العربي، وأعادت تسجيل ناقلات النفط الكويتية تحت العلم الأمريكي، للسماح للبحرية الأمريكية بحمايتها.

ولكن على الرغم من حجمه المثير للإعجاب، لم يتمكن الأسطول الأمريكي من منع إيران من مهاجمة العراق وناقلات النفط التابعة لحلفائه عبر ألغام بحرية وزوارق سريعة وصواريخ كروز مضادة للسفن. وأدى ذلك في النهاية إلى سلسلة من الاشتباكات بين القوات الأمريكية والإيرانية، بلغت ذروتها في القتال العنيف الذي قامت به واشنطن في عملية "صلاة السرعوف" عام 1988 التي استهدفت منصات النفط الإيرانية وساهمت في وضع نهاية للحرب بين إيران والعراق بعد ذلك بوقت قصير.

وعند قياس الفعالية والمخاطر المحتملة لبرنامج "سينتينل" في البيت الأبيض، توجد العديد من الدروس المهمة التي يمكن استخلاصها من خلال مقارنة المواجهة بين ناقلات النفط في الثمانينيات وبين تلك التي ظهرت الشهر الماضي. أولا، من الواضح أن البرنامج، حتى لو تم إنشاؤه بنجاح، لا يضمن بأي حال من الأحوال أن تنوقف إيران أو تقلل من هجماتها على ناقلات النفط التي تشق طريقها عبر الخليج العربي.

وربما يكون هذا أكثر صحة اليوم، نظرا لوجود الكثير من أهداف الطاقة المحتملة في المنطقة، مع عدد قليل جدا من السفن المرافقة المحتملة لحمايتها جميعا.

ثانيا، كان الدافع وراء الهجمات الإيرانية في الثمانينيات يرتبط بأزمة أعمق، وتحديدا الحرب المستمرة مع العراق. ولكن من المرجح أن تشير الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها ناقلات النفط إلى حالة من القلق العميق في إيران، المدفوعة بفعل العقوبات الاقتصادية الشديدة التي فرضتها واشنطن على إيران خلال العام الماضي. ومع القليل لتخسره، فقد جعل الوضع المالي المتدهور لطهران حكومتها أكثر استعدادا للقيام بعمليات محفوفة بالمخاطر.

ما الذي تغير؟

بالإضافة إلى أوجه التشابه هذه، من المهم بنفس القدر فهم ما الذي منذ الثمانينيات. ويعد أهم هذه المتغيرات هو التحول في واردات النفط من المنطقة على مدار الـ 40 عاما الماضية. وفي وقت الحرب بين إيران والعراق، كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة من بين كبار مشتري النفط من الخليج العربي. لكن هذا الاعتماد قد تحول منذ ذلك الحين من الغرب إلى دول الهند والمحيط الهادئ، بما في ذلك شركاء الولايات المتحدة الرئيسيين، مثل الهند وكوريا الجنوبية، وكذلك خصوم الولايات المتحدة بما في ذلك الصين.

أضف إلى هذه الديناميكية المتغيرة نهج إدارة "ترامب" المختلف تجاه تهديدات الأمن القومي. وعلى عكس "ريغان" الأكثر تشددا تقليديا، أعطى الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الأولوية لجهود خفض التزامات الولايات المتحدة الأمنية الشاملة في الخارج، وهو أكثر تحفظا في تحمل العبء الثقيل للموارد العسكرية اللازمة لتأمين حركة ناقلات النفط في الخليج العربي.

ونتيجة لذلك، يضغط البيت الأبيض على حلفائه في الخليج، وكذلك على الدول المستوردة الرئيسية الأخرى للنفط في آسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والدول الأوروبية بدرجة أقل، للمساهمة بشكل كبير في برنامج "سينتينل"، بحجة أن هذه الدول، في الواقع، ستخسر أكثر من جراء تعطل حركة الناقلات، نظرا لاعتمادها الكبير على نفط الخليج العربي. ولهذا السبب، يجب أن يكونوا أكثر استعدادا للمشاركة وتخصيص الموارد للمبادرة التي تقودها الولايات المتحدة لردع الهجمات الإيرانية المستقبلية.

وعلى الرغم من اعتمادها على تدفق النفط من المنطقة، إلا أن العديد من الدول الحلفاء للولايات المتحدة ظلت حذرة بشكل خاص من الدوافع الأمريكية، بما في ذلك اليابان وألمانيا، وكانت مترددة في الالتزام بأصول كبيرة في الخليج العربي، بسبب قلقهم من زيادة التوترات مع إيران. وينشأ عدم الثقة هذا، في جزء كبير منه، بسبب انسحاب "ترامب" من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، ونهج إدارته القاسي تجاه إيران في الأشهر التي تلت ذلك.

وإلى جانب حقيقة أن عددا من كبار مستشاري البيت الأبيض قد تبنوا صراحة الرغبة في توجيه ضربة عسكرية لإيران، تشعر الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة بالقلق من أن زيادة الوجود العسكري في الخليج العربي لن يؤدي إلا إلى جذبهم إلى مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران. وحتى الإمارات العربية المتحدة، التي عارضت تقليديا سلوك إيران الإقليمي، كانت مترددة في توجيه أصابع الاتهام إلى طهران علانية بشأن الهجمات التي تم شنها على ناقلات النفط، خوفا من الآثار المدمرة المحتملة للحرب على اقتصادها واستقرارها بشكل عام، نظرا لقربها الجغرافي من إيران.

حلول أولية لمشكلة أعمق

ومع ذلك، فإن جوهر القضية ليس حجم برنامج الحماية الأمريكي، بل حقيقة أن هذه المبادرات تهدف فقط إلى معالجة الأعراض، وليس الأسباب الجذرية، للعدوان الإيراني. وسواء في الخليج العربي أو عبر المسارح الأخرى في الشرق الأوسط، من الواضح أن الحافز الرئيسي لطهران لمواصلة السلوك العنيف هو ما تعتبره جهود واشنطن لتغيير النظام وإضعاف إيران.

لذلك، تظل حقيقة الأمر هي أنه طالما استمرت الولايات المتحدة في زيادة الضغط على طهران، فإن خطر تصاعد التوترات بين البلدين إلى صراع مباشر، سواء كان صراعا في منطقة محدودة أو صراعات متعددة في أماكن أخرى في المنطقة، سوف يبقى حاضرا.

وسيكون لهذا الصراع بلا شك تأثير مدمر على حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، مقارنة بالهجمات المحدودة في الأسابيع الأخيرة. ولزيادة المخاطر بدرجة أكبر، زادت إيران أيضا من قدراتها العسكرية بشكل كبير لشن هجمات على ناقلات النفط على مدى العقود الأربعة الماضية، مما يعني أن التصعيد في المنطقة اليوم سيشكل تهديدا أكبر بكثير لصادرات الطاقة العالمية مما كان عليه الحال في الثمانينات من القرن الماضي.

المصدر | ستراتفور